الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

خطط اقتصادية

كان المعروف في العراق قبل حكم (عبد السلام عارف) أن الإسلام ليس رأسمالياً ولا اشتراكياً.

ولما جاء عارف إلى الحكم، اتصل بعبد الناصر، وغرّه الأخير أن يعلن الاشتراكية في العراق. ولما كان عارف بنفسه ضد الاشتراكية قبل ذلك، فقد أثار تطبيقه الاشتراكية (وإن كان تطبيقاً بالاسم فقط) موجة من الانتقاد إليه.

فاضطر أن يبرر موقفه لدى المتدينين بدعوى أن الإسلام اشتراكي.

وقد ذهب وفد من علماء السنّة لمقابلته، لأجل الاحتجاج معه حول الاشتراكية، وكان بعض أعضاء الوفد من حزب الإخوان المسلمين، ولما أن أكثروا في نقده، قال عارف: ما تقولون في (الإخوان) ؟ فأثنوا عليهم، فأخرج عارف كتاب أحد زعماء الإخوان الذي كتبه حول (إن الإسلام اشتراكي).

وهكذا انسحب السنة من الميدان.. لكن الشيعة بقوا على موقفهم من اللقاءات بأن الإسلام ليس باشتراكي، ولا رأسمالي

وفي هذا الوقت، جاءني وفد من بغداد، من المثقفين عرّفوا أنفسهم بأنهم ذوو ميول إسلامية، وأن بعضهم داخل في بعض الأحزاب الإسلامية، يستطلعون مني رأي الشيعة حول (الاشتراكية) و(الإصلاح الزراعي) و(التأميم)؟ وقالوا: إنا إذا طبقنا الإسلام يكون اللازم علينا إبقاء رأس المال، والإقطاع، أم الإسلام يأمر ضد الإقطاع ورأس المال؟

قلت: الإسلام لا يعترف لا بالرأسمالية، ولا بالإقطاع، ولا بالتأميم، ولا بالاشتراكية، ولا بالإصلاح الزراعي.

قالوا: فالإسلام يعترف بالمتناقضات؟

قلت: بل الإسلام له منهج خاص في الاقتصاد، كما أن له منهجاً خاصاً في النظرة إلى الكون والحياة ومنهجاً خاصاً في السياسة، إلى غيرها.

قالوا: فكيف أن الإسلام ليس باشتراكي ولا برأسمالي؟

قلت: إن الرأسمالية لها مفسدتان هما:

(الأولى) استغلال التجار رؤوس الأموال لأكل أموال الناس بالباطل مثل الاحتكار والربا والغش والتلاعب بالسياسة والتحكّم في الأسواق وما إلى ذلك.

(الثانية) الفقر المدقع الذي ينشأ من تكدس الأموال في ناحية رأس المال، فيعاني كثير من الناس من الفقر كما قال علي (عليه السلام): (ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيع).

والإسلام قد عالج الأمرين:

أما الأمر الأول، فقد حرم كل تلك الأمور الناشئة من تضخم رأس المال، فلا يحق للثري الربا، ولا الاحتكار، ولا الغش ولا التلاعب بالسياسة ولا التحكم في الأسواق.. ومن أراد ذلك فحاله حال المجرم الذي يجب أن يُجري عليه العقاب.

وأما الأمر الثاني، فالإسلام قد عالج الفقر، وذلك لأن بيت المال كفيل بدفع الحاجات كلها، فلا تبقى حاجة معطلة، ولا يبقى فقير يعاني الجوع والحرمان.

قالوا: يبقى بعد ذلك سؤال أنه كيف تسدّ الدولة كل تلك الاحتياجات؟

قلت: من موارد نفس الدولة، التي هي عبارة عن:

1ـ الخمس: أي عشرين في المائة من الأرباح، وغيرها.

2 ـ الزكاة: أي اثنين ونصف في المائة ـ تقريباً ـ .

3 ـ الجزية: من الأقليات غير المسلمة.

4 ـ الخراج: أي موارد الدولة من الأراضي.

5 ـ ما تحصله الدولة من تجاراتها وخدماتها، كالمواصلات ونحوها.

