الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الطبيعة النفسية للطاغية

ونأتي إلى الموضوع الثاني، وهو أن نفسية الطغاة على قسمين لا ثالث لهما، لأن الطاغي أما أن يكون طاغياً ماكراً، وأما أن يكون طاغياً بليداً، لا ثالث لهما. وعلامة هذين الطاغيين، هي أن الطاغي الماكر مخادع في الحرب، دنئ في السلم، بينما الطاغي البليد شرس في الحرب، مستهتر في السلم.لنمثل بمعاوية ويزيد.معاوية من النوع الطاغ الماكر، لأن طبيعة معاوية طبيعة ولد زنا، وكلنا نعلم عن طريق العلم الحديث، والعلماء ذكروا في علم النفس أن ولد الزنا يخرج ماكراً في طبيعته، ولا اسميه ذكياً، لماذا؟ لأن الزنا يقع مع اضطراب النفس، والتفات النفس إلى أن لا يعرفها أحد، إلى أن لا يراها أحد، إلى أن لا يسمع حسيسها أحد، وهذه طبيعة مرتبكه تنطبع في الولد، حتى علم النفس يقول: إنك إذا نظرت إلى صورة في دارك، الولد يخرج بهذه الصورة، عند المجامعة والوقاع، ولذا في الإسلام كره أن، يقارب الرجل زوجته بفكر امرأة أخرى، (في أحاديث موجودة في كتاب النكاح تنهى عن هذا الشي، وهذا بحث مفصل لا أريد أن أتطرق إليه الآن).

فطبيعة معاوية، هذه طبيعة ماكرة مخادعة، لأن معاوية ابن أبي سفيان وهند، وكلاهما زانيان مشهوران، هند وأبو سفيان ولد منهما معاوية كيف يخرج ولدهما؟ فمعاوية بطبيعته ماكر، وطبيعة المكر كما قلنا مخادعة في الحرب ودناءة في السلم وقد ظهر هذا المخادع على حقيقته في الحرب، (في حرب عليّ (عليه السلام) مع معاوية)، حيث مارس دور المخادعة وكذلك في حربه مع الإمام الحسن (عليه السلام) فإنه قام بنفس العمل الخداعي، وفي كل حروب معاوية كانت للخدعة دور كبير ومنهم.

وهذه طبيعة المكر، وكذلك في سلمه دنيء، الإمام الحسن (عليه السلام) صالحه حقنا لدماء المسلمين وبعده صعد معاوية المنبر قائلاً: وضعت كل شروط الإمام الحسن (عليه السلام) في الصلح تحت قدمي، وهذه دناءة ذاتية متأصلة في النفس حتى الرجل الماكر إذا أراد أن لا يفي للإمام بالشروط، بأي داع يقول ذلك فوق المنبر وعلى رؤوس الأشهاد أو يقول (ما حاربتكم، لتصلوا أو تصوموا، وإنما حاربتكم لأتأمر عليكم)، (هذه كلمة تسجل على الشخص) لكن هذه طبيعة المكر وطبيعة الدناءة (الماكر مخادع في الحرب دنيء في السلم)، ثم إنه يعلم أن الإمام الحسن، لا يحارب بعد ذلك لأنه هو أعرف بالإمام الحسن وأنه يفي له بالشروط ومع ذلك سمّ الإمام الحسن، والإمام (عليه السلام) شيخ كبير السن، ولعله كان يموت بعد ست أو خمس، أو أربع سنوات، لكن طبيعة الدناءة لا يمكن أن تصبر على ذلك، هذا صنف من الطغاة، وهؤلاء ماكرون دنيئون.

القسم الثاني من الطغاة الطاغي البليد: الطاغي البليد كيزيد بن معاوية، هذا طاغ بليد والبليد شرس في الحرب، وكلكم تعلمون قصة الإمام الحسين (عليه السلام)، وشراسة هذا الرجل الجاهل (يزيد) وكلكم تعلمون قصة مكة وشراسته، هذا معنى (أن الرجل شرس في الحرب) لأن الطغاة لا يستجيبون للموازين والقوانين والأفكار والتعقل، ومن هنا سمى طغيان النار مثلاً، يعني لا تعرف الموازين والقوانين والاحترام والزيادة والنقيصة، هذا الطاغي وهو يزيد (أو الطاغية والتاء للمبالغة مثل تاء علامة، لأنه كما يقول السيوطي التاء على أربعة عشر قسماً في اللغة العربية منها تاء المبالغة، مثل تاء الطاغية) البليد، من طبيعته الشراسة في الحرب، كما أن من طبيعته الاستهتار بالإسلام، ولذا كان يقوم بمصاحبة القرد وممارسة القهر وشرب الخمر والزنا والاستهتار بحقوق الناس وعدم الالتفات إليهم وعدم تقديرهم.

