الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

المجتمع يفرز الطغاة

ولنتكلم هنا بإيجاز: المجتمعات التي ضعف فيها المصلحون وشرس فيها المفسدون تفرز الطغاة فإن في المجتمع الذي فيه المصلح خامل والمفسد فيه نشط، من الطبيعي أن يأتي الطاغي ويتحكم به وحيث المفسدون كثيرون فمن الطبيعي أن يستولي هؤلاء على البلاء ويتحكمون على رقاب العباد ولذا ورد في الحديث عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر وإلا ليسلط الله عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم) وهذا شيء عقلي ومنطقي مقبول لأن المصلح إذا لم يصلح فذلك يعني أن المجتمع صار مجتمعاً فاسداً بل بؤرة للفساد وعندها من يأتي على الحكم؟ حتماً أحد الفاسدين (كيف ما تكونوا يولى عليكم) فإذا جاء أحد الفاسدين وتحكم وحكم المجتمع وأنت دعوت الله هل تتغير تلك الموازين بهذا الدعاء؟ كلا وفي هذا الحديث وهو (لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر وإلاّ ليسلط الله عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم) الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين قانونين كونيين، قانون مجيء الطغاة، وقانون أن الدعاء لا يرفع الطغاة، كلاهما قانونان كونيان، وهذا لا يعني أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كشف إلينا أن هذا تشريع، أو أن هذا موضوع غيبي، أو أن هذا أخبار عن المغيبات، إن أي إنسان حكيم وعاقل، (والرسول سيد الحكماء وسيد العقلاء) يفهم أن المجتمع الذي فيه المصلح خمل والمفسد فيه نشط تلقائياً يأتي الطاغي إلى الحكم ويفرض تحكمه وسيطرته واستبداده على رؤوس الناس، وإذا جاء الطاغي إلى الحكم فإن عملية تغيير ذلك الوضع والواقع لا تتم بالدعاء وحده وإنما تتم بواسطة الدعاء والعمل أيضاً لأن لكل واحد منهما مقامه، والمجتمع الروماني كان مجتمعاً فاسداً منحطاً، والمجتمع الإسلامي مجتمع ناشئ هش، ومعاوية ويزيد وليدا هذا المجتمع.

فمعاوية وُلد في بلاد الروم، لا في بغداد ولا في المدينة، ولا في الكوفة ولا في البصرة، وإنما حكم معاوية وُلد في الشام، الشام بلاد الرومان، والرومان كانوا أناساً فاسدين إلى أبعد الحدود، ولذا لما جاء الإسلام أزاحهم كهشيم محتضر، إذا كان المجتمع الروماني مجتمعاً متماسكاً قوياً مبّيناً، كانوا يقابلون المسلمين بأشد أنواع المقابلة.

لاشكّ أن الله سبحانه وتعالى نصر الإسلام، لكن نصرة الله للإسلام كانت بما كان في المجتمع الروماني قبل الإسلام ذلك لأنه مجتمع هش فاسد منحط، ولذا لما اصطدم بالإسلام على قلة عدد الإسلام وعدده، صار المجتمع كالهشيم المحتضر.

هذا المجتمع ولّد معاوية، معاوية ما كان يتولد في المدينة أبداً، وما كان يتمكن أن يتولد في مجتمع متدين نظيف.

الشاعر يقول في شعر مشهور:

لم أدر أين رجال المسلمين مضوا           أم كيف صار يزيد بينهم ملكا

والجواب عن سؤال الشاعر واضح.. المجتمع الروماني الفاسد من ناحية المفسدين، المجتمع الإسلامي الهش المتفكك من ناحية المصلحين، لهذا الشيء ولد معاوية ويزيد المجتمع الروماني الفاسد، وسبب هذا التفكك والهشاشة هو أن المجتمع الإسلامي أولاً مجتمع ناشئ، ومعلوم أن المجتمع الناشئ بسرعة يحن ويرجع إلى أنسابه وأحسابه وقبائله وأفكاره ودور الإصلاح والتغيير فيه لم يتجاوز الصبغة والظاهر (ومن أحسن من الله صبغة) النبي صبغ ذلك المجتمع الوليد بالصبغة الإسلامية الرسالية كي تتعمق مستقبلاً وتصبح قيمة حقيقية تكمن في أعماق القلوب السليمة وجاء الخليفة الأوّل والثاني ومضيا، حتى جاء الخليفة الثالث وتفكك المجتمع الإسلامي تفككاً ذريعاً بسبب تصرفه وتصرف حواشيه.

