الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

اليقظة الاسلامية

إن هذه الفوضى التي تشاهد في بلاد الإسلام دليلاً على اليأس، بل حالها حال التثاؤب الذي يتّصف به الناعس بعد نوم طويل، حيث ان التثاؤب في هذا الحال، دليل الشروع في اليقظة، لا الأخذ في النوم، وقد نام المسلمون طويلاً طويلاً حتى قُسِّمَتْ بلادهم، ونُهِبَتْ أموالهم، وهُتِكَتْ أعراضهم، واُريقَتْ دمائهم، وسادَتْ فيهم القوانين الكافرة، وعمّت فيه الفوضى والجهل والمرض والفقر والعداء والفرقة، والآن أخذوا يتثائبون للنهوض. فإذا تمكّنوا من جعل برامج صحيحة للنهوض، لوصلوا إلى هدفهم السامي بإذن اللّه تعالى.

والبرامج هي كالتالي:

1 ـ التنظيم وتأسيسه وتوسعته في كلّ بلاد الإسلام، لتكبّر التنظيمات، ويتّصل بعضها ببعض حتّى تكون تنظيماً واحداً ذا أجنحة، بشرط أن تكون فيه انتخابات حرّة دوريّة كلّ عامين مرّة مثلاً.

2 ـ جعل مجلس أعلى لكلّ التنظيمات الإسلاميّة الموجودة، يتداولون الاُمور ويقرّرون الأعمال بأكثرية الآراء، فقد قال علي (عليه السلام): (ونظم أمركُم)(1) وقال اللّه سبحانه: (وأمرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ)(2).

3 ـ التوعية الكاملة بإرشاد الاُمّة إلى مكامن الضعف والقوّة، لإزالة الاُولى، والإستفادة من الثانية، وذلك بحاجة إلى ما لا يقلّ من ألف مليون كتاب، قال (عليه السلام): (العالِم بزمانِه لا تَهْجم عليْه اللّوابِس)(3).

4 ـ الإتّصاف بالأخلاقيات الرفيعة، كما قال سبحانه: (كُنْتُمْ خيْرَ اُمَّةٍ اُخرِجَتْ لِلنّاس تَأمُرونَ بِالمَعْروف)(4) من التعقّل والتدبّر واللين والرفق والتعاون والإخلاص والتشاور والتحابب وغير ذلك (وَتَنْهَوْنَ عن المُنْكَر)(5) من العنف والقسوة والإستبداد والفرقة والتباغض والتشاحن وغيرها، فقد ورد في الحديث: (تخَلَّقُوا بِأخلاقِ اللّه)(6).

5 ـ الجماهيرية، بأن لا ينفصل التنظيم عن الجماهير، كما هو المُشاهَد الآن في بعض التنظيمات الإسلامية، حيث ان الكبرياء والغرور والإستعلاء على الناس، ووَلَعهم في تبنّي البِدَع وارتكاب ما يفصلهم عن الاُمّة، وبذلك يسقطون عن إمكانية استقطاب الجماهير، وفي ذلك يكون سقوطهم، وقد قال علي (عليه السلام): (مَن استبدّ برأيه هَلَك)(7)، وقال (عليه السلام): (أوحَش الوحشة العُجْب)(8).

وقال الإمام الحسين (عليه السلام): (وَاعْلَمُوا إنَّ حَوائِجَ النّاس إلَيْكُمْ مِنْ نِعَم اللّهِ عَلَيْكُمْ)(9).

6 ـ اتّباع الفقهاء المراجع، قال الإمام الحسين (عليه السلام): (ذلك بأنّ مجاري الاُمور والأحكام على أيدي العُلَماء باللّه الاُمناء على حلالِهِ وحرامه)(10)، فإنّ انفصال التنظيم عن المرجعية التي انتخبتها الاُمة، يوجب سقوطه حتّى وان زيّف التنظيم مرجعاً لنفسه، بشتّى المعاذير والعلل، فإن الاُمّة تابعة لمراجعها الحقيقيين، ولا ينطلي عليها التزييف.

7 ـ استقطاب القوى الإسلامية رجالاً من علماء وطباء ومفكّرين ومعدّات من دور نشر ومكتبات ومطابع ومدارس وغيرها، فإن جمع القدرات من أهمّ أقسام الحزم للوصول إلى الهدف، فإن البحار تتكوّن من قطرات الأمطار، والصحارى تتألف من حبّات الرمال.