قالوا: لا خُمس الآن في وقتنا الحاضر، فإن الخمس خاص بغنائم دار الحرب.

قلت: إن الشيعة يرون أن الخمس يتعلق بالأرباح، بالإضافة إلى غنائم دار الحرب، كما أن الشيعة يرون الخمس في (الكنز) و(المعدن) و(العوض) وغيرها.

قالوا: هذا قانون حسن قابل للتطبيق في هذا الزمان.

قلت: نعم، إن الإسلام كله حسن.

قالوا: نسلّم أن الدولة تكفل الحاجات والمحتاجين، ولا تترك رأس المال يطغى، لكن يبقى سؤالان؟

قلت: وما هما؟

قالوا: (الأول): أنه أليس خيراً أن يمنع رأس المال (بتاتاً)، لأنه في الحقيقة سرقة لأموال الفقراء لتزيد في أموال الأغنياء؟

(الثاني): لنفرض أنه لم تكف أموال الدولة لسدّ الحاجات كلها فمن أين تأتي الدولة ببقية المال لسد الحاجات؟

قلت: أما السؤال الأول، فنقول في جوابه:

لابد من رأس المال في البلد إما في يد الدولة ـ كما في الحكومات الشيوعية والرأسمالية (في الجملة) ـ وإما في يد التجار، ويكون رأس المال في يد التجار خيراً من أن يكون في يد الدولة.

قالوا: لماذا لابد من رأس المال؟

قلت: لأن الحاجة إلى السلاح والمصانع والجيش والتعليم والصحة وغيرها توجب أموالاً مكدسة كثيرة، ولذا ترى الأموال في الدول الشيوعية ونحوها بيد الدولة، وفي الدول الرأسمالية الأموال بيد التجار ـ غالباً ـ.

قالوا: حسناً، ولكن لماذا قلت إن كون المال بيد التجار خير من أن يكون بيد الدولة؟

قلت: ذلك واضح حيث إن الأموال إذا كانت بيد التجار استفادت الدولة والشعب منها، وإذا أراد التاجر الطغيان، كانت الدولة راغمة له إلى التراجع، أما إذا كانت الأموال بيد الدولة وطغت الدولة، فمن ذا الذي يرغمها ويكبح جماحها؟

قالوا: الشعب.

قلت: يعني بالثورات والانقلابات، وذلك أسوأ العلاج.

قالوا: لكن الدولة أعرف وأقدر على تنمية رأس المال وتكثيره؟

قلت: بالعكس:

1 ـ لأن مهام الدولة الكثيرة تجعلها أعجز من التنمية من التاجر الذي لا هَمّ له إلا التنمية.

2 ـ والتاجر حيث إنه يركض لنفسه يكون أحرص على المال من الدولة التي لا تتمكن إلا من جعل الموظفين للمهمات التجارية، والموظف لا يهتم مثل اهتمام التاجر، لأنه حيث يعلم أن راتبه يأتيه لم يكن له دافع يدفعه للحرص والاستزادة.

قالوا: إذاً أنت تبرر سرقة التجّار؟

قلت: وأين السرقة؟

قالوا: إن التاجر الذي له ألف دينار، إذا استعمل ألف عامل، فصار ماله ألفين، كان معنى ذلك أن ألف عامل ركضوا حتى حصلوا هذا المال، لكنه تسرّب إلى كيس التاجر، فالتعب من غير التاجر، والربح في كيس التاجر، أليس هذا سرقة تحت حماية القانون؟

قلت: الشيوعية والاشتراكية نفس الشيء، لأن العامل تعب، والفائدة ذهبت إلى كيس الدولة.

قالوا: كلا، فإن الدولة تصرف المال في المصالح العامة.

قلت: والتاجر ـ بالآخرة ـ يُصرف ماله في المصالح العامة.

قالوا: وكيف ذلك؟

قلت: إذا حصل ألف عامل على ألفي دينار وكانوا تحت إشراف الدولة كان ألف من ربحهم للدولة، وإن كانوا تحت إشراف التاجر كان ألف من ربحهم للتاجر، فعلى أيّ تقدير أخذ نصف ربحهم ـ لكن هذا الأخذ ليس بسرقة ـ إذ أنه أخذ ليعود إلى المجتمع بالفائدة.

