الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

حوار حول البنك

في أواخر زمان عبد الكريم قاسم، جمعت جملة من التجار لكي نؤسس بنكاً إسلامياً، خالياً من الربا. وقرر المجتمعون ذلك، لكن فوجئنا بإلغاء عبد السلام عارف ترخيص البنوك الأهلية، كبند من بنود الاشتراكية التي نادى بها عبد السلام، وطبقها بالحديد والنار.

في تلك الأيام التي كنت بصدد فتح البنك كنت كثير المطالعة والمناقشة حول البنوك، أتحرّى بها وجه الحقيقة وتفهّم الاقتصاد، وضمان عدم خسارة البنك الذي نزمع فتحه، وقد جرت عدة محاولات بيني وبين بعض أهل الاختصاص من عمال البنوك أسفرت عن هذا البحث، الذي هو خلاصة تلك المحاورات:

قال أحدهم: وهل يحرم الإسلام البنك؟

قلت: البنك بالصيغة الحالية حرام في الشريعة.

قال: ولم؟

قلت: لأنه يشتمل على الربا، أخذاً وعطاءً، ولأنه يشتمل على بعض القوانين المخالفة للشريعة الإسلامية.

قال: ولماذا الربا حرام؟

قلت: لأنه ليس طريقاً سليماً للاسترباح.

قال: الربح إنما هو ناتج المال والعمل فاللازم أن يُقسم المال بين صاحب المال وصاحب العمل. وهذا هو الذي يعمله البنك، لأنه يأخذ منك ألف دينار، ثم يستربحه، فإذا حصل مائة دينار، أعطى بعضه لك وأخذ بعضه لنفسه، فمن أين جاء التحريم؟

قلت: صحيح أن الربح ناتج المال والعمل، لكن الربا ليس بصحيح، إذ الربا نتيجة منحرفة لا نتيجة مستقيمة.

قال: وكيف ذلك؟

قلت: القرض قسمان (الأول) ما كان للربح، كما إذا اقترضت أنت ألف دينار، لأجل الاسترباح، (الثاني) ما كان لسدّ الحاجة، كما إذا اقترضت لعلاج مرضك، أو بناء دار تسكنها، أو تزويج ولدك. وليس من الحق أن يستغل صاحب المال حاجة المقترض (في القسم الثاني) ليزيدك مشكلة على مشكلة.

قال: أي ذنب لصاحب المال حتى يعطي ماله، ولا يأخذ ربحاً، بينما يقدر أن يستربح هذا المال، في مثل مدة الإقراض، في تجارة أو نحوها؟

قلت: لا أحد يجبر صاحب المال في الإقراض، فإن أحب أن يعمل عملاً إنسانياً ـ له أجر الآخرة ـ فليقرض ماله بلا ربا، وإن لم يحب لم يقرض، واستعمل ماله في الاسترباح.

قال: نسلّم أن الاقتراض لأجل سدّ الحاجة لا يصح فيه أخذ الربا، فلماذا لا يصح أخذ الربا في الاقتراض لأجل التجارة؟ فإذا استقرض تاجر منك ألف دينار لأجل أن يستربحه جاز لك أن تأخذ شيئاً من أرباحه؟

قلت: إذا اقترض إنسان ألف دينار لأجل الاسترباح، لم يخل الحال من ثلاثة أمور:

الأول: أن يتضرر، بأن صار الألف تسعمائة ـ مثلاً ـ.

الثاني: أن لا يربح ولا يتضرر، بأن بقي الألف على حاله.

الثالث ـ أن يربح.

أما في الأمرين الأولين، فلا يحق لصاحب المال أن يأخذ من المقترض الربا، إذ أن المقترض خسر العمل، فكيف يحمل أن يخسر المال أيضاً؟ إنه عمل في الألف فلم يربح شيئاً فذهبت جهوده خسارة، فهل يذهب بعض ماله خسارة، فوق ذلك؟ أما إذا خسر بعض الألف، فهل يحمل أن يخسر شيئاً جديداً فوق خسارته عمله والضرر؟ إذاً ليس من الحق أن يُحلّ الربا ـ في هذين القسمين ـ .

أما في الأمر الثالث، فالربح أحياناً يكون كثيراً وأحياناً يكون قليلاً وأحياناً يكون متوسطاً.

والإسلام جعل في هذه الصورة الربح بينهما (بالمضاربة) ليكون الربح بينهما بالنسبة، وهو أفضل من أخذ نسبة ثابتة، قد تكون إجحافاً بحق العامل وقد تكون إجحافاً بحق المالك.

قال: وكيف ذلك؟

قلت: قد يربح الألف مائة، وقد يربح خمسين، وقد يربح ألفاً ـ مثلاً ـ :

1 ـ فإذا ربح مائة، وأخذ المالك مائة، كان ظلماً، لأن العامل خسر العمل.

2 ـ وإذا ربح خمسين، وأخذ المالك مائة، كان ظلماً مكرراً، لأن العامل خسر العمل، وخسر خمسين.

3 ـ وإذا ربح ألفاً وأخذ المالك مائة، كان إجحافاً بحق المالك، لأن نسبة العمل إلى المال نسبة النصف، أو الثلث، أو ما أشبه، حسب الموازين العقلانية، فبأي حق يحرم المالك من الربح الذي هو مستحقه إلى ربح أقل؟

قال: إذاً فما هو العلاج؟ وهل تقول بإلغاء البنوك، والحال أن عليها يبنى الاقتصاد في العصر الحاضر؟

قلت: كلا، لا أقول بإلغاء البنوك، بل أقول بتعديل البنوك.

