الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

المرأة في الإسلام

جاءني ذات مرة شاب يقول إن صديقه ـ فلان ـ قد رجع من أمريكا، وقد انحرفت عقيدته عن الإسلام، وهو يقول إنه لابد من الشطب بالقلم الأحمر على بعض آيات القرآن، لأنه العلم أظهر خطأها.

وكنت أنا صديقاً لعائلة هذا الشاب الراجع من أمريكا، وأعرف الشاب معرفة قليلة.

قلت لصديقه الذي نقل عنه هذا الكلام جئني به، حتى أعرف ما هي تلك العبارة التي يجب أن يشطب عليها بالقلم الأحمر.. وجاء به، وكان الشاب الراجع من أمريكا يحترمني كثيراً، بحكم ارتباط عائلته بي، وكان خجولاً، لكنه صلب.

وبعد أن رحَّبت به قلت: لا تخجل مني ولا تخشَ أن أفشي سرك، إذا كانت عقيدتك قد تغيرت عن الإسلام. ورجائي أن تتكلم بصراحة حتى نصل إلى الحقيقة، ودع المجاملة، وإني أطمئنك أنه إن كان رأيك صحيحاً قبلته بكل رحابة صدر، على شرط أنه إذا رأيت أن رأيي صحيح تقبله أنت أيضاً.

قَبِلَ الكلام، مع تحفّظ.

قلت: إني سمعت أنك قلت إن بعض آيات القرآن يجب أن يشطب عليها بالقلم الأحمر؟

قال: مثل ما سمعت.

قلت: لماذا؟

قال: لأنها تشتمل على أحكام كَشَفَ العلم زيفها.

قلت: فهل لك أن تقول ما هي تلك الآيات؟

قال: آية المرأة.

قلت: ليس في القرآن آية تسمى آية المرأة.

قال: أقصد الأحكام التي قررها القرآن للمرأة مثل الآية التي تحرِّم العلم على المرأة.

قلت: ليس في القرآن آية تدل على حرمة العلم للمرأة.

قال: إني هكذا سمعت من بعض العلماء: إن العلم للمرأة حرام.

قلت: فلنفرض أن عالماً قال ذلك، فهل قول ذلك العالم يعني أن في القرآن آية حول ذلك؟

قال: وعلى أي حال، هل القرآن يحرم العلم على المرأة؟

قلت: كلا، بل بالعكس، القرآن يرحِّب بالعلم للمرأة، حيث يقول: (ما أتاكم الرسول فخذوه) وقد قال الرسول (ص): (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة).

قال: عجيب، فكيف قال العالم الفلاني أن العلم حرام على المرأة؟

قلت: ما أظن أن عالماً يقول إن العلم حرام على المرأة، ولعل العالم قال شيئاً آخر، وأنت فهمت منه غير ما قصده.

قال: فإني أسأل من ذلك العالم ماذا كان قصده من كلامه.

قلت: وعلى أي حال، فاسحب كلامك أن (آية المرأة) في القرآن تستحق أن يشطب عليها بالقلم الأحمر.

قال: (ضاحكاً) أسحب كلامي، لكن هناك أشياء أخر.

قلت: مثل ماذا؟

قال: مثل آية الحجاب.

قلت: اقرأها!

قال: لا أحفظها.

قلت: فمن أين تقول هكذا آية موجودة في القرآن؟

قال: قرأ لي الآية العالمُ السابق الذكر.

قلت: صحيح أن في القرآن (آية الحجاب) وهي قوله تعالى: (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب).

قال: فهل تلائم هذه الآية العصر الحاضر؟

قلت: ولماذا لا تلائم؟

قال: المرأة اليوم في الجامعة، ودكتورة، ومهندسة، وموظفة وفي المعمل، ومضيفة في الطائرة وممرضة، وهل تتلاءم هذه الأعمال مع العباءة؟ فاللازم إما أن تخرج المرأة من الحياة، وإما أن نخرجها من العباءة، فإن كان الأول غير ممكن، كان من الضروري الثاني، ولذا قلت أنا إن آية الحجاب لا تلائم العصر.

قلت: كلا، لا نخرج المرأة من الحياة، ولا نخرجها من العباءة.

قال: وقبل أن تتم كلامك، أليست العباءة (عادة عباسية) أدخلها خلفاء بني العباس في الإسلام؟

قلت: أنت الآن ناقضت نفسك بنفسك، فانك قلت (آية الحجاب في القرآن) فكيف تقول إنها عادة عباسية؟

قال: صحيح، وقد اشتبهت لكن هذا الكلام نفذ إلى ذهني فجأة، من كلام أستاذ لي في أمريكا.

