الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

مصيبة الحسين (ع)

... يا لها من مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيّتها في الإسلام، وقد أجاد الشاعر حيث قال:

أنْسَتْ رَزيّتكُمْ رزايانا الّتـي          سَلَفَتْ وَهــَوَّنَتْ الرَّزايا الآتية

وَفَجــائِـعُ الأيـّام تَبْقـى مُدَّةً          وَتَزولُ وَهِيَ إلى القِيامَةِ باقية

قال الإمام الرضا (عليه السلام): (انّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون القتال فيه فاستحلّتْ فيه دماؤنا وهُتِكَتْ فيه حرمتنا وسُبِيَتْ فيه ذرارينا ونساؤنا واُضْرمَت النيران في مضاربنا وانتهب ما فيها من ثقلنا ولم يترك لرسول اللّه حرمة في أمرنا، انّ يومَ الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعَنا وأذلَّ عزيزنا، أرض كرب وبلا أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الإنقضاء، فعلى مثل الحسين (عليه السلام) فليبك الباكون، فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام)(1).

إنّا لِلّهِ وَإنّا إلَيْهِ راجِعُون وَسَيَعْلَمُ الَّذينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلبٍ يَنْقَلِبُونَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاّ بِاللّهِ العَلِيّ العَظيم.

محرّم شهر الحسين (ع)

... وها هو المحرّم قد أطلّ على البشريّة فاللازم أن يستفيدوا منه بالقدر الممكن في أبعاد ثلاثة ـ بينما المتعارف الإستفادة من المحرّم في بُعد واحد ـ:

أبعاد الشعائر الدينية

1 ـ بُعد إقامة الصلاة وايتاء الخمس والزكاة وغيرها من شؤون العبادات والأخلاقيّات والآداب وتعمير الحسينيّات والمساجد وتعمير أماكن الزيارات والمشاهد المشرّفة وإطعام الطعام وتسبيل الماء وما إلى ذلك ـ وهذا هو البُعد المألوف قليلاً أو كثيراً ـ.

القوانين الإسلامية:

2 ـ بُعد تطبيق كافّة أحكام الإسلام:

الف: من الشورى في الحكم في انتخابات حرّة تنتخب الاُمّة حكّامها الذين تتوفّر فيهم شروط الإسلام.

ب: ومن إطلاق الحريّات كما أمر اللّه سبحانه حيث قال: وَيَضَعُ عَنْهُــمْ إصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتــي كانَتْ عَلَيْهِمْ(2) مثل حرّية الأحزاب الإسلاميّة التي تكون تحت إشراف المراجع، وحريّة التجارة، وحريّة الصناعة، وحريّة الزراعة، وحريّة العمران، وحريّة السفر والإقامة، وحريّة الطبع والنشر، وحريّة التجمّع، وحريّة إبداء الرأي وسائر الحريّات الممنوحة مِن قِبَل الإسلام والمذكورة في الكتاب والسنّة.

ج: ومن إسلاميّة كلّ القوانين فلا ربا ولا ضرائب غير إسلامية ولا جمارك ولا قوانين مخترعة ممّا لا مصدر لها في الكتاب والسنّة والإجماع والعقل.

د: ومن تحكيم الاخوّة الإسلاميّة فلا حدود بين دول الإسلام ولا يختلف العربي عن الفارسي وعن التركي وعن الكردي وعن الهندي وعن... في أيّة صغيرة أو كبيرة بل (إنَّما المُؤمِنونَ اخوَة)(3) و(لكلّكُم من آدم وآدم مِن تُراب)(4) و (إنَّ هذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمّـَةٌ واحِـدَةٌ وَأنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون)(5) و(وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُم(6).

وقال الإمام الحسين (عليه السلام): لفَلَعَمْري ما الإمام إلاّ الحاكِمُ بالكِتاب القائِم بالقِسْط والدائنُ بدين اللّهِ الحابسُ نَفْسهُ على ذاتِ اللّه(7).

فكيف يمكن ادّعاء الحكّام المستولين على بلاد الإسلام هذا اليوم: الإسلام، وهم يحاربون أظهر أحكام الإسلام، وهي الاخوّة الإسلاميّة، فترى العربيّ يعدّ الفارسي في بلاده أجنبياً، وترى الفارسي يعدّ الهندي في بلاده أجنبياً، وترى الهندي يعدّ الأفغاني في بلاده أجنبياً، وهكذا.

ثم تدرّج هذا إلى أن صار العربي العراقي يعدّ العربي الخليجي في بلاده أجنبياً، والفارسي الأفغاني يعدّ الفارسي الباكستاني في بلاده أجنبياً، وهكذا.

