الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الروحانية(1)

إذا أصاب الإنسان ضعف عام، كان معنى ذلك ضعف كل أجهزته الداخلية والخارجية.

وكذلك إذا أصاب الأمة ضعف كان معنى ذلك ضعف كل قواها.

والمسلمون ابتلوا بهذا الضعف، ولذا كان حكام المسلمين ضعفاء، شعوبهم ضعيفة، وسرى الضعف إلى الجهاز الروحي. وقد كان سبب هذا الضعف، أن حكومتي المسلمين، القاجارية والعثمانية، لم يأخذا بوسائل العصر، ولم يعدّا ما يستطيعان من قوة ـ كما أمر القرآن الكريم ـ ولذا ضعف المسلمون ـ ككل ـ وضعف الروحانيون، حتى انتهى الأمر إلى سيطرة الغرب والشرق على البلاد الإسلامية.

وضعف الروحانية، له سببان:

(الأول) الضعف العام في كل جسم الأمة، وذلك تبع لضعف الحكومات الإسلامية، ولا علاج لتقوية الروحانية من هذه الجهة إلا بعلاج الضعف العام.

(الثاني) الضعف الخاص في الروحانية نفسها، من جهة عدم النظام المساعد لحل المشاكل والتقوية المستمرة. وليس معنى هذا أنه لا نظام إطلاقاً في الروحانية، فإنه لاشك في وجود النظام عندهم، وإنما الكلام في أن النظام بهذا القدر الموجود لا يكفي في التنمية المطلوبة كما لا يكفي في ردّ الاعتداء الوارد على الإسلام والمسلمين، وكذلك لا يكفي في لمّ الشعب ورتق الفتق.

أما علاج السبب فهو سبيل المسلمين ككل، فإن الواجب على جميع المسلمين وجوب عيني لا كفائي، لأن الأمر أهم وأكبر من أن يتأتى على يد بعضهم دون بعض (ومنهم الروحانيون) أن يهتموا لعلاج هذا المرض، وإلا كان مالهم نهباً، وشبابهم عرضة لكل شيء، وبلادهم مستعمرَة، وجميعهم ألعوبة بيد الشرق والغرب، والاستقلالات الإعلامية الصورية لا تزيد الأمر إلا إعضالاً إذ لولا هذه الصور لم يُخدر المسلمون، وفكّروا في العلاج جذريّاً.

وأما علاج الأمر الثاني فهو بيد الروحانية نفسها.

وقد ناقشت الأمر مع جملة من المراجع، وبعضهم كان المرجع الأعلى في زمانه.. كما ناقشته مع جملة كبيرة من العلماء والفضلاء والمتحسسين بالضعف والانهيار.

وهذه نتيجة المناقشات، فهي وإن كانت حوارات متعددة، لكني جمعتها في صورة حوار واحد مع حذف المكررات.

قلت: من أين هذه الضعف في الروحانية؟

قال أحدهم: من قلة المادة، فإن الروحاني المحتاج إلى الناس، لا يتمكن من أداء رسالته كاملة.

وقال آخر: من مصادقة الحكومات مع الروحانية.

وقال ثالث: من عدم انتشار درس الأخلاق والتقوى، فإن هذا الدرس خليق بأن يخرّج روحانيين جديرين بالقيادة والتوجيه.

وقال رابع: من الفوضى في الدراسة.

وقال خامس: من التضارب بين الجبهات المختلفة في الروحانية.

وقال سادس: لا علاج إلا بظهور الإمام المهدي (عليه الصلاة والسلام).

وقال سابع: من عدم التهذيب، فاللازم أن يبدأ كلٌّ بتهذيب نفسه وتهذيب عائلته، فإذا كان كل روحاني كذلك، كان أسوة حسنة للناس، ومثل هذا خليق بأن يصلح أمر الروحانية وأمر الأمة.

وقال ثامن: من مصادقة الروحانية للحكومات، حيث قال الرسول (ص): (إذا رأيتم العلماء على أبواب الملوك فقولوا بئس العلماء وبئس الملوك، وإذا رأيتم الملوك على أبواب العلماء، فقولوا نعم العلماء ونعم الملوك).

