الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

أسئلة حول الإسلام

جاءني إنسان، وقال إن جماعة من طلاب الكليات المختلفة، من بغداد، ومن البصرة، جاءوا، بمناسبة العطلة، وعندهم أسئلة مطوّلة، حول الإسلام يريدون منك وقتاً كافياً، لمقابلتك.

قلت: ليتفضّلوا بعد صلاة المغرب والعشاء، وأخصص كل الوقت لهم، حيث يخف الزائرون في الليل.

وجاءوا حسب الموعد المقرر، وكانوا على ما أذكر سبعة، وكانوا من كلية الطب، وكلية التربية، وكلية الحقوق، وأحدهم من كلية دينية ـ كما عرّفوا أنفسهم ـ .

قالوا: هل تسمح بالمناقشة والسؤال حول قضايا إسلامية؟

قلت: تفضّلوا!

قال أحدهم: هل في الإسلام جيش؟

قلت: نعم.

قال: لكن جيش الإسلام لا ينفع اليوم؟

قلت: ولماذا؟

قال: لأن عهد السيف والرمح والسهم قد ولّى.

قلت: ألم تقرأ قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)؟

ثم أردفت، فالإسلام يوجب تحصيل أحسن القوة (العلمية) و(التسليحية) و(المالية) و(الصناعية) و(التكنولوجية) و(التنظيمية).. أمام الأعداء، وأوكل ذلك إلى المسلمين حسب اقتضاء الزمان والمكان.. وقد ورد أن النبي (ص) استعمل (الدبابة) وأرسل بعض المسلمين إلى اليمن لتعلّم بعض الآلات الحربية، التي حدثت في ذلك الزمان وكان المسلمون لا يعرفونها.

قال: حسناً، وهل توافق على الجندية الإجبارية؟

قلت: إن مقتضى الأدلة الشرعية، بعد ضم بعضها إلى بعض، أن تندب الحكومة كل المسلمين إلى التدرب على حمل السلاح، وتهيّئ لهم ساحات عامة، وتغريهم بمختلف وسائل الإغراء، ومن الطبيعي أن يزدلف إلى الساحات ملايين من المسلمين، وبذلك تجمع الحكومة بين عدة فوائد هي:

1 ـ تعلم أكبر قدر ممكن لحمل السلاح.

2 ـ عدم الجبر والإكراه، حيث يتنافى مع تسلط الناس على أنفسهم.

3 ـ توفير معاشات الجنود على خزينة الدولة.

قال: إنه لابد من موظفين، وكمية من الجنود تحت السلاح دائماً.

قلت: لا بأس بذلك، فإنه يصبح كسائر الوظائف التي يرغب إليها الناس طائعين.

قال: وإذا دهم المسلمون عدو، ولم يكن الموظفون، فهل يُجبر الاحتياطي على الحرب؟

قلت: نعم لأن الدفاع واجب كفائي أحياناً.. وعيني أحياناً أخرى.

قال: وهل يصح أن يكون للدفاع وزارة؟

قلت: نعم، ولكن الأفضل أن نسميها (وزارة الجهاد) فإنه الاسم الإسلامي الملائم، لأن الجهاد يشمل الدفاع، والحرب الابتدائية في سبيل الله، والمستضعفين.

قال: الاسم غير مهم.

قلت: مهم جداً، لأن الاسم دليل المسمى والاتجاه العام، ولذا فإني أحبّذ أن تكون كل الأسامي في بلاد الإسلام، إسلامية، سواء أسامي الناس، أو الشوارع، أو الفنادق، أو الحدائق، أو المدارس، أو غيرها، كأسامي الأنبياء، والأوصياء، والأئمة، وصحابتهم، والعلماء، والخيرين، و.. و..

وهنا توقف السائل، وأظهر الشكر.. وبدأ غيره في الكلام:

قال: وإذا قامت الدولة الإسلامية، فماذا نصنع بالأقليات غير المسلمة؟

قلت: مثل ما تصنع الحكومة الآن بالأجانب في اصطلاحهم (أي غير العراقيين).

قال: ولماذا قلت (في اصطلاحهم)؟

قلت: لأن الإسلام يرى كل مسلم مواطناً، فإن المسلم أخ المسلم أحب أم كره.

قال: ولماذا لا نعاملهم كمواطنين؟

قلت: (أولاً) إن المواطن اصطلاح غربي ـ بهذا المعنى الذي تقصد ـ.