الهدف الرئيسي للإمام الحسين (عليه السلام)

وبهذا البرنامج يمكن التغلّب على الصعاب، وتطبيق هدف الإمام الحسين (عليه السلام) من ثورته وهو: (طلب الإصلاح في اُمّة جدّه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال (عليه السلام): (إنّي لَمْ أخرُجْ بَطِراً ولا أشِراً وَلا مُفْسِداً وَلا ظالِماً وَإنَّما خرَجْتُ أطْلُبُ الصَّلاحَ في اُمَّةِ جدّي مُحَمّد اُريدُ آمُرَ بِالمَعْروفِ وَأنْهى عَنِ المُنْكَر أسير بسيرة جدّي وسيرة أبي عليّ بن أبي طالب...)(11).

وقد قال (عليه السلام) بلسان الحال:

إن كان دين محمد لم يستقم          إلاّ بقتلي يا سـيوف خذيـني

وقال (عليه السلام): (أمّا بَعْدُ فَإنّي أدْعُوكُمْ إلى إحْياءِ مَعالِم الحَقّ وَإماتَةِ البِدَع فإنْ تجيبوا تهتدوا سُبُلَ الرّشاد)(12).

وقال (عليه السلام): (وَأنَا أدْعوكُمْ إلى كِتابِ اللّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ فَإنْ سَمِعْتُمْ قَوْلي وَاتَّبَعْتُمْ أمْري اهديكُمْ إلى سَبيلِ الرَّشاد)(13).

وبالبرنامج المذكور يكون الوعاة من الاُمّة، قد وضعوا يدهم على أعظم القدرتين إذ في الاُمّة قدرتان (أقلّهما قدرة وهي: الدولة) و(أعظمهما قدرة وهي: الاُمّة) فإذا رأينا قدرة الدول الإسلاميّة سائرة في المنهج المنحرف، يلزم علينا أن نتمسّك بقدرة الاُمّة لتقويم الإنحراف.

منهج اللاعنف

واللازم أن يعرف الجميع من الرؤساء، والأثرياء، والعلماء، وسائر الناس من أصحاب الحرف والمؤسّسات: بأنّ الإسلام إذا أخذ بالزمام يعمل بالنسبة إلى الرؤساء والاُمراء بما عمله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث قال لهم: (إذهَبوا فأنتُم الطلقاء)(14).

وبالنسبة إلى الأثرياء ما ذكرته الآية الكريمة، حيث قال سبـحـانه:

(لَكُمْ رُؤوس أمْوالكُمْ لا تَظْلِمونَ وَلا تُظْلَمون)(15).

وبالنسبة إلى العلماء الإحترام الكامل، حيث قال سبحانه:

(هَلْ يَسْتَوي الّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذينَ لا يَعْلَمُون)(16).

وبالنسبة إلى سائر الناس كما قال سبحانه:

(إنّا خلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَاُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ)(17).

وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

(فَأمّا حَقّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصيحَةَ لَكُمْ وَتَوْفير فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ)(18).

وبالنسبة إلى غير المسلمين، ما قاله علي (عليه السلام) أيضاً:

(الناس صِنْفان: إمّا أ لَكَ في الدّين أو نَظيرٌ لَك في الخلْق)(19).

وقال (عليه السلام) في نهج البلاغة لواليه الأشتر لمّا ولاّه على مصر:

(وَلا تَكونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضارياً تَغْتَنِمُ أكلهمْ فَإنَّهُمْ صِنْفان: إمّا أخ لك في الدّين أو نظير لكَ في الخلْق فاعطِهِمْ مِنْ عَفْوكَ وَصَفْحِكَ مِثْل الّذي تُحِبّ أنْ يُعْطيكَ اللّهُ مِنْ عَفْوهِ وَصَفْحِهِ)(20).

وحتّى بالنسبة إلى المجرمين، قال سبحانه:

(إدْفَعْ بِالَّتي هِيَ أحْسَن السَّيِّئَةَ)(21).

وقد عفى (صلى الله عليه وآله وسلم) عن وحشي قاتل عمّه حمزة، وعن قاتل بنته وحفيده، هبار، كما عفى عليّ (عليه السلام) عن أهل الجمل والنهروان وصفّين، بعد أن ظفر عليهم.

