الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

القوميات

الأمم المتأخرة تعتمد على الأنساب، والأمم المتحضّرة تعتمد على الكفاءات.

وحين كان الرسول الأعظم وأولاده الأطهار وصحابته الأخيار قادةً للمسلمين وكان المسلمون يتبعونهم كانت الصبغة العامة للبلاد الإسلامية الإسلام، وهو يعتمد على (الكفاءة)... ومن يوم تأَخَرَ المسلمون، تبدلت الكفاءة إلى النسب، وظهرت في المسلمين القوميات.

وقد نادى جمال عبد الناصر بالقومية العربية، وسلّط جميع أجهزة الإعلام لترويجها وبثّها في البلاد، وصارت في البلاد الإسلامية أحزاب تحت شعار القومية، وكان للقومية عنف هائل، يكسح كل شيء يعترض طريقها.

وقد جرت بيننا وبــين القوميين في تلك الظروف حوارات متعددة ألخصها في هذه المحاورة، التي هي في الحقيقة عدة مباحثات، مع عدد من المثقفين من القوميين.

قال أحدهم: وهل تؤمن أنت بالقومية؟

قلت: بأية من القوميات؟

قال: بالقومية العربية.

قلت: ولماذا بهذه القومية بصورة خاصة.

قال: لأنك عربي، ألست (سيداً) والسيد من نسل (الرسول العربي محمد)؟

قلت: لكن الرسول العربي محمد قال بنفسه: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى).

قال: إذاً أنت لست بقومي؟

قلت: أفرض ذلك.

قال: فإذاً أنت (شعوبي).

قلت: فسِّر لي الشعوبية.

قال: كل من ليس بقومي فهو شعوبي.

قلت: لم أرد منك التصنيف، بل أردت منك أن تفسّر لي معنى (الشعوبية)؟

قال: أنا لا أعلم معناها، بل أعلم أن كل من ليس بقومي فهو شعوبي.

قلت: أنا أفسّر لك، إن (الشعوبية) معناها كل من يقول إن فضل بعض البشر على بعض ليس إلا بالكفاءات، مشتقة، من قوله تعالى (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا).

قال: دعنا من تفسير الألفاظ، فما هي أضرار القومية حتى لا تؤمن بها؟

قلت: وما هو نفع القومية؟

قال: أكبر نفع لها أنها توحّد البلاد العربية تحت لواء واحد، وذلك يوجب تقدم البلاد اقتصادياً وسياسياً وفي سائر مرافق الحياة، كما يوجب إمكان إنقاذ فلسطين من يد إسرائيل.

قلت: بل بالعكس إن القومية ضد كل ذلك.

قال: وكيف؟

قلت: لأن (القومية) ضد (الكفاءة) فالإنسان إما أن يعتقد بأن (الكفاءات) هي الأحق والأولى بالتقدم أو يعتقد بأن (القوميات) هي الأحق والأولى بالتقدم، وإذا سقطت الكفاءة كان التأخر.

قال: ليست القومية ضد (الكفاءة).

قلت: إذا كان هناك عندك نفران، أحدهما (هندي) ليس من قومك، والآخر (عربي) من قومك، وكان (الهندي) ذا كفاءة عالية في إدارة أمور وزارة الداخلية، وكان (العربي) دونه في الكفاءة، وكنت أنت رئيس الجمهورية، فهل تفوّض وزارة الداخلية إلى (الهندي) أو إلى (العربي)؟

قال: ـ بعد تفكر ـ إلى العربي.

قلت: إذاً صدقتني أنت أن (القومية) ضد (الكفاءة) لأنك حطمت الكفاءة لأجل القومية، ومثل هذا مثل بالنسبة إلى سائر الوظائف، ومعنى ذلك تأخير البلاد، هذا مع الغض أن القومية خلاف الإسلام.

قال: دعني عن الإسلام الآن ـ ولو أني مسلم أصلي وأصوم ـ لنتكلم الآن في القومية بما هي هي.