قال: وكيف ذلك؟

قلت: يلزم أن يُقسم البنك إلى قسمين: (مع قطع النظر عن سائر أعمال البنك).

الأول: قسم الإقراض والاقتراض، فمن كان داعيه إلى الاقتراض الحاجة، أعطاه البنك المال بلا فائدة. ومن كان داعيه عمل الخير والثواب، أودع البنك أمواله ـ (أقرض البنك) ـ بلا أخذ فائدة (وبهذا العمل يكون البنك، والخيرون من الناس، أخذوا على عاتقهم أمراً إنسانياً بمساعدة المحتاجين، وترفيع مستوى المعيشة للفقراء والمعوزين).

الثاني: قسم الاسترباح:

1 ـ فإذا أقرض البنك المال لأجل الاسترباح، أقرضه مضاربة.

2 ـ وإذا أقرض إنسان للبنك مالاً لأجل استرباح البنك، اقترض البنك المالَ مضاربة.

قال: المضاربة أيضاً باطلة، لأن معنى ذلك أن يعمل العامل ويكون ربحه في كيس أصحاب الأموال. مثلاً، إنسان يملك مليون ديناراً، ويعطيه للبنك مضاربة، ويربح المال نصف مليون، وقد شغّل البنك مائة عامل لأجل استرباح هذا المليون، فإنه يكون لمائة عامل كدحوا ليل نهار، ربع مليون (نصف الربح فرضاً) ويكون للمالك، ربع مليون، وهو لم يعمل شيئاً، وهل هذا إلا سرقة لكدح العمال، تحت ستار الشرعية والقانون؟

قلت: هذا مبني على مسألة الرأسمالية والاشتراكية والاقتصاد الإسلامي، وسنذكر في فصل لاحق أن (الإسلامية) خير من (الرأسمالية) و(الاشتراكية). والمضاربة المبنية على الاقتصاد الإسلامي ليست سرقة، وإنما هي ضرورية لتقديم البلاد إلى الأمام، وتعميق الحضارة والمدنية.

قال: إذا لم يأخذ البنك الربا فمن أين يعطي أجور العمال؟

قلت: يعطي أجور العمال من الأرباح التي يحصلها من تجاراته ومن مضارباته.

هذا مع الغض في أنه يلزم على الحكومة الإسلامية القيام بهذا المشروع فتعطي هي أجور العمال من بيت المال، كسائر مصالح الدولة.

وقد اقترحت أنا ـ في زمان عبد الكريم وعبد السلام ـ أن تخصص الحكومة كمية من الملايين للبنوك لأجل حاجات الناس، بدون أخذ فائدة منهم، حتى من التجار الذين يستقرضون من البنك لأجل الاسترباح، ويكون ذلك من قبيل تخصيص الحكومة أموالاً لأجل الصحة، ولأجل العلم، ولأجل البلدية، وغيرها. فالمحتاجون يستفيدون من المال في سدّ حاجاتهم التي يجب على الدولة القيام بها والتجار يستفيدون من المال لأجل توسعة الأعمال وجلب الأرزاق وتقديم البلاد إلى الأمام. فيكون إقراضهم من الحكومة مساهمة في تقديم الحضارة، ويعمّ الرفاه.. وتكون أجور عمال البنوك على الدولة، كما أن أجر عمال الصحة والمدرسين أو غيرهم من سائر الموظفين تكون على الدولة.

قال: وما دام لم تكن مثل هذه البنوك الإسلامية فما هو تكليف الناس مع هذه البنوك؟

قلت: البنوك الحالية فيها حلال، وفيها حرام، وقد قال الإمام (عليه السلام): (كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف إنه حرام بعينه).

1 ـ فالمعاملة مع البنوك، ما ليس فيها إعطاء الربا ولا أخذ الربا، جائزة لا إشكال فيها.

2 ـ أما المعاملة التي فيها الربا أخذاً أو عطاءً، فإن تمكن الاجتناب، كان أفضل، وإن لم يتمكن الاجتناب، ولم يقصد بالأخذ والعطاء الربا. فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:

(وإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) بأن ينوي في إعطائه (الهبة) وفي أخذه (مجهول المالك) مع إجازة من حاكم شرعي.

وإنما نلجأ إلى هذه الطريقة لأن المجتمع في حالة اضطرار إلى أن يتعامل بكل أنواع التعامل مع البنوك، فهو مضطر إلى أخذ المال من البنك، والبنك لا يعطي إلا بالربا.. كما أنه مضطر إلى إعطاء المال إلى البنك وإذا أعطى البنك بزيادة، لم ينتفع إن لم يأخذ الزيادة، إذ الزيادة تسجل على كل حال، وتذهب في كيس الموظف المسؤول.

قال: وإذا ألغينا الربا عن البنك، فهل يصلح البنك؟

قلت: هناك أيضاً أعـــمال أخر تزاولهـــا البنوك، من حوالـــة، وكفالة وغيرهما، فاللازم ملاحظة انطباقها مع الأحكام الإسلامية(1).

 

1 ـ كتبت رسالة خاصة حول البنك باسم (البنك الإسلامي).