فهل يا ترى يمنع الأخ أخاه عن دخول بلده؟

وهل يعدّ الأخ أخاه أجنبياً؟

وهل يمنع الأخ أخاه عن اشتراء الملك في بلده؟

وهل يمنع الأخ أخاه عن التجارة في بلده؟

فمن يزعم انّ هذا هو الإسلام، فليعلم انّ الإسلام الوارد في الكتاب والسنّة وكتب الفقهاء غير هذا الإسلام الذي يزعمه، والتعليلات التافهة لتبرير الحدود الجغرافية بين بلاد الإسلام، والتفرقة بين المسلمين، ليست إلاّ من ايحاءات الكفّار، الذين يريدون تفريق المسلمين لأجل السيطرة عليهم، كما حدث بالفعل، مثل هذه التبريرات، وذلك مثل التبرير لوجود الربا في البنوك، ومحلات الدعارة والفجور، ومراكز القمار والخمور ووجود الجمارك، وأخذ الضرائب، باسم انّه (لو لم نفعل ذلك لانهدم اقتصاد البلد) أو ما أشبه هذه الأعذار الواهية.

وقد التقى خليفة من الخلفاء بأحد الأئمة (عليهم السلام)، فقال الخليفة للإمام (عليه السلام): عِظني، فقال (عليه السلام): انّ في المسلمين الأكبر والمساوي والأصغر منك عمراً، فاجعل أكبرهم أباً، وأصغرهم ابناً، وأوسطهم أخاً، فبِرّ أباك، وصِل أخاك، وارحم ابنك.

وهكذا يجب أن يكون المسلمون بعضهم مع بعض، وذلك لا قولاً في الإذاعات ووسائل الإعلام فقط، بل عملاً من أجل إسقاط الحدود الجغرافية، والحواجز النفسية والفوارق القانونية إلى غير ذلك من الأحكام الإسلامية التي لم يطبق شيء منها في أي بلد من بلاد الإسلام، والتي سبّبت تأخر المسلمين وهم (ألف مليون)(8) ولا يتقدّمون إلاّ بالعمل بها، وإلاّ فسيبقون متخلّفين، ولن يخلف اللّه وعده، حيث قال: وَمَنْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْري فإنّ لَهُ مَعيشَةً ضَنْكاً(9).

ولقد علّل الإمام الحسين (عليه السلام) ثورته الخالدة بقوله:

(اللّهمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ انّهُ لَمْ يَكُنْ ما كانَ مِنّا تَنافُساً في سُلْطان وَلا التماساً مِنْ فُضول الحُطام ولكنْ لِنُرِيَ المَعالِم مِنْ دينِكَ ونُظْهِرَ الإصلاحَ في بِلادِكَ ويَأمَنَ المَظْلومونَ مِنْ عِبادِكَ وَيُعْمَلُ بِفَرائِضِكَ وَأحْكامِكَ...)(10).

التبليغ الإسلامي:

3 ـ بُعد تبليغ رسالات اللّه، إلى كافّة شعوب العالَم، ممّا يمكن أن يكون المحرّم منطلقاً مناسباً لإبلاغ أهداف الإمام الحسين (عليه السلام) إلى البشرية المتعطشة وذلك بجمع المال في المآتم والحسينيات، وتشكيل الهيئات لأجل إرسال المبلّغين إلى كلّ أنحاء العالم، حيث انّ الإسلام دين عالمي، لإنقاذ جميع الناس من الظلمات إلى النور، وليس دين ألف مليون مسلم فقط.

أليس من المؤسف أن لا يكون للمسلمين في غير أقطارهم حتى مأة مبلّغ؟! بينما تدلّ الإحصاءات على ان للمسيحيين في افريقيا عشرة آلاف مبشّر، وفي آسيا تسعون ألف مبشّر، مهمّتهم تنصير الآسيويين والافريقيين، وهم مزودون بكلّ وسائل الحياة والتقدّم، وقد تمكّنوا من تنصير عشرات الملايين في هاتين القارّتين.

وعلى هذا، فإذا اتخذنا (المحرّم) منطلقاً لهذين البُعدَيْن الأخيرين إلى جانب البُعد الأوّل فقد قمنا بالواجب علينا بالقدر الممكن، مضافاً إلى أن ذلك يوجب إخراج المسلمين من العبوديّة إلى السيادة، وإخراج كثير من غير المسلمين من الظلمات إلى النور.

 

1 ـ المناقب 4 / 86.

2 ـ سورة الأعراف، الآية: 157.

3 ـ سورة الحجرات، الآية: 10.

4 ـ بحار الأنوار 70 / 286 / 9 عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

5 ـ سورة الأنبياء، الآية: 92.

6 ـ سورة الحجرات، الآية: 13.

7 ـ بحار الأنوار 44 / 334 / 2.

8 ـ يشير آخر احصاء صدر عام 1413هـ عن مركز (الدولي الإسلامي للدراسات والبحوث السكانية) بمصر إلى أن عدد المسلمين في تسعين دولة من العالم بلغ مليار وستمأة مليون مسلم. والاحصاءات الاخيرة تقول: بان المسلمين ملياران1419هـ.

9 ـ سورة طه، الآية: 124.

10 ـ تحف العقول 239.