الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

نفسية المؤمن وإظهار وجهي الإسلام

يروى حديث ما مضمونه: أن إنساناً ذهب إلى محل الإمام الحسين (عليه السلام) فرأى أن الإمام صائم وأصحابه صائمون، وكل واحد منهم يتلوا القرآن الكريم، وينتظرون صلاة المغرب، فترك الإمام الحسين وجماعته وجاء إلى بيت الإمام الحسن (عليه السلام)، فرأى إن الإمام الحسن غير صائم وجماعته في ضيافته وهم مفطرون وقد أجتمع في دار الإمام جماعة من الناس يتناولون الطعام، فتعجب فمن هذا الاختلاف بين المشهدين.

فسأل الإمام عن ذلك قال له: الإمام الحسين أمام الصائمين وأنا أمام المفطرين، (حيث يسمح الإسلام بكلا الأمرين فأردنا استيعاب الأمة بكلا شقيها).

وشبه هذه القصة حدثت للشيخ المرتضى الأنصاري وصاحب كتاب الجواهر، الشيخ المرتضى كان من الزهاد في زمانه، وكان يلبس القماش الرخيص القيمة، ويسكن داراً صغيرة، ويأكل الخبز اليابس واللبن والملح، وهو أكبر مرجع للمسلمين.

وصاحب الجواهر وهو أستاذه وقبل زمانه كان من الشخصيات العلمية البارزة الذي يتنعم بطيبات ما أحل الله لهم من الدور الواسعة، والمال الكثير، والشخصية الرفيعة الاجتماعية، بالإضافة إلى فقاهته الهائلة.

جاء رجل إلى الشيخ المرتضى في زمانه، ورأى داره صغيرة، وأسلوبه المتواضع البسيط، قال: شيخنا إني أتعجب، فقد ذهبت إلى صاحب الجواهر في زمانه ورأيت في دوره كذا وكذا، وجئت إليك وأراك كذا وكذا من الكيفية، أيكما على حق، وأيكما على باطل؟ الشيخ المرتضى قال له: كلا، إننا نرى وجهي الإسلام، إنه يرى عزته، وأنا أرى زهده، وهكذا كان الإمام الحسن والإمام الحسين، فإنه ليس لكل شيء وجه واحد، وإنما أحياناً وجوه متعددة والعلماء يقولون أن الأبعاد ثلاثة، الطول والعرض والعمق، بعد ذلك يقسمون هذه الأقسام الثلاثة إلى ستة أقسام، هي الجهات الست وهي واضحة، الأمام والخلف، واليسار واليمين، الفوق والتحت.

بعد ذلك العلماء يقولون الجهات الست والأبعاد الثلاثة، أمور أولية، وإلا الجهات بالمليارات بالنسبة إلى جهات المادة فإذا كانت جهات المادة بالمليارات فجهات المعنويات كم تكون؟ أبين لكم بعض ما في المادة من جهات إشارة إلى ما قلته.

لنفرض خطأ من هنا وخطأ من هنا وخطأ من هنا، أظهرت الجهات الست، (الأمام والخلف والفوق والتحت واليمين واليسار) بين هذه الأقواس كم من الجهات تكون خذوا الخط إلى الفوق وإلى الأمام وإلى اليمين، وإلى جهات مقابلها يعني الجهات الست بين هاتين القوسين كم؟ لعل القوسين إذا أخرجنا من هنا هكذا، ثم ذهبنا في الأبعاد يصل أحياناً إلى مليارات من الخطوط الصغار بين هذين القوسين (لأن الشيء كلما أزداد بعداً ازداد اتساعاً، وكلما ازداد اتساعاً ازداد جهة)، هذا في الماديات المحدودة، فكيف بالمعنويات الهائلة، يقولون الماديات بالنسبة إلى المعنويات كقطرة في بحر، ولذا ورد في الآية الكريمة (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً) وفي الحديث حول الإمام علي (عليه السلام) وفضائله، أن جبرائيل قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن هذه الإبال تحمل فضائل علي وأني لم أعرف أولها وآخرها.

فضائل علي في ظن الناس ضربه في خيبر وقتله لمرحب وإيمانه بالله وإنفاقه الخاتم وما أشبه، ليس المراد بالفضائل هذه فقط وإنما (نفسية علي عليه السلام البحر)، لأن علياً (عليه السلام) كم لنفسيته من السعة؟ هذا البحر يستوعب مليارات من البراميل، في قبال ماء قليل بقدر كيلو، وماء بقدر عشرة كيلوات، وماء بقدر ألف كيلو، وماء بقدر مليار كيلو، والنفوس بهذا القياس، نفس تبذل ديناراً في الكرم، ونفس تبذل عشرة دنانير وهكذا، وذلك يعني أن قابلياتنا مختلفة.

(أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها)، وفي الحديث عن علي (عليه السلام) (أن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها).

فنفسية علي (عليه السلام) لا يعلم سعتها إلاّ الله والرسول، هذه النفسية، بالنسبة إليه (عليه السلام) شيء عادي لأن الناس نفوسهم على درجات في السعة، فإنسان كريم بدينار، وآخر كريم بدينارين، وثالث كريم بعشرة دنانير، ورابع كريم بمليار، وخامس كريم بألف مليار، وسادس كريم بمليارمليار، وكذلك نفسية لا تعصي الله في درهم، في درهمين، في عشرة دراهم، يعني مثلاً نفسية لا تعصي الله في درهم، ولكن من الممكن أن تعصي الله في عشرة دنانير، جاء إنسان وقال لي اكذب أعطيك ديناراً فلم أقبل فدفع عشرة دنانير، لم أقبل، أعطاني مئة دينار، أيضاً لم أقبل، دفع ألف دينار، هنا يمكن الكذب، ولكن إنسان آخر يرفض كل ذلك ونفسية علي (عليه السلام) ليست بسعة محدودة وإنما سعتها لا يعلمها سوى الله يقول: (لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في جلب شعيرة أسلبها من فم جرادة لما فعلت)، أنظر إلى هذه النفسية كم قدرها؟ وكم حدودها؟ لا أحد يعلم.

والحديث يقول أن فضائل علي (عليه السلام) لا تعد، وإن الله وحده يتمكن أن يعدها، هذا الحديث إشارة إلى النفسية وليس إشارة إلى أن في الخارج صلى علي ألف ركعة، أو سلم عليه ألف ملائكة، أو أنفق أموالاً، فهذه أشياء معدودة بطبيعة الحال، ونتمكن أن نجمعها في كتاب، وأن كان على حجم البحار ولكنه بالنتيجة محدود ومعدود، وأن صعب حدّه وعدّه وهذا مبحث آخر، وهذا البحث يذكره علماء النفس اليوم حول النفس، كما كان يذكروه علماء الفلسفة حول النفس في العلم القديم.