(ثانياً): فإن الحكومة الإسلامية حكومة عقائدية، ولذا تبنى أحكامها على العقائد، لا على الجنس واللون واللغة والقوم ونحوها.

قال: إذاً لا فرق بين الحكومات الحاضرة، وبين الإسلام، فعند كلتيهما أجانب ومواطنون.

قلت: الفرق في أمرين:

1 ـ إن الإسلام بنى التمييز على أمر حقيقي حيث ثبت بالدليل خرافة العقائد غير الإسلامية، بخلاف غير الإسلام فإنه بنى التمييز على أمر غير حقيقي، كالقوم، والجغرافيا، واللغة وما أشبه ذلك.

2 ـ إن الإسلام يعطي للأقليات أكثر مما تعطي الحكومات الحاضرة للأجانب ـ في اصطلاحهم ـ وقد لخّص الإمام أمير المؤمنين في عهده إلى مالك الأشتر فلسفة الإسلام في هذه الناحية، حيث قال (ع): (الناس صنفان: أما أخ لك في دين، أو نظير لك في الخلق).

قال: أليس من الأفضل أن لا يفرق بين الجميع؟

قلت: لا، لأنه حينئذٍ يكون الإسلام قد شجّع على الخرافة، وعلى الأنظمة غير الصحيحة، حيث إن العقائد والأنظمة غير الإسلامية ثبت زيفها.

وهنا توقف السائل، وبدأ غيره بالكلام ـ وكان المتكلم هو الذي عرف نفسه بأنه من كلية الطب ـ .

قال: رأيت لك كتاباً باسم (مبادئ الطب) فهل أنت تحبّذ الرجوع إلى الطب القديم؟

قلت: كلا.

قال: فما معنى هذا الكتاب؟

قلت: إني أحبذ الجمع بين منجزات الطب الحديث وتجريبات الطب القديم لينعم البشر بثمار معلومات أُلوف الأطباء القدامى، إلى جانب تنعّمهم بثمار الاكتشافات الحديثة.

قال: ومن أين لنا بالأطباء القدامى؟

قلت: الطب القديم بأطبائه وأدويته موجود في بعض بلاد العالم، كالهند والصين وباكستان وغيرها.

وهنا انقطع السائل، ليبدأ غيره بالكلام.

قال: هل صحيح أن العلماء يحرّمون المدارس، والراديو والتلفزيون والسينما، وسائر الوسائل الحديثة؟

قلت: لا.

قال: كذا سمعت.

قلت: العلماء إنما يحرّمون هذه الوسائل الثقافية والإعلامية، فيما إذا كانت ضارة بالعقيدة، أو كان فيها ما ينافي الشريعة.. وإلا فالعلماء من أكبر دعاة العلم، فقد قال رسول الله (ص): (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) وقد قال علماؤنا بوجوب تعلّم الصناعات وجوباً كفائياً.

قال(مستغرباً): لأول مرة أسمع مثل هذا الكلام.

قلت: أما الحديث المتقدم فمذكور في عدة كتب لعلمائنا، من جملتها كتاب (معالم الأصول) لأحد كبار علمائنا، وأما وجوب الصناعات فمذكور في كتاب (المكاسب) للشيخ المرتضى الأنصاري وهو في الرعيل الأول من العلماء.

وهنا بدأ الكلام غيره.

قال: بنظري أن الشيوعية أفضل من الإسلام.

قلت: ولم؟

قال: لأن في بلاد الشيوعية ليس حتى فقير واحد، وفي بلاد الإسلام ألوف الفقراء.

قلت: في بلاد الشيوعية، لا حرية ولا غنى، وهما أمل كل إنسان، بخلاف الإسلام الذي إن طبّق نظامه يحقق للأمة الحرية الكاملة، والغنى الشامل. وأما ما تجده الآن في بلادنا من كثرة الفقراء فسببه عدم تطبيق نظام الإسلام.

قال: وكيف يُغني النظام الإسلامي كل الناس؟

قلت: إنه يطلق الحريات، فيقوم كل إنسان بكل جهده لتحصيل المال، وإذا بقي هناك فقراء عاطلون تتكفّل الدولة أمورهم، حتى يغنيهم الله من فضله، فإن الإسلام هو أول من وضع نظام التكافل الاجتماعي والضمان الاجتماعي.