وقال تاسع: من ابتعاد العلماء عن الحكومات (عكس الثامن) فإن قوة الروحانية، وقوة الحكومة، إذا ابتعدتا، أورثتا التضارب فانهيار الأمة. وبانهيار الأمة تنهار الحكومة وتنهار الروحانية.

وقال عاشر: من عدم النظام.

قلت: وبنظري هذا هو السبب.

قال أحدهم: وبأي دليل؟

قلت: بدليل أن النظام هو الذي يُبقي على القوى، ويُنمي القوى، فإذا لم يكن نظام فلا تبقى القوى، فكيف بالنمو؟ وإذا لم تبق القوى عرض الضعف.

قال: وما هو البرهان على أن سائر الأسباب ليست صحيحة؟

قلت: البرهان هو أن كل تلك الأسباب وليدة عدم النظام.

1 ـ فالنظام يأتي بالمادة الكافية.

2 ـ وينظم درس التقوى والأخلاق، كما ينظم سائر الدروس.

3 ـ ويرفع التضارب.

4 ـ ويشرف على التهذيب.

5 ـ ويقرر كيفية مصادقة الروحانية مع الحكومة واستبعادها عنها.

أما كون العلاج ظهور الإمام المهدي (عليه الصلاة والسلام)، فإنه لا شك أن العلاج الجذري التام لكل مشاكل العالم هو ظهور الإمام، ولكن ذلك لا ينافي إمكانية وضع الحلول الجزئية للمشاكل ليكون العلاج الممكن، في ظرف غيبة الإمام (ع).

قال أحدهم: وماذا ترى في مصادقة الحكومات والابتعاد عنها؟

قلت: إن ذلك تابع للجنة تدرس الأمور بإسهاب، لترى أن البعد عن حكومة حكومة هو الأفضل للدين والدنيا، أو القرب من حكومة حكومة؟ وقد يكون نظر اللجنة الدارسة، لزوم البُعد من حكومة، ولزوم القرب إلى حكومة أخرى.

قال أحدهم: فلنفرض أننا جعلنا النظام، فمن أين المال الكافي لإدارة الأمور؟

قلت: النظام كفيل بتركيز المال، وتركيز المال كفيل بسد الحاجات.

قال: فما هو ذلك النظام؟ ومن أين يبدأ؟

قلت: يبدأ من المرشحين للمرجعية، والحائزين للمرجعية الفعلية.

قال أحدهم: وما الدليل على اتباع النظام؟

قلت: قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ونظم أمركم) ولما استدل به الفقهاء في باب ولاية الفقيه من لزوم الهرج، فإذا لم تنظم الأمور لزم الهرج، كما هو مشاهد الآن، والكل يُكوى بناره.

قال أحدهم: وهل تسمح الحكومات بالنظم الروحانية؟

قلت: أما الحكومات الديمقراطية فنعم، وأما الحكومات الديكتاتورية فإنه لاشك في أنها تحدّد النظام، لكن (ما لا يدرك كله لا يترك كله).

قال أحدهم: ألا يُخشى من احتواء الحكومات للنظام فتكون نتيجة النظام كون الروحانية جهازاً من أجهزة الدولة؟

قلت: كلا، إنما الأمر بالعكس، لأن الأمر الذي لا نظام له يخضع لنظام في مقابله، أما الأمر الذي له نظام فهو ندّ النظام الآخر. فالحكومة نظام، تحتوي من لا نظام له ولا تقدر أن تحتوي من له نظام. ويدل على ذلك ما نشاهده أن (الحزب) يتمكن من احتواء أفراد لا نظام لهم، لكنه لا يتمكن من احتواء (حزب) آخر هو ندّ له.

قال: لكن النظام الأقوى ـ وهو نظام الحكومة ـ يقدر أن يحتوي النظام الأضعف، وهو نظام الروحانية؟

قلت: الروحانية مزوّدة بقوتين، من جهتهما ليست النظام الأضعف، وهما:

(الأولى) قوة الأمة، فإن الأمة اعتادت أن ترفض كل عميل للحكومة، وهذه القوة تحصنها عن أن تكون جهازاً من أجهزة الدولة، لأنها بمجرد أن مالت إلى جهة الحكومة ـ ميلاً غير مشروع ـ سقطت تلقائياً.

