الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

حوار حول الحكم

جاءني جماعة من المثقفين من أهل العلم يطلبون مني أن أبيِّن لهم كيفية الحكم في الإسلام وهل أنه ديمقراطي أو ديكتاتوري؟

قلت لهم: لا ديمقراطي ولا ديكتاتوري.

قالوا: ليس من المعقول ذلك، لأن الحكم إن كان فردياً كان ديكتاتورياً، وإن كان حكم الشعب كان ديمقراطياً.

قلت: عندي معقول ذلك، فإن الديمقراطية والديكتاتورية، كلاهما، معناه حكم الإنسان، والإسلام لا يعترف بحكم الإنسان، وإنما يقول إن الحكم لله سبحانه، فالحاكم في الإسلام هو الله تعالى، قال سبحانه: (إن الحكم إلا لله) و (إن) بمعنى (ما) النافية، وقال في آية أخرى (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً).

وعلى ذلك فهناك ثلاثة أشكال من الحكم:

1 ـ حكم الله.

2 ـ حكم الشعب.

3 ـ حكم الفرد.

والإسلام إنما يعترف بحكم الله، ويرى أن حكم غير الله، سواء كان الحاكم الفرد أو الشعب، أو جماعة من الشعب، ضلال وباطل. قال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).

قالوا: وهل لله في كل شيء حكم؟

قلت: نعم.

قالوا: وحتى المسائل المتطورة الحديثة؟

قلت: وحتى هذه المسائل.

قالوا: وكيف يمكن ذلك ولم يكن في زمان الرسول (ص) والأئمة (ع) هذا التطور الحديث، ولم يُسألوا عن هذه الأسئلة الحديثة، فكيف حكموا بأحكامها؟

قلت: في الإسلام طائفتان من التشريع: (الطائفة الأولى) التشريعات الخاصة و (الطائفة الثانية) التشريعات العامة. والتشريعات العامة، تشمل كل حاجات البشر إلى يوم القيامة، ولو تطوّر البشر ألف مرة.

قالوا: فأي تشريع يكفل، بحكم (الزواج من بعيد) وبحكم (البنك) وبحكم (تبديل أعضاء الإنسان)؟

قلت: يشمل الزواج من بعيد قوله تعالى (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) فإنه زواج وراء النكاح وملك اليمين. ويشمل البنك قوله تعالى (إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم) وقوله (لا تأكلوا الربا) وغيرها.

ويشمل تبديل أعضاء الإنسان قوله تعالى (يريد الله بكم اليسر) وقوله (ع) (كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي). إلى غير ذلك.. ولذا فإنك لا تجد مسألة حديثة، تسألها من الفقهاء، إلا وذكروا حكمها. وهذا هو السرّ في أبدية الإسلام وخلوده، فإنه ما من واقعة إلا ولله فيها حكم، وقد ذكر ذلك الحكم في القرآن أو في السنّة، بصيغة خاصة، (كالصلاة والصيام) أو بصيغة عامة كلية، تشمل الواقعة وغيرها من الأفراد المندرجة تحت تلك الصيغة العامة.

قالوا: حسناً، نقبل أن التشريع بيد الله سبحانه، لا بيد الناس.. ولكن الكلام في التنفيذ، فمن يكون هو الحاكم الفعلي للأمة على البلاد الإسلامية؟

قلت: الحاكم الفعلي على البلاد الإسلامية هو من اجتمعت فيه هذه الشروط، وهي:

1 ـ البلوغ والعقل والرجولة وطهارة المولد والإيمان.

2 ـ العدالة التامة.

3 ـ فقاهة أمور الدين، وفقاهة أمور الدنيا والكفاءة.

قالوا: وهل يجوز أن يتعدد مثل هذا الحاكم، بأن يكون للمسلمين حكام متعددون؟

قلت: لا مانع من ذلك.

قالوا: ومن يعيّن هذا الحاكم.

قلت: الذي يعين هذا الحاكم ـ بعد أن كان له صلاحية شرعية في الأخذ بالزمام ـ هي الأمة بمعنى أنه يحق للأمة أن تختار حاكمها الذي يرضى الله أن يكون حاكماً عليها.

قالوا: وما هي كيفية الاختيار؟

قلت: حيث لم يعين في الشريعة كيفية الاختيار، فهي من الأمر المطلق.

1 ـ فلهم أن يختاروا بأنفسهم أجمع.

2 ـ ولهم أن يختاروا بوكلائهم (النواب)، بأن يختار جماعة إنساناً، ثم يختار أولئك المنتخبون الرئيس الأعلى للدولة.

قالوا: ما ذكرت لم يكن في الإسلام. لكنك تقول إن الانتخاب حكم إسلامي؟

قلت: الشيعة يرون أن الرسول (ص) والأئمة (ع) هم الحكّام الذين عيّنهم الله سبحانه، وبعدهم ـ في زمان غيبة الإمام المهدي (ع) ـ فالفقهاء هم الحكام.

والسنّة يرون أن الرسول، وخلفاءه الذين انتخبوا بالشورى هم الحكام.