وفي كلا الحالين يستفيد المجتمع من هذا النصف الذي أخذته الدولة أو التاجر، أما إذا أخذته الدولة فإنها تصرفه في المصالح العامة، وأما إذا أخذها التاجر، فإن (قانون الخمس والزكاة ونحوهما) يستنفد قسماً، كما أن الاتجار بالقسم الآخر، يعود على المجتمع بالفائدة ـ كما كانت تفعله الدولة ـ.

قالوا: إذاً لا فرق بين الرأسمالية والاشتراكية بالنتيجة؟

قلت: نعم فرق كبير، وهو ما ألمحت إليه سابقاً من أن الرأسمالية:

1 ـ إنتاج أحسن.

2 ـ وربح أكبر.

3 ـ ورقابة من الحكومة تمنعها من الظلم.

4 ـ بالإضافة إلى أن فيها إطلاق الحريات، التي هي منتهى أمنية البشر.

وبالعكس من كل ذلك في الشيوعية والاشتراكية.

قالوا: فالإسلام إذاً بنظرك رأسمالي؟

قلت: بل ذكرت أولاً، أن الإسلام ليس رأسمالياً، ولا اشتراكياً، بل له اقتصاد مستقل قد جمع فوائد الاشتراكية وفوائد الرأسمالية، ولم يكن فيه ضرر أي منهما.

قالوا: حسناً، فماذا ترى في تشريك العمال مع أصحاب الأموال في المعامل وما أشبهها؟

قلت: إذا كان برضى الطرفين جاز، وإلا لم يجز، لأن الإسلام يقول: (الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم).

قالوا: وما تقول في نقابات العمال؟

قلت: هو نوع تعاون يأمر الإسلام به، على شرط أن يكون في النطاق الإسلامي.

قالوا: وإذا لم نشرك العمال في الأرباح، خفنا من طغيان الشيوعية؟

قلت: (أولاً): إن عملكم هذا هو نوع من الشيوعية.

(ثانياً): إن الشيوعية إنما تطغى في بلد الحرمان، وإذا طبّقنا منهاج الإسلام في سدّ كل الحاجات، ودفع كل احتياجات المحتاجين بالمناهج السلمية، لم يبق مجال للشيوعية ولا للاشتراكية.

قالوا: بقي عليك السؤال الثاني حول أنه إذا لم تكف أموال الدولة بسدّ الحاجات، فمن أين تأتي الدولة ببقية ما تحتاج إليه من الأموال لسدّ المصالح العامة؟

قلت: إن الدولة الإسلامية ليست مرهقة بالموظفين والروتين ونحوهما، ولذا فأموال قليلة تكفيها، ثم إن الدولة يلزم عليها أن تفكر في موارد استرباحية، حتى لا تمد يدها إلى أموال الناس.

ولو فرضنا حالة الأزمات والحروب، فعلى الدولة أن تقترض، وإذا لم يمكن القرض كان على المسلمين كلاً إعانة الدولة. قال تعالى (جاهدوا بأموالكم وأنفسكم) فالجهاد بالمال واجب شرعي إبان الحروب ونحوها من الأخطار التي تتوجه إلى الدولة الإسلامية.

قالوا: ولماذا لا تجعل الدولة ضرائب إضافية، لسدّ حاجاتها؟

قلت: لأن الإسلام احترم أموال الناس، ولا يحق للدولة أن تأخذ أكثر من الحقوق المقررة في الإسلام.

قالوا: حسناً، فإذا عرّفنا أن الإسلام ليس برأسمالي ولا اشتراكي، فهل يعترف الإسلام بالتأميم؟

قلت: إنه بند من بنود الاشتراكية، والإسلام لا يعترف بها.

قالوا: ما ذكرناه كان في حقل التجارة والصناعة، وما إليهما، أما في حقل الزراعة، فهل الإسلام (إقطاعي) أو (إصلاحي) يعترف بالإصلاح الزراعي؟

قلت: لا ذا، ولا ذاك.

