الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

العقوبات الإسلامية

إذا ذكر حكم الإسلام، قفزت إلى الأذهان عقوبات الإسلام، ولذا تراهم يقولون: (حكم الإسلام غير حسن، لأنه يقطع اليد، ويشنق، ويجلد، ويخاف الكل منه) أو يقولون: (وإن البلد الفلاني يحكم طبق الإسلام، يقطع يد السارق، ويجلد الزاني..) أو ما أشبه ذلك.

وهذا شيء عمله المستعمر ليل نهار، وجنّد له كل قواه، حتى انطلت الحيلة على المسلمين بأنفسهم، بالإضافة إلى أن المستعمر خوّف الغرب والشرق من رجوع أو إقامة الإسلام من جديد، فإنه وحشية وهدر للكرامة الإنسانية. وبذلك أخذ المسلمون وغير المسلمين يعملون تلقائياً لعدم رجوع الإسلام إلى الحياة.

لقد جاءني ذات مرة متصرف ـ في عهد عبد الكريم قاسم ـ وقال لي متبجحاً، أرأيت كيف طبّقت حكم الإسلام؟ قلت: وكيف؟ قال: شنقت أربعة لصوص، قلت: وهل شنق اللص من الإسلام؟ قال: بلى. قلت: في أية آية من القرآن حكم شنق اللص؟ فلم يجد جواباً، ثم أردف أن حكم الإسلام في اللص إذا توفرت الشروط أن تقطع أصابع يده، فحسب.

ذكرت هذه القصة كشاهد على أن الأذهان تتوجّه إلى الشدة والقسوة إذا ذكر حكم الإسلام، كأن الإسلام ليس فيه إلا بعض أحكام خاصة بالمجرمين، وهي أحكام لا تلائم هذا العصر.

ولنبدأ الكلام من جديد!

الإسلام له جوانب متعددة نذكر منها:

1 ـ جانب العقيدة، هي أنظف العقائد.

2 ـ جانب العبادة، هي أقرب العبادات إلى العقل.

3 ـ جانب الأحكام، هي أكثر الأحكام قرباً إلى المنطق.

4 ـ جانب الأخلاق والآداب، هي أجلّ أخلاق وآداب عرفها البشر إلى اليوم.

5 ـ جانب الحضارة والمدنية، هي خير ما وصل إليه الإنسان، أو يتصور أن يصل إليه في المستقبل، فالصحارى في الإسلام مزروعة والأنهار جارية، حيث لا ترى حتى شبراً خالياً من الأرض والبــلد جميل ونظيف، والناس ذوو أخلاق حسنة ومعاملات مستقيمة، والعدالة فاشــية بين الناس، وليس هناك فقير واحد، ولا جاهل واحد، والمرض أقل من القليل، والإنصاف سمة الكل، والعمران ضارب بأجرانه، والروتين لا وجود له، والتعاون طابع الجميع، والكل أحرار فيما يفعلون، ولا سجون ولا مشانق ولا جلادين، والإجرام قليل جداً حتى لا يكاد يذكر، والأرزاق كثيرة، والأسعار منخفضة، لا أحد إلا ويملك لا أقل من حدٍ متوسطٍ من العيش من دار وسيارة وأثاث وما أشبه، والغنى سمة الكثيرين، ولا عوانس ولا عزاب ولا يكون بلد أو أمة تفوقهم في العلم والصناعة، والبلاد قوية إلى حد أنه لا يفكّرون أعداؤهم في منازلتهم، والنفوس طيبة ذكية، ولا قيود على التجارة أو الزراعة أو الصناعة أو الصحافة أو العمارة أو غيرها، وكل مسلم مواطن، فلا جنسية ولا جواز ولا هوية، والكل كأسنان المشط، لا فرق بين عربيهم وغير عربيهم ولا بين أبيضهم وأسودهم إلا بالتقوى، والمؤسسات الخيرية منتشرة في طول البلاد وعرضها، والمساجد عامرة بالمصلين والتالين، والقلوب عامرة بالإيمان والتقوى، لا يظلم المالك العامل، ولا يثور العامل على المالك، والموظفون قليلون، بقدر الحاجة والضرورة، بدون أن يكون لهم حجاب أو بوّاب، والحكم استشاري مع توفر شروط العدالة والفقه، وفهم الحياة من قِبَل الحكّام، وكبيرهم يرحم صغيرهم، وصغيرهم يوقر كبيرهم، وكلهم يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، و... و... و...