أما عدم تمكين خلفاء الجور، لأن يستلم الحكام الحقيقيون ـ الذين يرضى بهم الله سبحانه ـ الحكم، فذلك كان على خلاف المنهج الإسلامي.

إذاً: فالآن ـ وبعد غيبة الإمام ـ الفقيه المشتمل على الشرائط التي ذكرناها هو من له صلاحية الحكم. فقد قال الإمام: (فارضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً)(1).

فإذا عيّنت الأمة من فيه تلك المواصفات والمؤهلات التي ذكرناها، فقد اقتنع الإمام (عليه السلام) حيث رضى بصاحب المؤهلات حكماً، ويكون ذلك رئيساً من قبل الإمام حيث قال: (فإني قد جعلته عليكم حاكماً).

قالوا: وإذا كان في الأمة، فقهاء متعددون، كل منهم يشتمل على المواصفات المذكورة؟

قلت: للأمة الحق في أن:

1 ـ تعيّن أحدهم للحكم.

2 ـ أو تعيّن جميعهم للحكم، بأن يكون الحكم، مثل مجلس السيادة، مشتملاً على عدة(أعضاء) فإذا حكم الكل كان ذلك حكم البلاد، الذي يجب على الأمة الانقياد له.

وإنما نقول إن للأمة الحق في أن تعين واحداً، أو متعدداً، لأنه لم يرد نص خاص على أحد الأمرين، فمطلقات الأدلة تشمل كلاً من القسمين، من قبيل الأمور والتخييرية.

قالوا: إن ما ذكرت هي (الشورى) وقد قال علي (عليه السلام): (فيا لـله وللشورى)(2) منكراً لذلك؟

قلت: علي (ع) لم ينكر الشورى، وإنما أنكر الصيغة الخاصة، وأنكر الشورى في قبال النص.

قالوا: فإنا قد سمعنا من العلماء أن (الشورى) باطلة؟

قلت: الشورى، التي في قبال النص باطلة. مثلاً لا يحق لمجلس الشورى أن يحلّل حراماً، أو أن يحرّم حلالاً أو أن يعين شخصاً الله سبحانه عيّن غيره. أما الشورى في تطبيق الكليات الشرعية، على المصاديق الخارجية، فهذا مما أيّده الإسلام، قال تعالى: (وأمرهم شورى).

قالوا: فإن اختار جماعة من الأمة إنساناً، واختار آخرون إنساناً آخر، فأيهما الحاكم؟

قلت: من الجائز إشراكهما في الحكم أو جعل الأكثر صوتاً رئيساً، والآخر مشيراً ومستشاراً، فإن كل ذلك جائز. إما شرعاً فلأن الأدلة دلّت على أن الرئيس يلزم أن يكون فقيهاً عادلاً جامعاً للشرائط، وقد حصل ذلك، في كلتا الصورتين، وإما خارجاً فلأنه حصل التباني من الأمة، على أحد الأمرين، فهم راضون بذلك.

قالوا: ومن الذي يختار وينتخب؟

قلت: من الجائز أن ترضى كل الأمة، بشرائط خاصة في المنتخب، كأن تكون كل الأمة تنتخب، فإذا بلغ الصبي كان له حق الانتخاب، وأما غير البالغ والمرأة فوليهم ينتخب عنهم، مع فارق أن الصبي وليه يقوم مكانه بلا توكيل من الصبي، أما المرأة فتوكل وليها في أن ينتخب. وإن ولي الصبي هو المعين شرعاً كالأب والجد، أما المرأة فلها الخيار في أن توكل من ينوب عنها في الانتخاب.

وعلى هذا فالفارق بين الشورى الإسلامية والديمقراطية أمور:

1 ـ إن في الشورى يشترط في الرئيس العدالة والإيمان، وسائر الشرائط التي ذكرناها، بخلاف الديمقراطية.

2 ـ يمكن في الشورى تعدد الرؤساء، على نحو مجلس السيادة، بخلاف الديمقراطية.

3 ـ في الشورى يكون الانتخاب لكل الأمة حتى الأطفال، بخلاف الديمقراطية ـ إلى فروق أخر تأتي ـ.

قالوا: وما المانع من أن تنتخب المرأة مباشرة؟

قلت: المانع أن ذلك ينافي الستر الواجب على المرأة ـ في أغلب الأوقات ـ وفي توكيلها جمع بين الحقين.

قالوا: وهل في الإسلام مجلس الأمة أو مجلس الشيوخ؟

قلت: من الجائز أن تختار الأمة بأن تجعل المجلسين أو أحدهما، ومن الجائز أن تقتنع الأمة بمنصب الرئيس فقط، ثم الرئيس يختار المشاورين، سواء في صورة مجلسين، أو مجلس واحد، كل ذلك لأنه لا دليل على أحد الأمرين، فالأمر مطلق للأمة.

