الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

ملامح الحكومة الإسلامية المرتقبة

وعلى هذا فملامح الدولة الإسلامية المرتقّبة، هي:

1 ـ شورى مراجع التقليد، الذين تتوفّر فيهم شروط المرجعيّة، إلى جانب اختيار أكثريّة الاُمّة لهم، في أجواء حرّة.

2 ـ الأحزاب الإسلامية الحرّة التي أزمّتها بأيدي مراجع التقليد.

3 ـ تطبيق جميع القوانين الإسلامية، والتي منها الحريّات الآنفة الذكر، والاخُوة الإسلامية، وإسقاط الحدود بين البلاد الإسلامية، حتى تكون بلداً واحداً.

فإذا جعلنا مجالس الحسين (عليه السلام)، منطلقاً إلى هذه الاُمور، فقد أدّيْنا بعض ما علينا مـن اللازم تجـاه الإمام الحسين (عليه السلام) الذي لم يضحّ بنفسه وأهل بيته وأصحابه إلاّ لتطبيق الإسلام وإنقاذ الناس، كما في زيارته (عليه السلام): (لِيَسْتَنْقِذَ عِبادكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحيرةِ الضَّلالَةِ)(1).

وإذا توفّرت الحركة الإسلامية الصحيحة ذات الصبغة الجماهيرية الواسعة، ووعى الشعب خيره من شرّه، تعقّب ذلك ما يلي:

حكومة الشعب:

الأوّل: اختفاء الإنقلابات العسكرية، التي ليست إلاّ عبارة عن تآمر جماعة من فاقدي الكفاءات بتخطيط من الكفّار والأجانب، للقفز على الحكم، ثم لا يكون شأنهم إلاّ سفك الدماء ومصادرة الأموال وملىء السجون وجعل البلاد نهباً للأجنبي الشرقي والغربي.

وكذلك اختفاء الحكومات الوراثية، والوصائية، حيث تمهّد الحكومة السابقة جوّاً من الدعاية لما تريده من حكومة مستقبلة ليس همّها إلاّ حفظ مصالح السابقين، فإنّ كلّ هذه الحكومات (الإنقلابية، والوراثية والوصائية) لا تكون إلاّ في جوّ فقدان الوعي وعدم وجود حركة إسلامية صحيحة تقف بالمرصاد لكل محاولة انتزاع السلطة من الاُمّة.

التعددية:

الثاني: توزّع القدرة حينئذ بين كافّة الطبقات والفئات، سواء قدرة الحكم أو السلاح أو العلم أو المال أو غيرها، فلا تكون القدرة بيد جماعة خاصّة تستبدّ بها، أمّا سائر الناس فلا شأن لهم، ومن لم يصفّق منهم للسلطة يكون مصيره السجن والتعذيب والقبر ومصادرة الأموال.

ولقد كان معاوية مصداقاً ظاهراً للحاكم المستبدّ الذي جمع مختلف السلبيّات ولقد قال فيه الإمام الحسين (عليه السلام): (أمّا بعد يا معاوية... لقد فضّلتَ حتى أفرطْتَ واستأثرْتَ حتّى أجْحَفْتَ و....)

وقال (عليه السلام): (فأبْشِر يا معاوية بالقصاص.. وليس اللّه بناس لأخذك بالظنّة وقتلك أولياءه على التهمة ونفيك أولياءه مِنْ دورهِم إلى دار الغُرْبَة وأخذك للناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الشراب ويلعب بالكلاب، ما أراك الاّ قد خسرْتَ نفسكَ وتبرّت دينك وغششتَ رعيّتك وأخربْتَ أمانتك وَسَمِعْتَ مقالة السفيه الجاهل وأفت الورع التقي)(2).

بينما إذا وزّعت القدرة يقع التنافس الحرّ، ولا تقدر جهة أن تجحف بحقّ الناس، كما هو الحال في (الإستشارية الإسلاميّة) ممّا يوجد شيء قليل منه في الديـمقراطية.