وفي هذا المجتمع المتفكك، لم يتمكن المصلحون من تقويم المعوج وقلّ المصلحون وكثر المفسدون فتولد من ذلك حكم معاوية ويزيد، هذا منشأ ولادة هذين الرجلين في مجتمع ليس معروفاً بالصلاح ولا بالإسلام ولا بالسوابق ولا بأي شيء حسن، فقد جاء المسلمون وفتحوا البلاد وسلموا البلاد إلى معاوية ورجعوا إلى بلادهم، فكم مسلم كان في المجتمع في أيام معاوية في سوريا؟ أعداد قليلة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذا خاف معاوية من أبي ذر وحده، لأن المجتمع ما كان يعرف الموازين الإسلامية والقيم الإسلامية فكان يخشى أن يقلب عليه الأوضاع فهو كما لو ذهبت إلى نيويورك، وبدلت نيويورك إلى صبغة إسلامية، ثم خرجت من نيويورك، فهل سيكون مجتمع نيويورك مجتمعاً مسلماً عميق الإيمان والإسلام؟ كلا وإنما الصبغة والصورة فقط هي التي تغيرت لا أكثر ولا أقل، ولذا فإن أي إنسان جاء وقال لهم هذا هو طريق الفاتح يخضعون له ويسلمون إليه، فمجتمع سوريا أو مجتمع الرومان. ولّد معاوية ويزيد الطاغيين وهكذا يتولد الطغاة في المجتمعات حيث أن العامل الأساس في تربية نماذج الطاغوت هي الحالة الاجتماعية الفاسدة القائمة في المجتمع وأما المجتمع الذي يكثر فيه المصلحون فإنه يكون مرتعاً لتنامي الخير والإصلاح بل ربما يستحيل أن يولد فيه الطغاة.

ومن هنا نستطيع أن نقول أن أي طاغ رأيت ولد في منطقة، سواء في العراق، أو في مصر، أو في أي بلد كان، أعرف أن له مقومات والمقوم الأوّل هو الحالة الاجتماعية المنحرفة والفاسدة في ذلك المجتمع.

وطبعاً المصلح لا نقصد به من يخطب ويأمر المعروف وينهى عن المنكر في مجتمع متدين صغير أو أكبر وإنما المصلح يعني الذي يغير، يعني الذي يبدل، يعني الذي يقابل الطغاة أما في المجتمع الذي قل فيه المصلحون وكثر في المفسدون فإن ذلك يتولد فيه الطغاة، جمال عبد الناصر أين ولد، ولد في مصر في بيئة تلك المرأة التي كانت فاجرة في مصر وكانت مطربة الباشوات حيث كانوا يأتون إليها ويقبلون رجليها ويشربون الخمرة التي تصب في حذائها تبركاً بها، هذا المجتمع يولد جمال عبد الناصر وهذا وفق ما تقدم أمر طبيعي وليس علينا أن نقول كيف يقع كل ذلك،؟ وكيف ولدوا هؤلاء لأن ذلك قانون جاري في كل مجتمع فاسد ومنحرف.

أحد أشباه العلماء في مصر يبرق إلى ملك فاسد يقول أبرقت إلى أطهر مكان، وأي مكان، مكان هذا الملك المشهور بالفسق والفجور و… و… يصبح مكانه أشرف بقاع الأرض وأطهرها، راجعوا التاريخ وانظروا أن المجتمع الذي يولّد الطاغي دائماً المصلح فيه قليل والمفسد فيه كثير ومن الطبيعي عندما يكون المفسد هو الأقوى فإنه يصل إلى قمة الحكم فيعمل ما يشاء، ولذا ورد في الحديث الشريف (كيف ما تكونوا يولّى عليكم)، هذا موجز عن كيفية ولادة الطغاة في المجتمعات.