فإذا رأيت أمة هذا شأنها، أو دخلت بلداً كان كذلك، فاعلم أنها أمة إسلامية، وذلك بلد إسلامي. وفي أي بلد أو أية أمة نقص بند من هذه البنود، فاعلم أن الأمة لم يكمل إسلامها، وأن البلد لم يطبق فيه الإسلام.

6 ـ جانب العقوبات والجرائم:

وهذا الجانب هو المقصود بالبحث هنا، فنقول إن الإسلام يمتاز ـ في هذا الجانب ـ بأمور:

1 ـ إن ما يعدّه القانون جريمة كثيراً ما هو ليس بجريمة في نظر الإسلام. ولذا فالإسلام لا يعترف بأكثر ما يسمى في القانون بالجرائم، ومن لاحظ كتاب الحدود والقصاص والديات في الإسلام، ثم لاحظ كتب القانون يلمس الفرق الشاسع بين الأمرين حتى أن الجرائم في الإسلام أقل من الثلث، بل الربع، من الجرائم القانونية.

مثلاً الإنسان الذي لا جواز له، أو ليست له إقامة، ليس بمجرم في الإسلام، والقانون يراه مجرماً.

والإنسان الذي دخل البلاد بدون رخصة أو بدون (دعوة) ليس بمجرم في الإسلام، والقانون يراه مجرماً. والإنسان الذي عمّر بدون رخصة من البلدية، ليس بمجرم في الإسلام، والقانون يراه مجرماً.

والإنسان الذي أتجر بماله، بدون إجازة من وزارة التجارة، ليس بمجرم في الإسلام، والقانون يراه مجرماً، إلى غيرها... وغيرها...

2 ـ إن الإسلام لا يسجن إلا نادراً، كما يشهد بذلك مراجعة كتاب الحدود وغيره، ولذا لم يكن السجن في الزمان الإسلامي إلا لبضع أشخاص قد لا يعدون إلا بالأصابع.

3 ـ إن الإسلام لا يعترف بالتغريم، إلا إذا كانت الجناية على النفس أو المال، وما يسميه الإسلام الدية أو الضمان.

4 ـ لا تعذيب في الإسلام، لأجل أخذ الاعتراف ممن يشتبه به أنه مجرم أم لا.

5 ـ لا قتل في الإسلام إلا نادراً، حتى في مواد تشريع الإسلام القتل، جعل الإسلام للقتل بدلاً على الأغلب. مثلاً القاتل عمداً، جعل الإسلام له القتل، لكن أجاز الإسلام أن يأخذ ولي المقتول الدية عوض أن يقتل القاتل.. وكذا جعل الإسلام جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً، القتل، لكن الإسلام جعل بدل ذلك النفي من البلد (أو ينفوا من الأرض).

6 ـ جعل الإسلام التوبة في بعض الجرائم مسقطة للعقوبة.

7 ـ لا أعمال شاقة في الإسلام بالنسبة إلى أي مجرم.

8 ـ الإسلام لا يقرر العقوبة إلا بعد تنظيف المجتمع، ففي عام المجاعة لا يعاقب السارق لقوته وقوت عياله، وهكذا.

9 ـ لا يطبق الإسلام العقوبة إلا على العالم بالتحريم المختار في الفعل، فالجاهل والمكره، والمضطر، والناسي، والغافل، ونحوهم، لا عقوبة عليهم.

10 ـ جعل الإسلام العقوبة على من لم تكن لديه شبهة، ولم يكن عند القاضي والشاهد شبهة، كما ورد (الحدود تدرأ بالشبهات).

11 ـ يشترط الإسلام في القاضي العدالة التامة، وفي الشاهد العدالة التامة، والتعدد، والرجولة في بعض الأمور.

13 ـ لم يجعل الإسلام العقوبة على من لم يأت بالجريمة، وإن شرع في مقدماتها.