ان الغرب لمن العِبَر لنا نحن المسلمين، فانهم انما تمكّنوا السيطرة على البلاد الإسلامية وتدميرها، لتوزّع القدرة بينهم، ولدكتاتورية حكام بلاد الإسلام واستبداد الحزب الحاكم بالقدرة فيها، فبينما ترى في الغرب تعدّد الأحزاب الحرّة، وتعدّد الصحف الحرّة، وتبدّل الدولة من أوّلها إلى آخرها كلّ فترة مرّة في انتخابات حرّة، وكون الإعلام والمال والسلاح والعلم للجميع (وبطبيعة الحال الحرية في منطقهم، لا في منطق الإسلام).

لا ترى من مثل هذه الحريّات في البلاد الإسلامية أقلّ أثر، حيث البلاد بما فيها من أغلبية مسلمة ساحقة ترزح تحت كابوس حكّام نزوا على الحكم بلا كفاءات ولا معتقدات اسلامية وفرضوا على الاُمة المسلمة أنظمة مخترعة من مثل القومية أو البعثية أو الشيوعية أو الديمقراطية المزيّفة، أو العلمانية، التي لا تعرف من الإسلام سوى التشدق باسمه، ومن القرآن إلاّ اجادة طبعه ورسمه، فهي بمعزل عن الإسلام والمسلمين وعن القرآن وأحكامه السامية.

أليس ذلك عبرة أن نعرف الداء ونعرف الدواء، ونحاول علاج المرض؟ وحينذاك تتجلّى عظمة الإمام الحسين (عليه السلام) في كلامه حيث قال: (...إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم)(3).

وقال (عليه السلام) للحر: (ما أخطأت امّك إذ سّمتك حراً، فأنت حرّ في الدنيا وسعيد في الآخرة كما يظهر ذلك في ارجوزته (عليه السلام) يوم عاشوراء وهو يكرّ على الأعداء ويقول:

آليـــت لا اُقــــتل إلاّ حــــرّاً****وإن رأيت الموت شيئاً نُـكراً

الكفاءات:

الثالث: ظهور الكفاءات، فإن الكفاءات لا تعيش في جو الاختناق والإرهاب، ولا تظهر ثمارها في مثل هذا الجو، وهذا أيضاً من أسباب قوّة الغرب وضعف المسلمين، فقد جاء في تقرير مسبق: ان في خلال ربع قرن من الزمان فقط وليس أكثر هرب من أصحاب العقل والفكر وذوي الكفاءات العلميّة والعمليّة، من الشرق الأوسط إلى امريكا واروبا وغيرها، زهاء نصف مليون، هذا بالإضافة إلى الذين قُتِلوا، أو جُمّدت نشاطاتهم، أو لم تتفتق مواهبهم من ملايين المسلمين.

وقد أصبحت غالب البلاد الإسلامية في الحال الحاضر، وفي عصر النور والذرّة تعاني من حيث سحق الكفاءات وملاحقة أصحاب العقل والفكر بأبشع مما كانت تعاني منه في القرون الوسطى وفي عصر الظلم والظلمات، فقد طارد حكّام تلك العصور من أمثال جابر بن حيان الكيماوي الكبير، حتى اختفى، وقَتَلت ابن السكيت بسلّ لسانه من قفاه، وقَتَلت عبد اللّه بن المقفع بقطع أعضاء جسده عضواً عضواً، وإلقائه في النار وهو حيّ وذلك أمام عينيه، حتى مات، ثم القاء بقاياه في النار أيضاً.

وقتلت ابن مقله بقطع يمينه ولسانه، حتى مات، وضربت على رأس محمد بن زكريا الطبيب كتبه حتى عمى وبقي متأثراً بالضربة حتى مات.