قلت: يلزم أن أقول: إن قولك (دعني من الإسلام) يناقض قولك (ولو أني مسلم)؟

قال: وكيف؟

قلت: حيث إن الإسلام عبارة عن مجموعة من العقائد والقوانين المرتبطة بكل جوانب الحياة، فإذا لم يقبل الإنسان عقيدة من العقائد الإسلامية، أو قانوناً من القوانين الإسلامية، فلا يقدر أن يقول (ولو أني مسلم) لأنه إسلامه حينئذٍ باطل، أو ناقص، وكما أن (الطائرة) الباطلة والناقصة لا تتمكن أن تطير كذلك الإسلام الباطل. فالإسلام الناقص لا يوجب سعادة الإنسان.

قال: ما هو الفرق بين الإسلام الباطل، والإسلام الناقص؟

قلت: إذا لم يعتقد الإنسان بإحدى العقائد الإسلامية، كأن لم يعتقد بالتوحيد، أو بالنبوة أو بالمعاد، فإسلامه باطل، أي أنه وسائر الكفار سواء.. وإذا اعتقد الإنسان بكل العقائد الإسلامية، لكن لم يلتزم ببعض قوانين الإسلام، كما لو لم يلتزم بالصلاة، أو أكل الربا، أو غير ذلك، فإسلامه ناقص.

قال: حسناً لنتكلم الآن عن القومية، ونتكلم عن الإسلام بعد ذلك، فما رأيك في القومية؟

قلت: نظري أن القومية غير صحيحة من الناحية المنطقية، كما أنها تعطي عكس النتائج المطلوبة منها من الناحية الحيوية.

قال: وهل أن الإنسان الذي يحب قومه غير منطقي؟

قلت: لم يكن الكلام في الحب، وإنما الكلام في القومية، من حيث هذا المفهوم، وإلا فإن الإنسان يحب أباه وأمه وزوجته وأولاده، وأقرباءه وأصدقاءه، فهل يصح أن يكون حبه سبباً لأن يسمى (بالأبوية) أو (الولدية) أو ما أشبه ذلك؟

قال: حسناً، لكن هل أنت حين تقول بعدم صحة القومية، تقصد (القومية العربية) فحسب، أو (كل القوميات)؟

قلت: أنا أقصد أن (كل قومية) هي غير صحيحة من الناحية المنطقية، وإلا فلا خصوصية للقومية العربية، وإنما أنت تكلمت حول (القومية العربية) بخصوصها، فصار كلامي حولها أيضاً.

قال: فهل لك أن تبين كيف أن (القومية) غير صحيحة من الناحية المنطقية؟

قلت: ذلك واضح، لأن الإنسان، ليس بلونه، ولا بلغته، ولا بإقليمه، ولا بقومه، ولا بأبويه، ولا.. وإنما الإنسان بكفاءاته، فإذا صرفنا النظر عن الكفاءات، وأخذنا ميزان الإنسان، بلونه، أو لغته، أو إقليمه، أو.. لكان ذلك هدماً للإنسان وحضارته، وموجباً لتأخيره إلى الخلف عوض تقديمه إلى الأمام.

قال: إذا كانت القومية سبب التأخير كما تقول، فقد تقدمت أمريكا، مع أنها ملتزمة بالقومية؟

قلت: إني لا أسلم أن أمريكا متقدمة. نعم لها شيء من التقدّم، وذلك بفضل (لا قوميتها) حيث إن أمريكا جلبت إلى نفسها كل الكفاءات، وجنّستهم جنسية أمريكية ـ كما تعلم ـ فأمريكا لها جهتان:

1 ـ جهة اللاقومية، وهي سبب هذا المقدار من التقدم الذي تشاهده فيها.

2 ـ وجهة القومية، وهي سبب تأخرها، ولو كانت أمريكا (لا قومية) محضة، لكان تقدمها ضعف بل أضعاف تقدمها الحالي.

قال: حسناً، هذا سبب عدم صحة القومية، من الناحية المنطقية، ولكن ما هو سبب عدم صحة القومية من الناحية الحياتية؟

قلت: أرجو المعذرة: إذا قلت إن لفظة (الحياتية) غير صحيحة في اللغة العربية، فإن اللازم تجريد اللفظ عند النسبة، ولذا تقول (مكي) (مدني) ولا تقول (مكتي) و (مدينتي) فالنسبة إلى الحياة (الحيوي) لا (الحياتي).

قال: لا نناقش الآن في الألفاظ، وإنما في المعاني.

قلت: الألفاظ قنطرة المعاني.