إلى غير ذلك، مما يعرف تفصيله من المقارنة بين القانون الإسلامي في الجرائم، وبين القانون غير الإسلامي في الجرائم. وبالعكس من كل ذلك، القانون:

1 ـ فإنه يعدّ كثيراً من الأشياء جريمة، وهي ليست بجريمة واقعاً.

2 ـ ويسجن كثيراً، وليس السجين مستحقاً للسجن.

3 ـ ويُغرم من يراه مجرماً، في كثير من الأحيان، والحال أن تغريمه باطل.

4 ـ ويعذّب من اشتبه به، والحال أنه لا تعذيب على المجرم، فكيف بالبريء المشتبه؟!

5 ـ وقد جعل القانون عقوبة القتل على كثير مما يعتبره جرائم، وذلك إراقة للدماء بلا مبرّر.

6 ـ ولا يعترف القانون بكون التوبة مسقطة للعقوبة في أي لون من الجرائم.

7 ـ ويقرر القانون الأعمال الشاقة، عقوبة لبعض ما يراه جريمة.

8 ـ والقانون لا يلاحظ حالة المجتمع في إقراره العقوبات، فالعقوبة واردة، في المجتمع الموبوء، كما هي واردة في المجتمع النظيف. بل فوق ذلك تناقض هائل في القانون، فبينما يجيز القانون فتح المواخير والمخامر والسينمات المنافية للعفة والأخلاق، و. و. يقرر القانون العقوبات لمرتكبي الجرائم الناشئة من تلك المفاسد، فالسكران إذا قتل إنساناً، عوقب على قتله، والحال أنه لا يشعر عند القتل، إلى غير ذلك من الأمثلة.

9 ـ والقانون يعاقب الجاهل بالقانون، والمكره، والمضطر، والغافل، ونحوهم.

10 ـ والقانون لا يعترف، برفع العقوبات، في مورد الشبهات.

11 ـ والقانون لا يشترط في القاضي ولا الشاهد، العدالة، كما لا يشترط التعدد في الشاهد ـ غالباً ـ.

12 ـ والقانون يجعل العقوبة حتى لمن لم يأت بالجريمة، إذا شرع في مقدماتها.

إلى غير ذلك.. وغير ذلك..

إذاً فأي القانونين، الإسلامي، أو البشري، أحق بالاتباع، وأبعد عن التوحش، وأنسب إلى الكرامة الإنسانية، وأضمن للرفاه والعدالة الاجتماعية؟

وبعدما عرفت هذه المقدمة، في المقارنة بين القانونين الإسلامي والبشري، نأتي إلى الحوار الذي جرى بيني وبين لفيف من المثقفين ـ في أوقات متعددة ـ أدمجها بصورة حوار واحد، وذلك حول إنسانية قانون العقوبات الإسلامية.

قال أحدهم: ألا تعترف بأن قوانين الإسلام في باب العقوبات لا تصلح لهذا الزمان؟

قلت: ولماذا لا تصلح؟

قال: (بلا مؤاخذة) هي قوانين وحشية، تصلح للعصور البدائية، لا عصور العلم والحضارة.

قلت: فما هي هذه القوانين التي تسمّيها بالوحشية، ولا تصلح ـ بنظرك ـ لهذا العصر؟

قال: كل قوانين العقوبات؟

قلت: وهل تعرف كل قوانين الإسلام في باب العقوبات؟

قال: لا وإنما أعرف بعضها.

قلت: فكيف تقول: كل قوانين العقوبات غير صالحة؟

قال: أقصد بعض القوانين.

قلت: وما هي؟

قال: قانون قطع يد السارق، وقانون جلد الزاني، وقانون القصاص، وقانون قتل اللاطي، وقانون ضرب شارب الخمر، وقانون رجم المحصن إذا زنى أو زنت.

قلت: وهل من قانون آخر تراه غير ملائم لهذا العصر؟

قال: لا أذكر الآن..

قلت: فلنجعل الحوار حول قانون مما ذكرت.

قال: حسناً، أليس سجن السارق ـ كما يقرره القانون الحديث ـ أفضل من قطع يده، كما قرره الإسلام؟

قلت: وهل تعرف أن الإسلام اشترط لقطع يد السارق زهاء عشرين شرطاً؟

قال: لا، وما هي تلك الشروط؟

قلت: مذكورة في الفقه الإسلامي.