(الثانية) قوة الانتشار، فالروحانية ليست محصورة في نطاق دولة واحدة، ولذا إذا شعرت الروحانية بمضايقات الحكومة بقصد الاحتواء، تمكنت من فك الحصار بسبب قوتها الخارجية.

قال: فلماذا ترى أن (النظام عند غيرنا) كنظام البابوية، عمالة للحكومات.

قلت: لأن من عقيدة أولئك التبعية، وهو جزء من دينهم، وذلك بخلاف عقيدتنا، فإنها تفرض علينا أن نتبع الشريعة بحذافيرها، فإذا كان النظام موافقاً لها صادقناه، وإذا كان النظام مخالفاً لها ابتعدنا عنه وحاولنا إصلاحه.

قال أحدهم: إذا كان النظام صحيحاً، فلماذا لم يحاول علماؤنا السابقون أن يتبنوا اتباعه؟

قلت: بل العكس هو الصحيح، فإن علماءنا السابقين حاولوا تطبيق النظام قدر جهدهم، أما الأكثرون ممن عملوا فلم يكن بمقدورهم.. والآن نرى بعض العلماء المراجع قد قرروا أنظمة في داخل إدارتهم، للحال والمستقبل.

قال أحدهم: حسناً، وكيف يبدأ بالنظام؟

قلت: المرشحون للمرجعية الأعلى يأتمرون لاختيار أحدهم، ويكون الباقون أعوانه في الاستشارة والحلّ والعقد.

قال: ومن هو المرشح؟

قلت: الفقيه العادل الجامع للشرائط.

قال: وما هو شرط المرجع الأعلى؟

قلت: الفقه والعدالة واجتماع سائر الشروط بالإضافة إلى كونه الأعرف بإدارة الأمور والأقدر عليها.

قال: فإن اختلف المؤتمرون؟

قلت: قُدم أكثرهم رأياً.

قال: لم يكن لهذا شبيه في المرجعية؟

قلت: كان له شبيه، كما يذكر أن صاحب الجواهر خرج مرجعاً أعلى بمثل هذا الانتخاب، وكذا يذكر في غيره.

قال: إنك تعلم أن كل نظام يحتاج إلى قوة حافظة، وإلا انفلّ النظام، فما هي القوة الحافظة لهذا النظام؟ إذ من الممكن أن لا يرضى بعض الفقهاء بمرجعية غيره فيكوّن لنفسه كياناً ويجمع المريدين، ويرجع الأمر إلى نفس الفوضى التي جُعل النظام للحدّ منها؟

قلت: القوة الحافظة للنظام هي قوة الأمة، فإنه لما شعرت الأمة بوجوب النظام، وان أسلوب المرجعية هو هذا النحو من الاختيار، حفظوا النظام، وردّوا المتنكّب إليه كما نشاهد نحن الآن بالنسبة إلى أصل المرجعية حيث إن الأمة هي التي تحفظها، وتمدّها بالمال والدفاع عنها، عند الأخطار.

قال: وكيف يمكن بدء فرض هذا النظام والحال إنا نرى أن المراجع المتعددة ـ الآن ـ لا يستعدون لمثل هذا النظام؟

قلت: يمكن فرض النظام في صورتين:

(الأولى): أن المرجع الأعلى المسلّم لدى الجميع يفرضه النظام وينشر صورته وفوائده بين الأمة، ويطلب من الأمة اتباع ذلك، بعد موته.

(الثانية): أن ينشر الواعون من رجال العلم هذه الصورة بين الأمة، حتى إذا شعرت الأمة بفائدة النظام وحسناته، حفظوا النظام، وألجأوا الروحانية بقبولها.

قال: وماذا يكون مصير بقية الفقهاء الذين لم يصبحوا مرجعاً أعلى؟

قلت: يكونون أعواناً ومستشارين.