ثم قال: فلنرجع إلى كلامنا! فكيف قلت: لا منافاة بين دخول المرأة في ميادين الحياة، وبين العباءة؟

قلت: إذا خرجت الفتاة من دارها، إلى مدرسة وكلية وجامعة خاصة بها مع لباس الحشمة والحجاب، وكنَّ المدرسات إناثاً، فهل حجابها ينافي تحصيلها العلم؟

قال: لا، ولكن من الذي يوفّر لها المدارس غير المختلطة؟

قلت: الذين يوفرون لها مثل هذه المدارس هم حكومات بلاد الإسلام.

قال: لا تفعل الحكومات ذلك.

قلت: فالذنب ذنب الحكومات، لا ذنب الإسلام والقرآن.

قال: لنفرض أن العلم لا ينافي الحجاب، لكن دخولها في المصنع والمعمل ينافي الحجاب؟

قلت: كلا، إذ نخصص لها مصانع ومعامل خاصة بها بدون اختلاط، فقسم من المصانع خاص بالرجال، وقسم منها خاص بالنساء، فهل يضر ذلك، أو يقلل من الإنتاج؟

قال: لا، ولنفرض هذا أيضاً صحيحاً، لكن ما قولك فيما إذا تخرجت معلمة، أو موظفة أو مهندسة أو دكتورة أو طيارة أو ممرضة أو مضيفة أو نحوها؟

قلت: كل ذلك لا يتنافى ولباس الحشمة والحجاب.

قال: وكيف؟

قلت: تكون:

1 ـ معلمة لمدارس البنات.

2 ـ وموظفة في الوظائف التي تختص بالنساء، أو لا يدخل عليها الرجال.

3 ـ والمهندسة تخطط وتصمم، ولا يلزم ذلك الاختلاط والتبرج.

4 ـ والدكتورة، تكون خاصة بالنساء.

5 ـ والطيارة تكون في غرفة القيادة، لا مختلطة بالرجال وسافرة.

6 ـ والممرضة تكون خاصة بالنساء.

7 ـ والمضيفة تقدم الطعام والماء، وهي بلباس الحشمة والحجاب.

قال: أنت توافق على كل ذلك؟

قلت: لا.

قال: فكيف قلت ما قلت؟

قلت: للكلام مرحلتان.

(الأولى) هل بإمكان المرأة أن تدخل الحياة العامة، مع الحجاب ولباس الحشمة؟ وهذا ما كنت الآن بصدده وقد ذكرته في مقام أنه لا منافاة بين لباس الحشمة والحجاب، وبين الأعمال المذكورة.

(الثانية) الشيء الذي أنا أراه مناسباً للمرأة، مما هو أقرب إلى عفّتها وطهارتها، وإلى بعدها عن المزالق وشباك الشيطان.

قال: ففي المرحلة الثانية، أنت ترى ما هي المجالات التي تتمكن المرأة أن ترتادها؟

قلت: اني أرى أنها تصلح:

1 ـ أن تدرس في مدارس خاصة بها لا مختلطة، ولا يكون المدرّس لها رجلاً.

2 ـ أن تكون دكتورة وممرضة ومركبة أسنان للنساء.

3 ـ أن تكون معلمة ومدرسة لمدارس البنات.

4 ـ أن تكون في معامل خاصة بها، بدون الاختلاط.

5 ـ أن تكون موظفة في وظائف مربوطة بالنساء.

6 ـ إلى غيرها من الأعمال اللائقة بها، والتي لا تنافي عفتها وحجابها وحشمتها.

قال: ولماذا لا تدخل في سائر الميادين؟

قلت: لأمرين:

الأول: الميادين التي توجب الاختلاط تسبب الفساد لها وللمجتمع.

وثانياً: إدخالها في كل الميادين ـ كالرجال ـ يوجب عنتاً وإرهاقاً لها، وتحميلها من الواجبات أكثر مما تستفيد من الحقوق، وذلك ظلم لها.

قال: بيّن الأمر الأول!

قلت: المرأة الداخلة في الميادين المختلطة معرّضة للفساد، حيث يطمع بها كل إنسان مستهتر. والمستهترون كثيرون في المجتمع، وإذا كانت المرأة معرضة لأغراض المستهترين، انزلقت ـ على الأكثر ـ وانزلاقها يعني سقوطها.