قال: فلتكن تلك الشروط، فلا يغيِّر ذلك جوهر القضية.

قلت: نعم.. يتغيّر جوهر القضية.

قال: وكيف؟

قلت: في الفلسفة يقولون: (كلّ ما زاد قيوده قلّ وجوده).

قال: ماذا تعني؟

قلت: مثلاً، إذا قيل لك اشتر لي بقرة، انطبقت البقرة على كل فرد من أفرادها، أما إذا قيل لك اشتر بقرة، ذكراً، أصفر، عمره ثلاث سنوات، سميناً، لا يسقي الحرث، ولا يكرب، قد ربّى في نعمة، ومالكه رجل ثري.. وهكذا، تكون هذه القيود مما يوجب انحصار البقرة المقصودة، في عدة بقرات، من ملايين الأبقار، فحيث زادت القيود، قل الوجود.

قال: حسناً، فما ربط هذا الكلام بموضوع البحث؟

قلت: لما اشترط الإسلام في قطع يد السارق زهاء عشرين شرطاً، كان معنى ذلك أن السارق الذي تقطع يده، ليس في أكبر قطر، إلا بضع أشخاص، لا يتجاوزون عدد الأصابع.

ولذا ذكر المؤرخون أن الإسلام لم يقطّع يد السارق، في طيلة قرنين من الزمان، إلاّ ست مرات فقط، مع العلم بسعة الرقعة الإسلامية.

إذاً فالأيادي التي تقطع قليلة جداً. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الإسلام حيث ينظف المجتمع ويؤمن حاجاته، ويشحنه بالإيمان بالله واليوم الآخر، ويملأ النفوس بالكرامة الإنسانية، يختفي أكبر قدر من السرقة تلقائياً.

قال: حسناً، لكن هل هناك أيادٍ تقطع للسرقة؟

قلت: نعم.

قال: لكن هذا لا يلائم العصر.

قلت: بالعكس إنه أفضل حلّ يلائم العصر.

قال: وكيف؟

قلت:

1 ـ إذا كان المجتمع مجتمع إيمان وفضيلة.

2 ـ ولم يكن للسارق حاجة ـ حسب ما تقدم ـ فالأمر دائر بين:

1 ـ أن تقطع يد السارق، جزاءً لخرقه الأمن، بدون حاجة وضرورة.

ب ـ أو أن يفعل به غير ذلك، من تغريم أو سجن والأول أفضل.

قال: وكيف الأول أفضل؟

قلت: لأن في قطع يده:

1 ـ جزاء إهانته كرامة نفسه.

2 ـ جزاء خرقه المجتمع الآمن.

3 ـ ردعه، وردع الآخرين عن السرقة.

أما لو سجن:

1 ـ فإن السجن، ليس رادعاً، ولذا نرى الكثيرين من السرّاق يسجنون، ثم يخرجون من السجون ليسرقوا ثانياً، وثالثاً، وهكذا.

2 ـ ولا يكون السجن مرهباً لآخرين تسول أنفسهم للسرقة، فإن النفوس كثيراً ما لا تخاف السجن، بينما تخاف القطع الذي هو مسبّة لها إلى آخر العمر.

3 ـ ولا يكون سجن السارق موجباً لإلقاء الطمأنينة في نفوس المجتمع، إذ حيث لم يكن العقاب رادعاً، فالسرقة متفشية، فلا اطمئنان للمجتمع.

إذاً فالقطع أفضل من السجن، ومن الطبيعي حينئذٍ أن يكون القطع أفضل من التغريم. ففي القطع:

إرجاع الكرامة إلى نفس السارق، لئلا يسرق ثانياً وثالثاً.

وردع لمن تسول له نفسه بالسرقة.

واستتباب للأمن، ونشر الطمأنينة في المجتمع.

ثم أليس القانون يبيح قتل المجرم في حالات؟

فهل يكون القتل أخف من القطع؟ حتى يقال ان القطع وحشية، والقتل ليس وحشية؟

قال: حسناً، فالقطع بهذه الصورة التي ذكرت، ومع توفر هذه الشرائط، هو العلاج الأفضل لكن كيف يجلد الإسلام الزاني؟

قلت: من وظيفة بيت المال أن يزوّج العزّاب المحتاجين بأن يعطيهم المال الكافي لزواجهم، إذا كانوا فقراء، كما أن الدولة الإسلامية تهيئ أجواء الإيمان والفضيلة والتقوى لكل المجتمع.