قال: ما ذكرته ضد مبناك (بعدم صحة القومية) إذ أنت الآن تصحح (كلمة) عربية.

قلت: أنا لا أؤمن بالقوميات، سواء القومية العربية منها، أو سائر القوميات، وأنا أدعو إلى الإسلامية وهذا لا ينافي دعوتي إلى (اللغة العربية) لأنها لغة القرآن والحديث. فالقومية شيء، والدعوة إلى اللغة العربية شيء آخر.

قال: حسناً، لنرجع إلى ما كنا فيه، فكيف تقول إن القومية تعطي عكس النتائج المطلوبة منها؟

قلت: أنت قلت في كلامك السابق، إنا ندعو إلى القومية، لأجل (توحيد العرب) و(تقديمهم)، و(إنقاذ فلسطين) أليس كذلك؟

قال: بكل تأكيد.

قلت: القومية، تأتي بعكس كل هذه النتائج.

قال: وكيف؟

قلت: لابد أن نعرف أن (التوحيد) و(إنقاذ فلسطين) فرعان لأصل واحد هو (التقدم)، والقومية حيث كانت (ضد التقدم)، فلا يمكن توحيد البلاد، ولا إنقاذ فلسطين تحت لواء القومية.

قال: وكيف يكون (التوحيد) و(الإنقاذ) فرع (التقدم)؟

قلت: لأن الأمة المتقدمة هي التي تعي الحياة، والأمة الواعية هي التي توحّد صفوفها، وإذا وحدت الأمة صفوفها تمكّنت من قهر أعدائها.. أما إذا كانت الأمة غير متقدمة فلا تكون واعية، وإذا لم تكن واعية، عبث بها الأعداء من الداخل، ولعب بها الأعداء من الخارج، فلم تقدر الأمة على جمع شملها، ولملمة صفوفها، وتوحيد قيادتها (فلا وحدة) و(لا إنقاذ).

وبكلمة: إن (القومية) ضد (الوعي) وإذا لم يكن وعي فلا (تقدم) ولا (توحيد) ولا (إنقاذ).

قال: كيف تقول إن القومية ضد الوعي، والحال أن (القومية) هي التي توقظ في الإنسان (الوعي)؟

قلت: لقد سبق الكلام في أن (القومية) ضد (الكفاءة) فإذا لم تكن كفاءة، لم يكن وعي، وإن لم يكن وعي، انعكست النتائج المطلوبة.

قال: هذا النشاط الذي نشاهده في البلاد العربية الآن، من الانقلابات، في مصر، والعراق، ومن انفتاح البلاد على كل العالم، ومن بوادر توحيد البلاد العربية، ومن التهيؤ لإنقاذ فلسطين تهيؤاً جدياً، كلها تدل على خلاف ما ذكرت، من أن (القومية) ضد (الوعي).

قلت: يقول الشاعر:

ولا تغرنك البوادر واصبر          فلرب اللقـــاح يأتي خراجاً

ثم أردفت، أنك متفائل ـ ونسأل الله سبحانه أن يحقق الآمال ـ لكن أرى عكس ذلك. إن هذه القومية، التي تعتز بها أنت، تأتي بكل ويل على هذه البلاد. وإني أخشى أن تُقسم البلاد أكثر فأكثر، وأن تتّسع إسرائيل أكثر فأكثر، وأن تحكم الديكتاتوريات, وتخنق الأصوات أكثر فأكثر، وأن تقع المجازر والمذابح وتهرّب الكفاءات من هذه البلاد أكثر فأكثر(1)، والله العاصم.

قال: أنت متشائم جداً.

قلت: يقولون إن (جحا) كان جالساً على غصن شجرة، وكان يقطع بالمنشار أصل الغصن فمرّ إنسان ولما رأى جحا بتلك الحالة قال له: سوف تقع إن استمررت في القطع، فأجابه جحا: وهل أنت علاّم الغيوب؟ قال الرجل: اصبر قليلاً حتى ترى، واستمر (جحا) في القطع، وبعد دقائق، سقط وانكسرت يده ورجله.. ان ما ذكرته أنا واضح لكل مفكر، ودلّ عليه منطق التاريخ، ومن أبى فليجرب.