حتى أن أحد علماء السنة (في قصة طويلة)، قال: كنا نخاف أن تمطر السماء بالحجارة، ذلك لأن يزيد كان يزني بالمحارم، أمثال أخته وعمته وما أشبه، هذان نموذجان من الطغاة وعلى طول الخط الطاغي أما هكذا وأما هكذا، ولا قسم ثالث للطاغي، حيث إما يكون طاغ ماكر مخادع دنيء، وإما طاغ بليد شرس مستهتر، والإمام الحسن (عليه السلام) قيظهُ الله سبحانه وتعالى لمقابلة الطاغي من القسم الأوّل، بينما الإمام الحسين (عليه السلام) قيظهُ الله سبحانه وتعالى لمقابلة الطاغي من القسم الثاني، المصلحون في العالم دائماً يجب أن يقتدوا أما بالــحسن إذا كان أمامهم مثل معاوية، وأما أن يقتدوا بالحسين إذا كان أمامهم مثل يزيد.

ومورد الحديث الشريف (الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا).

يبيّن بالنسبة للإمام الحسن كيف يجب أن يحارب وكيف يجب أن يسالم حتى أن الإمام (عليه السلام) إذا لم يكن يسالم معاوية لكان ذلك نقصاً في دوره إذ أن معاوية كان العملة المزيفة التي لها وجهان:

وجه حرب ووجه سلم، وعلى الإمام الحسن أن يظهر الوجهين، فإذا كان الإمام يحارب فقط لكان يظهر وجه معاوية الحربي والمخادع فحسب، أما وجهه السلمي فما كان يظهر ولا ينجلي، وكذلك العكس أيضاً حيث أن الإمام الحسن (عليه السلام) إذا لم يحارب لكان نقص في دوره لأنه كان يظهر وجه سلم معاوية فقط، أي وجه دنائته دون أن يكشف وجهه الحربي، ولذا كان الإمام الحسن دقيقاً في تخطيطه الذي هو تخطيط من الله سبحانه وتعالى حسب المنطق والعقل (بقطع النظر عن العصمة، واعتقادنا نحن به كإمام مفترض الطاعة والولاية) لذا فإن الإمام (عليه السلام) حارب فترة من الزمن لإظهار وجه معاوية السلمي، يعني أظهر الخداع وأظهر الدناءة، ولو كان قد حارب الإمام حتى يقتل مثلاً لما كان يظهر سباب علي (عليه السلام) على المنابر والإمام الحسن جالس تحته، في الوقت الذي كان الشرط في الصلح أن لا يسبّ علي (عليه السلام)؟ وما كان ينكشف تجاوز الشرط الآخر الذي شرطه الإمام في الصلح في عدم التعرض للإمام الحسن وأقربائه وشيعة علي (عليه السلام)؟

وكذلك ما كان يظهر قوله على المنبر منيت الحسن وشروطه كلها تحت قدمي!!

هذه كلها لم تكن تظهر لو لم يسالم الإمام معاوية ويتصالح معه فصلحه معه بين حقائق الأمور ووقائعها ووضعها أمام أعين الناس ليعرفوا من الإمام ومن معاوية؟

وإن لم يكن هناك مصلح كالإمام الحسن، لما كان يظهر وجها معاوية وجه سلمه ووجه حربه، لذا فالإمام الحسن سيبقى نهجاً وخطاً يقف أمام كل من يأتي من الطغاة إلى يوم القيامة يتمثل بصورة معاوية وبذلك يتعلم المصلحون طريق المقاومة، وهناك حديث جميل وأظن أن الحديث يشير إلى هذه الصورة، وليس للحديث دلالته الكافية، (لأن بعض الأحاديث محتواه أكبر من دلالته، وبعض الأحاديث محتواه بقدر دلالته، أو بعبارة أخرى بعض الأحاديث رمز وبعض الأحاديث تطبيق، ومن باب المثال نقول لو فرضنا أن هذا المقدار من الماء ظاهراً باطنه بقدر هذا الماء وليس أكثر، فظاهره خمس كيلوات وباطنه خمس كيلوات، وقد يكون لا، هذا المقدار منفذ إلى عين فيها ملايين الكيلوات من الماء.

فالسطح واحد ولكن العمق والامتداد يختلف.