وقد قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما نظمه الشاعر:

مــكـارم الأخـلاق في ثلاثـة منحصرة         لين الكلام والسا والعفو عند المقدرة

وقال علي (عليه السلام): (إذا مَلَكْتَ فَاسْجَحْ)(22).

وقال الإمام الحسين (عليه السلام):

(أيُّهَا النّاس... إنَّ أعْفى النّاس مَنْ عَفى عَنْ قُدْرَةٍ وَإنَّ أوْصَل النّاس مَنْ وَصَلَ مَنْ قَطَعَهُ... وَمَنْ أحْسَنَ أحْسَنَ اللّهُ إلَيْهِ وَاللّهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ)(23).

فلا يتوهّم أحد ان الإسلام إذا أخذ بالزمام يعمل استبداداً، أو ينتقم، أو يعمل عملاً ممّا تعمله حكومات الشرق والغرب، كما تعمله بريطانيا في عراق البعث، وروسيا في افغانستان، وامريكا في فلسطين، وغيرهم من الحكومات الكافرة، في البلاد الإسلامية.

بل لو أنّ اللّه تعالى هدى العالم إلى الإسلام، لتخلّص الشعب الروسي والصيني عن مظالم الشيوعية، والشعب الامريكي والاوروبي عن مظالم الرأسمالية والإشتراكية، وذلك على المنهاج الذي عمله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مدّة حكومتهما حيث انطوت تحت رحمة نبيّ الإسلام ونظامه العادل: (الحجاز، واليمن والبحرين وقسماً من بلاد الخليج).

وفي كلّ تلك الحروب التي أشعلها المشركون لإطفاء نوره (صلى الله عليه وآله وسلم)، واضطرّ أن يتصدّى لها دفاعاً، كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يسعى بجد للتوصّل إلى المهادنة والسلام حرصاً منه على حفظ النفوس وقلّة القتلى، ولذلك لم يكن قتلى الفريقين طيلة تلك المدّة إلاّ ألفاً وثمانية حسب مـــا أحصاه بعض العلماء ممّا يشير إلى رحمة الإسلام وعدله الشامل.

اصول الثورة

كانت حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) أكبر دولة في عالم ذلك اليوم (من أواسط افريقيا إلى أواسط آسيا، ممّا عَـدَّ بعض العلماء انّ دولته (عليه السلام) كانت تشمل خمسين دولة في خريطة عالم اليوم).

ومع ذلك كان يعفو عن المسيء، ولا يأخذ المال من أحد ظُلماً، ويقسم الفيء بين المسلمين، وقد قال (عليه السلام) في كلام له: (انّه وَفَّرَ لكلّ الناس المسكن والماء والرزق) ولم يكن في تلك الدولة الكبيرة، حتّى إنسان واحد متيقّن بأنّه جائع، ولذا قال (عليه السلام): (ولعلَّ بالحِحاز أو اليمامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ في القُرْص وَلا عَهْدَ لَهُ بِالشَّبع...)(24) يعني انّه لا يعلم بذلك علماً، وانّما يحتمله احتمالاً، وكان يستشير الناس في اُموره حتّى جعل (عليه السلام) من حقّ رعيته عليه (كما في نهج البلاغة) إعطائهم المشورة له، وكان يُراقب عُمّاله وقضاته، حتى انّ واليه عثمان بن حنيف لمّا حضر وليمة في البـصرة عـاتبه بـكتاب، حيث يقول (عليه السلام):

(أمّا بعد، يابن حنيف، فقد بَلَغَني انَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أهْل البَصْرَةِ دَعاكَ إلى مَأدُبَةٍ فَأسْرَعْتَ إلَيْها تُسْتَطابُ لَكَ الألْوان وتُنْقَلُ إلَيْكَ الجفان وَما ظَنَنْتُ انّك تُجيبُ إلى طَعام قَوْم عائِلُهُمْ مَجْفُوّ وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوّ، فَانْظُرْ إلى ما تقضمهُ مِنْ هذا المقضم، فما اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمهُ فالفظهُ، وَما أيْقَنْتَ بطيبِ وُجوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ.