قال: وهل تزعم أنت أنك أكثر تعقلاً وتفكيراً من جمال عبد الناصر، وألوف المفكرين الذين حوله؟

قلت: وهل تزعم أنت أن جمال عبد الناصر والمفكرين حوله أكثر تعقلاً وتفكيراً من رسول الله (ص) وملايين المفكرين الذين جاءوا بعده ونادوا بنسف القوميات؟

قال: (وقد اشتد غضباً) ومن يقول: أنت لست بعميل؟

قلت: (متضاحكاً) كل أهالي كربلاء ـ إلا من ندر منهم ـ.

قال: ومن أين تثبت أنهم يقولون أنت لست بعميل؟

قلت: الدليل على ذلك أنهم يصلون خلفي بالألوف، ويحترمونني في كل مكان، ويسلمون لي حقوق أموالهم. ثم أردفت:

يا أستاذ، الحوار حرّ، ولو أنك لا تريد الحوار، فأنا مستعد أن أقطع الكلام.

قال: كلامك لم يكن حواراً، وإنما اتهاماً لجمال عبد الناصر.

قلت: لم أتهم أحداً، وإنما قلت إن تفكيري يعود إلى عدم صحة (القومية) وهل مثل هذا الكلام يسمى اتهاماً؟ وأنت الآن تتهم، حيث تقول (ومن يقول أنت لست بعميل)؟

قال: ـ وقد خجل وظهر عليه أثر الارتباك ـ عفواً، فإني لا أريد اتهامك والإساءة إليك.

قلت: أشكرك.

(وقد كنت في كل محاوراتي، أضبط أعصابي بكل شدة، حتى لا أترك شيئاً، يفلت زمامه من يدي. كما كنت دائماً أتحرى الألين من الألفاظ، لئلا أثير الطرف. فيعاند، وتأخذه العزة بالإثم، قال سبحانه: (وادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).

قال: ولكن (القومية) إلى الآن بخير.

قلت: وكيف بخير؟

قال: لأنها أطاحت بالزعامات الفاسدة في مصر والعراق.

قلت: إني لست من أنصار تلك الزعامات السابقة، ولا من أنصار هذه الزعامات، ولكن أخشى أن يأتي يوم يطاح بهذه الزعامات الحالية، ويأتي أناس آخرون، ويصفون هذه الزعامات الحالية بالفاسدة أيضاً.

يقول الشاعر:

دعوت على عمرو فلما تركته         وجاورت أقواماً بكيت على عمرو

ثم أردفت، ولكن القومية، إلى الآن، أعطت ثمرتين مرّتين.

قال: وما هما؟

قلت: (الثمرة الأولى) الحرب في شمال العراق، فإن الأكراد يقولون: إنا قوم، كما أن العرب قوم، فلماذا نكون تحت لوائهم، وهذا بخلاف ما إذا كان الحكم للإسلام ومناط التقدّم (الكفاءات) فإن الكردي والعربي إخوة ويتقدم أكثرهم كفاءة، فلا يشعر الكردي بالحيف، كما لا يشعر العربي بالحيف.

(الثمرة الثانية) انفصال (كل البلاد الإسلامية) التي بعدت عن (البلاد العربية) مما أضعف جانب العرب ضعفاً هائلاً. فإن سائر المسلمين من (تركي) و (فارسي) و (هندي) و (باكستاني) و (أفغاني) و (إندونيسي) وغيرهم، وعددهم زهاء (تسعمائة مليون) ـ على بعض الإحصاءات ـ يقول: إن قضية (إسرائيل) قضية قومية لأنها بين (القومية الصهيونية) و (القومية العربية) فأيّ شأن لنا نحن المسلمين في قضية لا ترتبط بنا.

(وبالفعل قال بعض ملوك ورؤساء سائر البلاد الإسلامية، هذا القول).

أفليس هذا العمل ـ وهو فصل تسعمائة مليون إنسان عن العرب ـ ثمرة مرة، من ثمار القومية العربية؟

وهذا بخلاف ما لو جعلنا قضية فلسطين (إسلامية) فكان في مقابل (إسرائيل) ألف مليون إنسان، عوض أن يكون في قبال إسرائيل (الآن) مائة مليون إنسان.