إذ الانزلاق لغير ذات الزوج يوجب عدم رغبة الشباب فيها.

والانزلاق لذات الزوج يوجب هدم العائلة.

وفي كلتا الحالتين، تبقى المرأة وحيدة في الحياة وتكثر العوانس والساقطات، وذلك أكبر جريمة بالنسبة إلى النساء.

ولذا ترى الغرب حيث أباح الاختلاط وأدخل المرأة في كل الميادين، كثرت فيهم العوانس كثرة مذهلة، وقلّ النكاح قلة فضيعة، وكثر الطلاق كثرة مدهشة، وكثرت النساء الساقطات كثرة عجيبة، وقد تحملت المرأة المسكينة عواقب كل تلك المآسي والويلات.

بينما ترى المرأة في البلاد الإسلامية المحافظة، محترمة، بنتاً، وأختاً، وأماً، وزوجة، و.. كل ذلك بفضل حجابها وعفتها، وبفضل القوانين الإسلامية الحافظة لها عن الانزلاق والتبذّل.

قال: بيّن الأمر الثاني.

قلت:

1 ـ إن المرأة ضعيفة في بنيتها الجسمية، كما ثبت في العلم، وكما هو المشاهد لكل إنسان ولذا تسمى النساء (بالجنس اللطيف) بينما يسمى الرجال (بالجنس الخشن).

2 ـ إن على المرأة الحمل والوضع والرضاع.

3 ـ إن على المرأة إثارة الرجال جنسياً، حتى يستقيم البيت العائلي، وتتكون الأسرة.

إذاً فعليها واجبات أكثر من الرجل.. في حال أن بنيتها أضعف من بنية الرجل.

فإذا أدخلناها في كل ميادين الرجال، كان معنى ذلك إنا ظلمناها مرتين:

(مرة) حيث إنا شاركناها مع الرجل، وهي ليست ببنية الرجل وقوته.

(ومرة أخرى) حيث إنا شاركناها مع الرجل، مع إضافة تكليف عليها، هي تكليفها بالإثارة، والحمل والوضع والرضاع.

ويكون ذلك مثل أن تكون هناك سيارتان، كبيرة وصغيرة، فتحمّل السيارة الكبيرة خمسة أشخاص، وتحمّل السيارة الصغيرة ستة أشخاص، فإنه ظلم للسيارة الصغيرة من جهة تحميلها خمسة مساوياً لها مع الكبيرة، ومن جهة تحميلها السادس، إضافة على قدر الكبيرة، بينما كان اللازم، تحميل الصغيرة أربعة.

قال: إنك قلت ـ في (الأمر الأول) ـ إن الميادين المختلطة توجب الفساد لها وللمجتمع، ثم بيّنت الفساد لها فكيف (الفساد للمجتمع)؟

قلت: ذلك واضح، إذ أن المرأة نصف المجتمع، فإذا فسدت فسد المجتمع، مثلما إذا انهدمت نصف الدار فإنه فساد لكل الدار.. هذا بالإضافة إلى أنها إذا فسدت أفسدت الرجال أيضاً.

فمعنى هدم العائلة تبعثر الرجل وضياع الأولاد ومعنى كثرة العوانس بقاء الشباب بلا زوجات ومعنى كثرة الساقطات كثرة الساقطين.

قال: إذاً أنت ترى أنه يحق للمرأة أن تدخل بعض الميادين، ولا يحق لها أن تدخل بعض الميادين الأخر؟

قلت: نعم.

قال: لكن معنى دخولها بعض الميادين، أن تبيح لها أن تسوق السيارة فهل توافق على ذلك؟ فإني قد سمعت بعض العلماء يقولون: (سياقة المرأة للسيارة حرام).

قلت: وبعض العلماء يقولون: سياقة السيارة حلال.

قال: وأنت ماذا تقول؟

قلت: أنا أقول: إذا كان المجتمع نظيفاً، وكانت هي أمينة وكانت لابسة لباس الحشمة والحجاب، جاز لها سياقة السيارة، فإن السيارة في زماننا مثلها مثل الدابة في الزمن السابق، ولم يقل أحد العلماء ان ركوب المرأة على الدابة محرّم.

أما إذا كان المجتمع غير نظيف، أو كانت هي غير أمينة، أو لم تكن بلباس الحشمة والحجاب، فليس لها أن تسوق السيارة، وذلك لأنه خطر عليها، واجتناب مواضع الخطر والانزلاق واجب شرعاً.