ففي مثل هذا المجتمع يكون الزنا أبشع جريمة، فاللازم أن يكون له أردع عقاب.

قال: وكيف ذلك؟

قلت: إذا لم يكن المجتمع مشحوناً بأجواء الاستهتار والرذيلة.. وكان بإمكان الزاني النكاح الكريم.. فلم تكن هناك دوافع نفسية أو مالية أو اجتماعية للزنا، ومع ذلك زنى إنسان، فقد خرق الأمن وأضر نفسه فاللازم أن يعاقب عقاباً صارماً.

قال: كيف خرق الأمن؟

قلت: واضح أن الزنا خطر على كل الأعراض.. والزاني لا يفرق عنده بين أن يزني بمرأة مستهترة أو بامرأة شريفة ذات بعل، ولذا يسلب الزاني أمن المجتمع وطمأنينته.

قال: وكيف أضرّ نفسه؟

قلت: لأن الزنا يورث الأمراض ـ كما قرّر في الطب ـ فإن الزنا غالباً يلازم عدم النظافة، وعدم النظافة في قضايا الجنس، يوجب الأمراض الزهرية ونحوها، وهي أمراض بشعة توجب أكبر قدر من الضرر على الزاني والزانية، كما أنها أمراض معدية توجب تلويث الأبرياء ثم إنه كما ذكرنا في (السرقة) عقاب الزاني بالجلد له شروط كثيرة من جملتها أن يشهد على ذلك أربعة شهود عدول رأوا بأم عينهم العمل الجنسي كالميل في المكحلة.

1 ـ ففي مثل هذا الاجتماع النظيف ـ على ما تقدم ـ .

2 ـ مع توفر إمكانية الزواج.

3 ومع ملاحظة أن الزنا يسبب سلب أمن الاجتماع واطمئنانه.

4 ـ وإنه أكبر ضرر على الزاني والزانية.

5 ـ وأكبر ضرر على الاجتماع ـ بالعدوى والمرض من الزانيين إلى سائر الناس ـ.

6 ـ ومع ملاحظة أن عقاب السجن أو التغريم ليس رادعاً.

7 ـ وملاحظة أن الزنا الموجب للعقاب له شروط كثيرة تقلل ممن يشملهم العقاب تقليلاً كبيراً، أقول ـ بعد كل ذلك ـ .

هل يمكن حلّ أفضل من حلّ الجلد بالنسبة إلى الزاني والزانية؟

قال: حسناً، فجلد الزانيين، بهذه الشروط التي ذكرت، وفي مثل المجتمع الإسلامي النظيف، أفضل حل لقطع دابر الفساد وفرض الأمن.

لكن كيف يرجم الإسلامُ المحصَن؟

قلت: إن زنا المحصَن من أبشع الجرائم.

فلنفرض امرأة ذات بعل يشبعها زوجها إشباعاً جنسياً، يصل بها الاستهتار إلى حدّ أن تزني برجل غريب، مع العلم والعمد، في مكان يراها في حالة الزنا ـ كالميل في المكحلة ـ أربعة رجال أجانب، أليست تستحق أن ينزل القانون بها أشد العقوبة حتى تكون عبرة للآخرين، وحتى تلاقي جزاء عملها البشع؟

كل ذلك مع لزوم توفر سائر الشرائط التي ذكرناها في السرقة، وفي الزنا، هنا أيضاً، مما يقلّل من الجريمة، ومن ثبوتها، تقليلاً كبيراً.

قال: هذا صحيح في المرأة الزانية.

فكيف يكون نفس العقاب في الرجل الزاني المحصن؟

قلت: إذا كان الحكم في المرأة أرحم، مع كونها عاطفية، وأقل عقلانية.. فاللازم أن يكون الحكم مثل ذلك في الرجل، الأكثر عقلانية، والأبعد عن العاطفة، بطريق أولى.

