الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الإقليميات

في أواخر حكم الملكيين في العراق، وقعت اضطرابات نسبتها السلطة إلى الشيوعيين، واتخذت الحكومة ضدهم إجراءات شديدة، وقد جاء إلى الحكم مكان (نوري السعيد) (عبد الوهاب مرجان) وكان شيعياً من أهالي الحلة، ومعروفاً بالأخلاق والهدوء.

فانتهزت تلك الفرصة، وسافرت أنا والخطيب الشيخ عبد الزهراء الكعبي إلى بغداد لملاقاته، وكان هدفنا أن نتكلم معه حول (قانون العتبات المقدسة) الذي وضعه (السيد محمد الصدر) إبان رئاسته، لكنه لم يُنفذ بعد تنحي السيد عن الرئاسة.

وقد قابلنا رئيس الوزراء، وتكلمنا معه حول قانون العتبات ولم نحصل على نتيجة، وإن وعدنا عند اللقاء خيراً، ولا أعلم هل أن عدم تنفيذه عن تقصير أو عن قصور.

وقد رأيناه، عند الملاقاة، مستوحشاً من الاتحاد السوفياتي، ومن الشيوعيين في داخل البلاد، وتخريبهم، وأظهر لنا تخوفه ذلك، وقال إن الحكومة كلما تحاول التخفيف من نشاطهم الداخلي والخارجي لا تتمكن من القضاء عليهم، ولم تجد علاجاً لذلك.

قلت له: العلاج موجود إن أردتم.

قال: وما هو؟

قلت: تطبيق الإسلام.

قال: وهل بلادنا ليست إسلامية؟

قلت: إسلامية بالاسم، لا بالحقيقة.

قال: تعني وجود الخمور والسفور في البلاد؟

قلت: أعني فوق ذلك.

قال: وما هو؟

قلت: القانون ـ ككل ـ غير إسلامي.. والإقليمية متحكمة في البلاد.

قال: كيف القانون غير إسلامي؟

قلت: لأن مجلس الأمة يشرّع قوانين على خلاف قوانين الإسلام.

قال: ذاك بيد المجلس لا بيدي.

قلت: خذ الحاصل.. فالقانون غير إسلامي، وإذا كان القانون غير إسلامي لا يكون رفاه، والبلد الذي لا يكون فيه الرفاه تعشعش فيه الشيوعية.

قال: حسناً، وماذا تعني بالإقليمية؟

قلت: جعلكم العراق ضيّق، بعد أن كان في زمان الإسلام واسع.

قال: وما هو ربط هذا بالشيوعية؟

قلت: البلد الصغير لا يتمكن أن يقاوم العواصف فيسقط، أما البلد الكبير فمثله مثل النخلة العاتية لا تسقطها العواصف مهما كانت هوجاء.. وهذا هو سر استقرار البلاد الكبيرة بينما البلاد الصغيرة كل يوم لها شأن.

قال: وكيف جعلنا العراق ضيّق؟

قلت: إن التاريخ يذكر أن العراق كان نفوسه أربعين مليون، في زمان لا وسائل حديثة فيه، وأن أرض العراق كانت تسمى بأرض السواد حيث إن كلها كانت مزروعة، وأن نفوس بغداد (وحدها) كانت ثمانية ملايين والآن ليس كل نفوس العراق ثمانية ملايين، مع أنه لو لم تكن الحكومة متمسكة بالإقليمية لكان الآن ـ بهذه الوسائل الحديثة من الري والمواصلات وغيرها ـ نفوس العراق أكثر من مائة مليون.

قال: (ضاحكاً) فمن كان يعيّش هذه المائة مليون؟

قلت: الذي يعيش نفوس الهند والصين، وأمريكا وروسيا، وكل بلد نفوسه أكثر من مائة مليون.

قال: ومن أين البشر؟

قلت: (أولاً) بتشجيع التناسل، كما أمر به رسول الإسلام، حيث قال: (تناكحوا وتناسلوا تكثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة، ولو بالسقط).

و (ثانياً): بفتح أبواب العراق لكل من يريد دخولها، وجعلهم كالعراقيين في الحقوق والواجبات، وإني أضمن أنه لا تمر عشر سنوات إلا وتقفز نفوس العراق إلى عشرين مليون، وهكذا.

قال: وماذا تعني بفتح أبواب العراق؟

قلت: لقد أبدع الإسلام في جعل خطط لتنمية البلاد مادياً وبشرياً، وبذلك توسعت الدولة الإسلامية ذلك التوسع الهائل.

قال: وما هي تلك الخطط؟

قلت: (أولاً): إن كل مسلم في البلد هو مواطن، له ما لهم وعليه ما عليهم، سواء كان عربياً أو أعجمياً أو من أقاصي الدنيا، فصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وأبو ذر العربي، وبلال الحبشي، كلهم كانوا حول الرسول، لا فرق بينهم، ولا امتياز إلا بالتقوى، فكل مسلم له حق ملكية الأرض، وحق الاتجار، وحق الوصول إلى أرقى الوظائف في الدولة، وحق.. كما أن على كل مسلم أن يدفع الحقوق المالية (الضرائب) وأن يخدم البلاد وأن يحارب إذا اتفقت حرب إسلامية.

(ثانياً): إن لا حدود للبلاد. ولا يكون الدخول فيها، والخروج منها، بأذن وتأشيرة، بل لكل مسلم أن يدخل البلد، ولكل مسلم أن يخرج من البلد.

(ثالثاً): إن لكل مسلم أن يعمر ويزرع ما شاء من الأرض، بلا تحديد، ففي القانون الإسلامي (الأرض تعود لمن عمرها).