قال: وإذا عُين المرجع الأعلى، فما هو النظام الذي يجعله لإدارة أمور الأمة؟

قلت: ذلك واضح، وحسب الظروف، وإليك ما يمكن أن يكون بمنزلة الخطوط العامة، فإنه يعين:

1 ـ لجنة لتنظيم الدراسة والإشراف عليها.

2 ـ ولجنة لتنظيم المال واستحصاله.

3 ـ ولجنة لتقوية الإسلام والفضيلة في الداخل.

4 ـ ولجنة لإدارة أمور الأوقاف وبناء المساجد والمدارس.

5 ـ ولجنة لنشر الإسلام والفضيلة في خارج بلاد الإسلام.

6 ـ ولجنة لإدارة شؤون المبلغين والوعاظ وأئمة المساجد والوكلاء.

7 ـ ولجنة لمكافحة المنكرات والمحرمات.

8 ـ ولجنة للشؤون السياسية والاقتراب والابتعاد عن الحكومات.

9 ـ ولجنة لمراقبة النشاطات اللاإسلامية والرد عليها وحفظ المسلمين من الارتداد والفساد.

10 ـ ولجنة للثقافة بطبع الكتب الإسلامية ونشرها، وترجمتها إلى اللغات وإخراج الجرائد والمجلات والنشرات.

إلى غيرها وغيرها.. من سائر اللجان المحتاج إليها.

قال: لنفرض أن هذا الأمر تم في أحد الأقطار الإسلامية، فكيف يكون في سائر الأقطار التي فيها الحوزات العلمية والمراجع؟

قلت: إن أمكن جعل المرجع الأعلى لكل الأقطار واحداً، فبها ونعمت، وإن لم يمكن، فكل قطر ينتخب مرجعه الأعلى وتكون النسبة بين هذه المراجع نسبة الحكومات بعضها مع بعض، وذلك:

بفرض (جامعة المراجع) يكون لكل مرجع أعلى (في قطره)، ممثل في (الجامعة)، وتكون بمنزلة (جامعة الدول العربية) وذلك بقصد تنسيق الجهود وتوحيد الصف وحلّ المشاكل.

قال: لنفرض إمكان كل ذلك، لكن مثل هذا النظام بحاجة إلى الأموال الوافرة، فمن أين للمرجعية بمثل هذا المال؟

قلت: إنه بسيط جداً، فالمال يمكن تحصيله من عدة طرق مثل:

1 ـ أرباح الأوقاف.

2 ـ الأخماس والزكوات والمظالم والنذور ونحوها.

3 ـ التبرعات.

4 ـ أرباح التجارة، فإن للمرجع أن يعين كمية من المال للتجارة والاسترباح، وهذا مورد ضخم. مثلاً نفرض أنه عين مليوناً من الدنانير لأجل ذلك بيد تجار أكفاء أمناء فإنه يصبح بعد خمس سنوات (32) مليوناً، لأن ربح التجارة الناجحة يكون بقدر رأس المال، ومثل هذا المقدار يصلح أن يكون نواةً لمال منظم، لا يقل شهرياً عن مليون دينار.

قال: ألا ذكرت الأخذ من موارد الدولة؟

قلت: لأن جواز ذلك ومنعه يختلف حسب مزاج الحكومات، فإن كان الأخذ من الدولة من أسباب استيلاء الدولة على الروحانية، لم يجز ذلك، وإن لم يكن الأخذ من الدولة من أسباب الاستيلاء ـ كما في الحكومات الديمقراطية ـ جاز الأخذ.

قال: ما ذكرته، كان خطوطاً عامة للنظام وللمال فما هو تفصيل هذه الخطوط؟

قلت: إن استتب النظام، وحصل المال، فحلّ التفاصيل أمر هيّن.

قال: وهل ما ذكرت في (النظام) هو الطريق الوحيد، لتنظيم شؤون الروحانية؟

قلت: هذا هو الطريق الأفضل بنظري لجعل النظام. ومن الواضح أنه لو وجدت الروحانية طريقاً أفضل مما ذكرت أنا فللروحانية الأخذ بذلك الطريق الذي تراه أنسب وأفضل.

 

1 ـ ذكرنا هذا البحث في هذا الكتاب من جهة أن تقوية الروحانية من أسس قيام حكم الإسلام.