قالوا: وكيف، وهل يمكن أن يكون شيئاً ثالثاً؟

قلت: نعم.. (فالإقطاع) ـ في الاصطلاح الحديث ـ عبارة عن استيلاء المالك على الأراضي بمختلف الوسائل الممكنة، حتى غير المشروعة، ويظلم الفلاحين، ويستهتر بدمائهم وأموالهم وأعراضهم. و(الإصلاح) عبارة عن أخذ أراضي الملاك، ولو لم يكن ظالماً، ولو كان قد حصل على الأراضي بالطرق المشروعة.. وكلاهما باطل في نظر الإسلام.

قالوا: فما هو الصحيح؟

قلت: كل من حصل على أرض بالطريق المشروع، كالشراء أو الإرث، أو التعمير (في الأراضي المباحة لمن عمرها وزرعها) فالأرض تكون له، مهما كانت كبيرة.. ثم اللازم عليه أن لا يظلم الفلاح، ولا يستهتر بماله، وعرضه ودمه، ويكون الفلاح عنده أجيراً ـ برضى الطرفين ـ .

وهذا هو الطريق المشروع في الإسلام.

قالوا: لابد وأن يظلم الإقطاعي الفلاحين.

قلت: إذا كانت الدولة مسلمة، تحول دون ذلك.

قالوا: والغالب أن الإقطاعي يحصل على الأرض بكل طريق مشروع وغير مشروع.

قلت: الدولة المسلمة تحول دون ذلك.

قالوا: فبأي حق يعمل الفلاح، ويتسرّب ربحه إلى كيس الإقطاعي؟

قلت: قد تقدم في (رأس المال) أن الزائد من ربح العامل إما أن يتسرّب إلى كيس الدولة، وإما إلى كيس المالك، والثاني أفضل، وتكون النتيجة عائدة إلى صالح الاجتماع.

قالوا: أليس توزيع الأرض على الفلاحين أفضل؟

قلت: كلا، بل أسوأ.

قالوا: ولم؟

قلت: (أولاً): لأن مثل هذه التجربة فشلت، لا في العراق فحسب، بل في كل بلدان العالم، حتى في روسيا زعيمة الشيوعية العالمية ـ كما اعترف بذلك زعماؤهم ـ وقد تراجعت بعض الدول عن هذه الخطة إلى الإقطاعية.

(وثانياً): لأن الملاكين أعرف بإدارة الأرض من الفلاح، ومن الدولة، مما يوجب استثمار الأرض بطريق أفضل.

(وثالثاً): إذا تريد الدولة خدمة الفلاحين، فمن الأفضل أن تهيئ الأراضي البائرة، وما أكثرها في بلادنا أو في كل بلاد العالم ـ إلا نادراً ـ وتقسمها بين الفلاحين، وتزرع بذلك كل الأرض، عوض أن تترك الدولة الأراضي البائرة على حالها، ثم تقسم الأراضي العامرة على الفلاحين، فإن ذلك يوجب بور الأراضي العامرة أيضاً.

قالوا: وهل تزعم أن روسيا والدولة الشيوعية أخطأت في الإصلاح الزراعي؟

قلت: نعم أخطأت، ولذا تراجعت بعض الشيء، وتراجعت بعض البلاد الأخر كل التراجع.

قالوا: فأنت ترى أن نظام الزراعة في أمريكا والبلاد الرأسمالية أحسن.

قلت: إن كان نظام الزراعة في أمريكا والبلاد الرأسمالية، نظام الإقطاع ـ بالمفهوم الحالي، المستلزم لاغتصاب الملاك الأراضي، وظلم الملاك للفلاحين ـ فهو باطل وضار أيضاً.. وإن كان النظام كما ذكرناه في النظام الزراعي في الإسلام، فهو صحيح وليس يهمني أن تكون روسيا أو أمريكا على حق أو على باطل، وإنما يهمني أن نظام الزراعة في الإسلام هو خير نظام.

وقد كثر الكلام حول المواضيع والنقاش مع الوفد، وما ذكرته هو حاصل تلك المناقشات.. وبعد انصرافهم أخبرني بعض الأصدقاء أن بعض الوفد كان من (المباحث) قلت له وأنا أفرح بذلك حيث أريد أن تعرف الحكومة وجهة نظر الإسلام عندنا.