قالوا: إذا قلتم بأنه يجوز في نظر الإسلام، تعيين الأمة للرئيس، ولمجلس الأمة، فأي فرق بين الشورى الإسلامية وبين الديمقراطية الغربية؟

قلت: الفرق الأساسي هو أن الشورى لا تعطي حق التشريع للرئيس أو المجلس، وإنما لها حق تطبيق الإسلام على الصغريات الخارجية، بخلاف الديمقراطية التي تعطي حق التشريع للمجلس، ولذا:

1 ـ فالديمقراطية حكم الشعب للشعب بالشعب.

2 ـ والشورى، حكم الله للأمة بالأمة.

فمثلاً لا يحق في الشورى أن يقرر الرئيس أو المجلس، تغيير حدود الله، أو إباحة الخمر، أو إسقاط الصوم عن العمال، مثلاً، بينما مثل كل هذه الأمور جائز في الديمقراطية الغربية.

قالوا: وكم مدة الحكم للرئيس أو لمجلس الأمة؟

قلت: حيث لا تحديد شرعاً لذلك يحق للأمة أن تقرر المدة.

نعم، إذا سقط الرئيس عن الشرائط المؤهلة سقط تلقائياً، فاللازم انتخاب إنسان ثانٍ للرئاسة، مثلاً إذا ذهبت عدالته، فإنه لا يصلح للرئاسة بعد ذلك.

قالوا: لو لم ينتخب بعض أفراد الأمة، فما هو المصير؟

قلت: لا يضر ذلك، لأنه هو الذي أسقط حقه.

قالوا: لو انتخب بعض أفراد الأمة، ثم نقض انتخابه، عن عذر مشروع في نظره أو بدون عذر، فما هو المصير؟

قلت: لا يضر نقضه، إذ لا دليل على سقوط الرئيس عن الرئاسة بهذا النقض، فيبقى الرئيس على رئاسته حتى بعد النقض.

قالوا: وعلى هذا لو نقض كل أفراد الأمة أو أكثريتهم انتخابهم، كان اللازم بقاء الرئيس؟

قلت: كلا، إذ الرئيس له صفتان، صفة شرعية، وصفة وكالية، لأنه وكيل عن الأمة، وهو لم يتَسلَّم المنصب لصفته الشرعية فقط، بل لصفته الوكالية أيضاً، فإن للأمة أن تنتخب وكيلاً عن نفسها لإدارة شؤونها، من بين المؤهلين شرعاً للرئاسة، فإذا سحبت الأمة اعترافها واختيارها، فقد انهدمت صفة الوكالية في الرئيس، فلا يحق له مباشرة أعمال الأمة بدون رضائهم، بعد وضوح أن أعمالهم من حقهم، لا من حق الرئيس.

قالوا: فما الفارق بين سحب أفراد لاعترافهم بالرئيس، حيث قلتم لا ينقض الحكم، وبين سحب مجموع الأمة، أو أكثريتهم ـ مثلاً ـ حيث قلتم ينقض الحكم؟

قلت: الفارق هو أنه لو كان سَحْبُ فردٍ أو أفرادٍ لاعترافه موجباً لنقض الحكم وسقوط الرئيس، لزم الفوضى والهرج والمرج. ومن الضروري أن الإسلام لا يرضى بالهرج والمرج، وذلك بخلاف سحب الأكثرية أو المجموع لاعترافهم.

قالوا: وهل يسمح الإسلام بنظام الأحزاب، أو بنظام الحزب الواحد؟

قلت: أما نظام الحزب الواحد فلا يسمح به الإسلام لأنه خلاف الحرية المقررة في الشريعة.

وأما نظام الأحزاب، فالحزب له مفهومان (الأول) المفهوم اللغوي وعليه ورد قوله تعالى (ألا إن حزب الله هم الغالبون) وذلك عبارة عن مجموعات من الناس يعملون لصالح أنفسهم أو صالح الأمة ككل، وهو بهذا المعنى يصح أن يسمى (هيئة) أو (جمعية) أو (جماعة) أو نحو ذلك، وهذا جائز في الإسلام، بل محبّب لدى الإسلام ومندوب إليه، فقد ورد في الحديث (يد الله مع الجماعة). (الثاني) المفهوم الغربي، وهو الأساس لمجلس الأمة، الذي بيده التشريع، وهذا باطل في الإسلام لأن الإسلام يجعل التشريع لله سبحانه، ولا حق لأحد في التشريع.

قالوا: إذا كان في أقطار إسلامية متعددة حكام متعددون، فما هي كيفية الصلة بينهم؟

قلت: لاشك في أن الأفضل توحيد الحكم الإسلامي، تحت إدارة عامة، كمجلس السيادة يكون كل الحكام عضواً فيه، ويحكمون حكماً واحداً لكل البلاد.

أما إذا لم يكن ذلك، فالأفضل، تنسيق أعمالهم في وحدة واحدة من قبيل (جامعة الدول العربية) أو (مجلس الأمن) أو (الوحدة الأوروبية) أو نحوها.

واللازم ـ حينئذ ـ تحري أكبر قدر من التنسيق والاندماج.

 

1 ـ الكافي: ج7، ص412، دار الكتب الإسلامية ـ طهران.

2 ـ مناقب آل أبي طالب: ج2، ص49، المطبعة الحيدرية ـ النجف الأشرف.