قال: إذاً أنت توافق على دراسة المرأة؟

قلت: نعم، بالشروط التي ذكرتها.

قال: فلنفرض أن البلاد الإسلامية هيأت لها مدارس خاصة بها، من الابتدائية إلى الجامعة، أليس ذلك إرهاقاً للدولة، بأن تجعل مدارس للبنين، ومدارس للبنات؟

قلت: من المعروف إن قيراطاً من الوقاية خير من قنطار من العلاج، وهذا الإرهاق للدولة خير ألف مرة من المدارس المختلطة التي توجب إرهاقاً للدولة في علاج ما نجم عن ذلك من الفساد.

قال: لنفرض أن الدولة هيّأت للمرأة المدارس الخاصة بها، وتخرجت من الجامعة فهل توافق على أن تذهب إلى الغرب لتكميل دراستها؟

قلت: إني لا أوافق على كل شيء يوجب فساد المرأة، أو كان في ذلك خطر الانزلاق لها.

قال: معنى ذلك حرمانها من وصولها إلى درجات رفيعة من العلم.

قلت: كلا، فإني أرى أن الواجب على الدول الإسلامية، وهي قادرة مادياً، أن تهيئ في نفس البلاد مدارس تضاهي المدارس الأجنبية من حيث المستوى العلمي، لا للبنات فقط، بل للبنين أيضاً، وفي ذلك، تقديم للبلاد إلى الأمام، وحفظ للشباب من الجنسين عن الانزلاق، وحياطة لهم عن الذوبان في تقاليد وعادات الشرق والغرب، مما ينجم عنه أكبر الضرر على البلاد الإسلامية، ولا بأس أن أذكر بالمناسبة قصة أذكرها في أيام الحرب العالمية الثانية.

فقد خطب (هتلر) ذات مرة خطبة نارية، وصبّ جام غضبه على الحكومة، وكان الدافع له إلى هذا الخطاب وهذا الغضب، أن (ألمانيا) كانت تستورد قسماً من البضائع الأجنبية، فقال هتلر في خطابه: (إنه لا يحق لدولة تدعي أنها من البلاد الصناعية، أن تفتقد بضاعة في داخلها، بحيث تحتاج إلى استيرادها من الخارج).

فإذا قلنا إن البلاد الإسلامية ـ وهي غنية الآن بإذن الله تعالى ـ يجب أن تكتفي ذاتياً، بالمدارس وغيرها، لم يكن كلامنا بعيداً عن جادة الصواب.

قال: سمعت أنك تحبّذ الزواج المبكّر، فإذا كان الأمر كما سمعت، فهل الزواج المبكّر يلائم دراسة المرأة؟

قلت: صحيح ما سمعت، فإني أحبّذ الزواج المبكّر (وذلك لتحريض الإسلام له، ولأن عدم الزواج يحمل في طياته أخطاراً اجتماعية وعائلية (صحية وغيرها)). وبنظري أن الزواج لا ينافي الدراسة، لا بالنسبة إلى الرجل، ولا بالنسبة إلى المرأة.

قال: وكيف لا ينافي؟

قلت: إن الدراسة في المدارس، لا تستغرق أكثر من ستة أشهر، إذ ثلاثة أشهر الصيف عطلة مستمرة، وثلاثة أشهر متفرقة أخرى عطلة أيضاً، فمن الممكن أن يقسّم الدارس والدارسة، وقتهما بين الدراسة، وبين الشؤون العائلية، فنصف السنة للشؤون الدراسية، ونصف السنة للشؤون المنزلية.

قال: وبالمناسبة، فهل تبيح أنت الزواج بالأجنبيات؟

قلت: الزواج بفتيات أهل الكتاب جائز شرعاً، ولكني لا أحبّذ ذلك.

قال: ولم؟

قلت: لأمور:

الأول: إن الزواج بالأجنبية يوجب بقاء بنات المسلمين عوانس، حيث إنه إذا أخذنا بنات الأجانب نحن فمن يأخذ بناتنا؟

الثاني: إن المجيء بنساء الأجانب إلى بلادنا يوجب نقل عاداتهم وتقاليدهم إلينا وذلك ضار للمجتمع الإسلامي.

الثالث: إن أولادنا يصبحون ذا ولاءين ولاء بلاد آبائهم، وولاء بلاد أمهاتهم، وذلك يوجب إضعاف جانب المسلمين، وتقوية جانب الأجانب.