(رابعاً): إن لكل مسلم أن يتاجر كما يشاء، ويستورد ما يشاء، ويصدر ما يشاء، بلاد جمارك ولا ضرائب.

(خامساً): إن لكل مسلم الحرية في السفر والإقامة والعمل والاجتماع وإبداء الرأي وحيازة الحاجات، من دون (جواز) أو (جنسية) أو (هوية) أو ضرائب، أو رسوم، أو قيود.

(سادساً): التقليل من الوظائف الكابتة للناس، وإلغاء الروتين إلغاءً تاماً.

قال: ما تقوله يوجد في الجنة لا في الأرض؟

قلت: بل وجد في الأرض طيلة الحكم الإسلامي.

قال: أليس ذلك يوجب الفوضى؟

قلت: بل بالعكس إن كل أحد يشتغل بتربية نفسه، وذلك ما ينفي الفوضى.

قال: فما شأن الحكومة بعد كل ذلك الذي ذكرته؟

قلت: شأنها إدارة البلاد، وحفظ الأمن، وحلّ المشاكل، وتقديم البلاد إلى الأمام.

قال: في مثل هذه الدولة التي لا ضابط لها يكثر المجرمون.

قلت: بل بالعكس فإن الإجرام يتولد من أمرين:

1 ـ الضغط على الناس.

2 ـ عدم صرامة العقوبة.

وحيث لا يكون في الإسلام ضغط، لا من جهة (التفرقة بين الناس) ولا من جهة (الكبت) ولا من جهة (عدم الرفاه) ولا من سائر الجهات.

وحيث في الإسلام (العقوبة صارمة).. يقل المجرمون، قلةً لا مثيل لها في الدول الحاضرة.

قال: وإذا فتحنا أبواب البلاد، هرع إليها المجرمون من كل مكان.

قلت: يهرع المجرمون للعمل والكسب والتقدم، أو للتخريب والإجرام. فإن كان الأول، فبها ونعمت، فأي شيء أحسن من أن يتبدل المجرم إلى مواطن صالح؟ والعلماء يقولون: إن من أسباب نجاح رسول الإسلام (ص) ما بيّنه من قاعدة (الإسلام يجبّ ما قبله)... وإن كان الثاني، فإذا شددنا في العقوبة ـ كما هو قانون الإسلام ـ لا يجد المجرم مكاناً في الدولة ولذا لابد له من أن يخرج أو يتأدّب.

قال: وهل البلاد الاستعمارية تدعنا نفعل كل ذلك؟

قلت: إذا كانت بلادنا بهذه المثابة، كان كل الشعب الكثير العدد جيشاً للحكومة، في وقت السلم يحفظون الأمن، وفي وقت الحرب يكونون جيشاً محاربين، والمستعمرون لا يجدون ثغرة ينفذون منها إلى البلاد. وكانت البلاد ـ في حال تطبيق الإسلام ـ أقوى من كل بلد.

قال: وكيف لنا بما ذكرت؟

قلت: بسيط جداً، كوِّنوا لجنة كبيرة من الموظفين، ومن علماء الدين، ومن الأخصائيين، ليخطّطوا لكل ذلك، وطبّقوه تدريجياً.

قال: (متضاحكاً) وهل أنت تقبل أن تكون عضو اللجنة؟

قلت: أنا والشيخ عبد الزهراء وكل زملائي نتمنى أن نكون في خدمة الإسلام.

قال: إذا فتحنا أبواب العراق، وجعلنا كل وارد مواطناً، اعترضت علينا الدول المجاورة.

قلت: اطمئنوا، إن الدول المجاورة إذا رأوكم، وقد تقدمتم ـ بهذه الخطوات ـ جعلوكم أسوة، واقتدوا بكم، وكان لكم فضل السبق، وحسن الذكر.

قال: إذا أسقطنا الكمارك والجوازات، والحدود، فأين حدود بلادنا؟

قلت: حيث تنتهي أراضي الدول المجاورة.

قال: وما فائدة الحدود حينئذٍ؟

قلت: فائدتها أن أراضيكم بلاد الرفاه والحرية والإنسانية والإسلامية، وليس كذلك بلاد غيركم.

قال: إذا فتحنا أبواب البلاد لكل استيراد وإصدار، يلزم الخلل في التوازن الاقتصادي. فمثلاُ ذات مرة يخرج كل ملح ودهن من البلد، حيث يكونان في الخارج أغلى، ومرة تدخل كميات هائلة من الملح والدهن إلى البلد، حيث يكونان في الخارج أرخص، وذلك يوجب القحط (في الأول) وإسقاط منتوجات الوطن (في الثاني).

قلت: إذا كان في شيء ضرر على البلاد، فللحكومة أن تمنعه لقوله (ص): (لا ضرر ولا ضرار) بشرط أن يكون المنع تحت إشراف لجنة من (علماء الدين والأخصائيين).

قال: وهل تزعم أن بإمكاني أنا أن أفعل كل ما ذكرت؟

قلت: لا أزعم ذلك، ولكن بإمكانك أنت أن تسعى في هذا السبيل بقدر طاقتك، ففي الحديث الشريف (الميسور لا يسقط بالمعسور).

قال: (متضاحكاً) أشكرك على أفكارك غير القابلة للتطبيق.

قلت: وأستميح عذراً إن أخذنا من وقتك كثيراً، فإن حسن أخلاقك هو الذي فتح لي باب الحوار. وانصرفنا ثم زرناه أنا والشيخ عبد الزهراء، مرة ثانية، لأجل مطالبته بقانون العتبات، ولم يقع حوار بيننا هذه المرة.