قال: حسناً، فلماذا يقتل الإسلام اللوطي؟

قلت: إذا لاحظنا كل الشروط التي ذكرناها، في المجرمين السابقين:

1 ـ لا يكون اللواط إلا استهتاراً بشعاً، يستحق فاعله أشد العقوبة.

يضاف على ذلك:

2 ـ إن اللواط يوجب أفتك الأمراض، كالزهري، والعمى، كما يوجب أكبر ضرر على المجاري.

3 ـ وكذلك يوجب هدم الاجتماع، لأنه يسبب عدم الزواج، والاكتفاء عنه بالطريق الضار.

فلو لم يكن العقاب في مثل ذلك صارماً كان القانون مساعداً لهدم المجتمع، وانتشار المرض والانحراف فيه.

قال: حسناً فلماذا يجلد الإسلام شارب الخمر؟

قلت: لقد ثبت علمياً ما في الخمر من الأضرار الصحية والاجتماعية.. بالإضافة إلى أن الخمر تؤثر في عقب الخمار وذريته، حيث يخلقون ضعفاء الجسم والعقل مشوهين.

أفليس مثل هذه الجريمة، بحق النفس، وبحق المجتمع، وبحق الأولاد، توجب عقاباً شديداً صارماً؟

هذا مع أنه يلزم توفر الشروط السابقة هنا أيضاً:

1 ـ فإن الإسلام يمنع الخمر منعاً قاطعاً.

2 ـ وينظف البلد من الرذيلة.

3 ـ ويشحن المجتمع بالإيمان والفضيلة والتقوى

4 ـ ويشترط شهادة رجلين عادلين في ثبوت الشرب.

5 ـ إلى غيرها من الشرائط المذكورة، في كتاب الحدود.

قال: حسناً، فما هي فلسفة قانون القصاص؟

قلت:

أولاً: الإسلام لا يلزم بالقصاص، وإنما يخيّر ولي المقتول، أو الذي وقع عليه الاعتداء، بين ثلاثة أمور:

1 ـ العفو.

2 ـ أخذ الدية.

3 ـ القصاص.

ثانياً: القصاص لا يكون إلا بعد ما سبق من الشروط.

وحينئذٍ يكون القصاص أفضل الحلول لأمن المجتمع من الاعتداء، فإن من يقطع يد إنسان أو يفقأ عينه، لا يهمه أن يُسجن، أو يعطي شيئاً من المال أما إذا عرف أنه يقابل بالمثل، فتُقطع يده، أو تفقأ عينه، كان جديراً أن يفكر ألف مرة ومرة في العقاب قبل أن يقدم على الاعتداء.

ونلحق بهذا الفصل خاتمة، هي:

إن أكثر الذين يشتكون على عقوبات الإسلام، أو على بعض جوانبه الأخر، إنما يشتكون على ذلك عن جهل بالإسلام ككل. مثلاً انهم يرون (عقوبة الزاني) ويقيسونها بالمجتمعات الحاضرة:

1 ـ التي تكون الأجواء فيها مشحونة بالزنا، وبأسباب الزنا، من الإغراءات، والسفور، والصور الخليعة، والاختلاط والأفلام الجنسية، وغيرها.

2 ـ والتي لا يكون فيها الزواج المبكر.

3 ـ ولا إمكانية للفقير في الزواج.

4 ـ كما أنهم يغفلون عن شرائط ثبوت الزنا من شهادة أربعة رجال عدول.

5 ـ إلى غيرها وغيرها. وعند قياس العقوبة بالمجتمع الحاضر، يقولون إن العقاب وحشي.

مثلهم في ذلك مثل من يرى (عين إنسان قد فقئت) فيقول إنها قبيحة بشعة، ولو رآها في الوجه في مكانها الطبيعي، لكان يقول، إنها جميلة إلى أبعد حدّ.

وكذلك لو قيس العقاب الإسلامي، إلى المجتمع الإسلامي، بكل شروطه ومؤهلاته وإثباتاته، يتغير نظر أولئك إلى العقوبة، ولرأوها أجمل شيء وأفضل حلّ، وكان مثلها مثل العين في محلها الأمثل، وليس كالعين بعد أن تفقأ، وتوضع في طبق، مخلوطة بالدم والجراحة والقيح.