ثم تكلّم غيره.

قال: لكن إذا أضفيت كل خير إلى الإسلام فإنه لا مجال للمسلم أن يتبرأ من أبشع نظام فيه، هو نظام الرق والرقيق. والفخر لإبراهام لنكولن حيث ألغى الرق؟

قلت: الرق في الإسلام ضرورة عقلية لا محيص عنها، وفي أي يوم يرجع العالم إلى العقل والمنطق، لابد له أن يأخذ بنظام الرق الإسلامي. أما الرق الذي ألغاه (ابراهام) فهو كان محرماً في الإسلام من أول يوم.

قال: فما هو الفرق بين قسمي الرق؟ ولماذا الرق في الإسلام ضرورة؟

قلت: كان الغرب يصطادون الناس الأحرار، ليجعلون منهم أرقاء، كما تجد ذلك في الكتب التي تفصّل قصة (لنكولن)، وهذا القسم من الرق حرام في الإسلام من أول يوم.

أما الإسلام، فإنه إذا وقعت حرب بين المسلمين وبين الكفار، واستولى المسلمون على بعض الكفار فالحاكم الإسلامي مخيّر بين أربعة أمور، حسب ما تقتضيه المصلحة:

1 ـ أن يطلق سراح الأسرى.

2 ـ أن يقتل الأسير الذي يخشى منه في المستقبل ليقيم ثورة جديدة ضد الإسلام، أو نحو ذلك.

3 ـ أن يأخذ من الأسير فداءً (بدلاً) ويطلق سراحه في قبال بدل.

4 ـ أن يسترقه، بأن يطلق حريته، تحت نظر سيّد، ليأمن مكره في المستقبل، حيث إنه تحت إشراف سيّد، وفي نفس الوقت يضمن عمله وحريته في مختلف مجالات الحياة.

(هذا الحلّ هو أفضل الحلول، فإن من لا يطلق سراحه ولا يقتل ـ والقتل لا يكون إلا قليلاً نادراً جداً ـ ولا تقتضي المصلحة أخذ الفداء منه، يدور أمره بين أن (يسجن) وفيه كبت لحرياته وبين أن (يسترق) وهذا أفضل الأمرين).

قال: لأول مرة أسمع هذا الكلام.

قلت: أظن لأنك لأول مرة تقابل أحد العلماء، كما أظن أنك لم تقرأ كتاب الجهاد الإسلامي.

وبدأ أحدهم الكلام.

قال: وهنا سؤال حول كيفية استئصال الإسلام الجريمة، إذ سمعت (فلاناً الخطيب) قال إن البلاد الإسلامية لا تكون فيها الجرائم إلا نادراً، فهل صحيح ذلك؟

قلت: نعم وبكل تأكيد، والسر في هذا الأمر:

1 ـ إن الإسلام يوفّر المناخ المناسب للفضيلة.

2 ـ يعمّق الإيمان بالله واليوم الآخر.

3 ـ يضع العقوبات الصارمة الرادعة لمن يرتكب الجريمة.

وبهذه الخطط يستفيد الإسلام:

(أولاً): الثقة المتبادلة بين جميع أفراد الأمة.

(ثانياً): الأمن الشامل والاستقرار.

(ثالثاً) قلة الجريمة قلة تكاد تلحق بالمعدوم.

قال: ما معنى يوفر الإسلام المناخ الملائم للفضيلة؟

قلت: لهذا بحث طويل، لكني أذكر طرفاً منه:

1 ـ فالإسلام يشحذ العواطف وذلك مما يسبب قلة العقد النفسية الباعثة للجريمة.

2 ـ ينفي الفقر، وذلك مما يسبب قلة الحاجة الباعثة للسرقة ونحوها.

3 ـ يزوّج الأولاد زواجاً مبكّراً، وذلك ما يسبب عدم هيجان الشهوات الموجبة لحوادث الاختطاف والزنا، واللواط ونحوها.

4 ـ يجعل من المجتمع رقيباً على الفضيلة، بمنهاج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إلى غيرها.. وغيرها..

وهنا، قام الجميع وانصرفوا وأظهروا الشكر وقد دعوتهم لأكرر اللقاءات معهم في المناسبات القادمة.

وقد كان البحث أطول مما ذكرت، وإنما لخّصته، مراعاةً لأسلوب الكتاب.