قال: إذا كان جمال عبد الناصر ينادي (بالإسلامية) ماذا كان يصنع بالأقليات غير المسلمة في البلاد العربية؟

قلت: (أولاً) المسلمون منذ زمان الرسول (ص)، كانوا ينادون (بالإسلامية) في كل قضاياهم، ولم تكن الأقليات ترى في ذلك غضاضة.. فلتكن هذه المرة أيضاً كذلك.

(ثانياً): كان بالإمكان إرضاء الأقليات غير المسلمة، بصورة أخرى.

(ثالثاً): وهل تتصور أن الأقليات ـ الآن ـ مرتاحة (للقومية العربية)؟ إنهم غير مرتاحين، ومقالاتهم التي تنشر في البلاد الأجنبية شاهدة على عدم ارتياحهم.

(رابعاً): إذا أغضضنا العين عن كل الأجوبة السابقة، فهل إرضاء قلة لا تعدو بضع ملايين من الأقليات غير المسلمة أهم، أم إرضاء تسع مائة مليون مسلم غير عربي؟

ثم أردفت: وإني أعطيك كلاماً قاطعاً ـ إذا لم تغضب من كلامي هذا ـ أن القومية لا تنقذ فلسطين، وإنما الذي ينقذ فلسطين هو الإسلام. فإذا نادى ملوكنا ورؤساؤنا (بالإسلامية) وانضوى الجميع تحت لواء الإسلام، فسوف ينقذون فلسطين، كما أنقذها المسلمون من أيدي الصليبيين، في العصر السابق، تحت لواء (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

قال: أنت متأثّر بأفكار الإخوان المسلمين.

قلت: بل متأثّر بالكتاب والسنّة، فهل كل من يدعو إلى الإسلام هو من الإخوان المسلمين؟

ثم أردفت: أرجو أن تعفو ولا تغضب إذا قلت لك انك كلما تنقطع عن الجواب تأخذ في التهجّم، وأرى أن من الأفضل أن لا أجري الحوار أكثر من هذا.

قال: عفواً، بل استفدت منك كثيراً، أرجوك أن لا تؤاخذني، إذا خرجت عن أدب المحاورة.

ثم أردف: إنك قلت في أثناء البحث، أن القومية ضد الإسلام، فكيف ذلك؟

قلت: لأن الآيات والأحاديث الواردة عن النبي وأهل بيته الطاهرين تصرّح بذلك.

قال: أذكر لي بعض تلك الآيات والروايات.

قلت: قال الله تعالى: (إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). فالشعوب والقبائل لتتعارف، لا لتتناكر، والقومية توجب التناكر، إذ كل يفضل قومه، وذلك يوجب التنافس، والتنافس في الأمور الدنيوية ينتهي إلى التناكر والمحاربة.

ومن الأحاديث الواردة في هذا الصدد قول الرسول الأعظم (ص): (الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى).

وفي الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله:

الناس من جهة التمثــال أكفاء          أبوهــــم آدم والأم حــــــــواء

فإن يكن لهم في أصلهم نسب          يفاخــرون به فالطيـــن والماء

قال: لكن في القرآن والسنّة ما يدل على القومية؟

قلت: مثل ماذا؟

قال: مثل قوله سبحانه: (وإنه لذكر لك ولقومك)، وقوله سبحانه: (وانذر عشيرتك الأقربين) وما ورد في الحديث: (أنا من العرب وليت العرب مني).

قلت: كون القرآن ذكر الرسول والذين حوالي الرسول، لا ربط له بالقومية، وفي لسان أهل الأدب (إثبات الشيء لا ينفي ما عداه) وإنذار العشيرة معناه الابتداء بهم، لأن معناه تنصيبهم على سائر الناس والحديث (أولاً) ضعيف سنداً ولا حجّة فيه، (ثانياً) كون الإنسان من قبيلة ما هل معناه أن يفضل تلك القبيلة على ما سواها؟

وكون الإسلام لا يرى الفضل إلا بالتقوى، مما لا يشك فيه مسلم، ويعرفه كل فاهم من غير المسلمين.

قال: فكيف نرى ظهور القوميات في بلادنا؟

قلت: إنه من صنع الاستعمار، لتفريق كلمة المسلمين.

 

1 ـ من المؤسف أن ما ظننته وقع أكثره ولم تمض من الدعوة إلى القومية عشرون سنة.