ألا وانّ لِكُلّ مَأمُوم إماماً يَقْتَدى بِهِ وَيَسْتَضيءُ بِنُور عِلْمِهِ، ألا وَإنَّ إمامَكُمْ قَد اكْتَفى مِنْ دُنْياهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طَعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ، ألا وَانّكُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى ذلــِكَ وَلكِنْ أعينُوني بِوَرع وَاجْتِهادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدادٍ فَوَ اللّهِ ما كَنَزْتُ مِــنْ دُنْياكُمْ تِبْراً وَلا ادّخَرْتُ مِنْ غَنائِمِها وفراً وَلا أعْدَدْتُ لِبالي ثوبي طمراً ولا حُزْتُ مِنْ أرْضِكُمْ شِبْراً)(25).

ولمّا ضرب قنبر انساناً سوطاً بغير حقّ اقتصّ منه، وقد عزل والياً له بمجرّد شكاية امرأة منه، وعزل قاضيَه أباالأسود، وبيّن (عليه السلام) انّ عزله كان بسبب انّ صوته يعلو صوت الخصمَيْن.

إلى كثير من أمثال ذلك في سـيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرة عليّ (عليه السلام)، ممّا يجب أن يطبّقه (شورى المراجع) الذين هم أعلى سلطة في الدولة الإسلاميّة المترقّبة بإذن اللّه تعالى (ذات ألف مليون مسلم) ـ لا بالنسبة إلى المسلمين، بل وحتّى بالنسبة إلى الأقليّات ـ فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: لمَنْ آذى ذِمِّـياً فَقَدْ آذاني)(26).

وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): (مَنْ ظَلَمَ مُعاهِداً أو انْتَقَصَهُ حَقَّهُ أو كلَّفَهُ فَوْقَ طاقَتِهِ أو أخذ مِنْهُ شيئاً بغير طيب نَفْس فَأنَا حَجيجهُ يَوْمَ القِيامَةِ)(27).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (مَنْ آذى ذِمِيّـاً فَأنَا خصْمُُهُ وَمَنْ كُنْتُ أنَا خصْمُهُ خصَمْتُهُ يَوْمَ القِيامَة)(28).

فإنّ مِن دون تطبيق ذلك لا يتمّ تطبيق الإسلام، وقد قال علي(عليه السلام):

(وليتأسَّ مُتَـأسّ بِنَبِيِّهِ، وَإلاّ فَلا يَأمَنَنَّ الهَلَكَة)(29).

 

1 ـ نهج البلاغة.

2 ـ سورة الشورى، الآية: 38.

3 ـ بحار الأنوار 68 / 307 / 84.

4 و5 ـ سورة آل عمران، الآية: 110.

6 ـ بحار الأنوار 58 / 129.

7 ـ بحار الأنوار 72 / 104 / 38.

8 ـ بحار الأنوار 69 / 316 / 25.

9 ـ بحار الأنوار 78 / 121 / 4. وبحار الأنوار 78 / 127 / 11.

10 ـ تحف العقول 238.

11 ـ المناقب 4 / 89.

12 و13 ـ من كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) 64.

14 ـ بحار الأنوار 19 / 181 / 29.

15 ـ سورة البقرة، الآية: 279.

16 ـ سورة الزمر، الآية: 9.

17 ـ سورة الحجرات، الآية: 13.

18 ـ نهج البلاغة، الخطبة رقم 34.

19 ـ بحار الأنوار 33 / 600 / 744.

20 ـ نهج البلاغة في كتابه للأشتر النخعي.

21 ـ سورة المؤمنون، الآية: 96.

22 ـ بحار الأنوار 20 / 299 / 4.

23 ـ راجع بحار الأنوار47/400/41. وبحارالأنوار87/121/4.

24 ـ بحار الأنوار 33 / 474 / 686.

25 ـ راجع نهج البلاغة: ومن كتاب له (عليه السلام) إلى عثمان بن

حنيف الأنصاري.

26 ـ راجع البحار 74 / 21 / 2. والمستدرك 11 / 168 / الباب 3.

27 ـ راجع البحار 74 / 21 / 2. والمستدرك 11 / 168 / الباب 3.

28 ـ رجع البحار 74 / 21 / 2. والمستدرك 11 / 168 / الباب 3.

29 ـ راجع نهج البلاغة، الخطبة رقم 160.