واننا نجد في كتاب الإمام الحسين (عليه السلام) لمعاوية:

(... ألستَ القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلّين العابدين كانوا ينكرون ويستفظعون البدع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يخافون في اللّه لومة لائم، ثم قتلتَهم ظلماً وعدواناً بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكدة؟... أولستَ قاتل الحضرمي... قَتَلهم (زياد) ومثّل بهم بأمرك)(4).

نعم قتلوا (حجراً) و(ميثماً) و(كميلاً) وغيرهم، أما قتلهم للأئمّة الهداة الطاهرين وأولادهم وذويهم فحديث الركبان.

الرابع: يظهر واقع الثقل في مختلف الأبعاد العلمية والعملية في بلاد الإسلام، حيث ان الثقل والواقعية الزراعية والصناعية والتجارية والثقافية والعسكرية وغيرها، وليدة الكفاءة والحريّة، وبذلك تتلاحم القدرة والإيمان والعلم والمال والسلاح، وتتقدّم البلاد إلى الأمام بخطوات سريعة.

الخامس: استرجاع البلاد الإسلاميّة الضائعة، وانقاذ أهلها من براثن الكفار والمستعمرين، سواء المنسية منها، كالبلاد الإسلامية التي ترزح تحت الإحتلال الروسي أمثال (ارمينيا، وازبكستان، وتركستان، وتاجكستان، وقرقيزيا، وقازقستان) أم غير المنسية منها كفلسطين وارتريا وبلاد مورو وغيرها.

وإذا رأينا كيف ان المحرّم يمكن أن يكون منطلقاً للنجاة والإنقاذ، فالواجب هو:

1 ـ تكثير المجالس الحسينية، كمّاً.

2 ـ وتقويتها، كيفاً.

3 ـ وربطها بالوسائل الحديثة كالإذاعات والتلفزيونات والجامعات والصحف والأقمار الصناعية، وما إليها.

الإخلاص في العمل:

ثم ان من الضروري الإهتمام لمزيد من الإلاص في قضايا الإمام الحسين (عليه السلام)، واقتران ذلك بالتقوى، فإنّ اللّه تعالى انّما يَقبل عمل المتّقين، كما قال سبحانه: (إنَّما يَتَقَبَّل اللّهُ مِنَ الـمُتَّقين)(5)، فإنّ العمل إذا لم يكن منبعثاً عن الإخلاص لم يكن له أجر، بل كان له وزر، ويكون كذبائح (نمرود) للّه تعالى، فقد روى العلاّمة النراقي رحمه اللّه، ان نمرود لمّا رآى ان نار إبراهيم (عليه السلام) أصبحت عليه برداً وسلاماً أراد أن يظهر لعَبَدَته وبني قومه انه معترف باللّه، وانّه الإله الأكبر له، وليس هو إله إبراهيم (عليه السلام)، فقرّب إليه سبحانه بثمان عشرة ألف بقرة.

ومن الواضح انّ اللّه لا يَقبل عمل المفسدين، كما قال سبحانه في شأن قربان قابيل: (إذ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر(6) فإذا فعلنا كل ذلك، نكون قد ساهمنا في بيان هدف الإمام الحسين (عليه السلام) وواصلنا نهجه في مكافحة الإنحراف العقائدي والعملي كالكفر والنفاق والرذيلة والمرض والجهل والفقر والتخلّف والفوضى والحرب والعدوان والفرقة والتشتّت والخرق والقسوة والدكتاتورية والإستبداد وذلك بسبب مجالس الإمام الحسين (عليه السلام)، وإقامة الشعائر الحسينية، وما ذلك على اللّه بعزيز.

كربلاء المقدسة

محمد الشيرازي

 

1 ـ بحار الأنوار 98 / 231 / 2.

2 ـ بحار الأنوار 44 / 214 / 9. ومن كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)119.

3 ـ بحار الأنوار 45 / 51 / 37.

4 ـ من كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) 118ــ 119

5 ـ سورة المائدة، الآية: 27.

6 ـ سورة المائدة، الآية: 27.