الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

بين الجهل والعلم

هل يُكره الشيء الحسن؟

كلا.

فإنّ الطعام الطيب، واللباس الجميل، وألف شيء حسن لا يُكره، بل يرغب فيه الإنسان.

وهل يُحب الدين؟

كثير من الناس لا يحبونه!

وربما تركوه كلاً أو بعضاً!

فهل ينتج ذلك أن الدين ليس شيئاً حسناً، حيث رغبوا عنه ولم يرغبوا فيه؟

كلا.

فما وجه ذلك؟

الجواب: إن الرغبة في الشيء ليست خاصة بحسنه الذاتي فيُحبّ، وبالسيئ كذلك أي لقبحه الذاتي فيكره، بل يتدخل في الأمر شيء آخر نفسي، فالحسن الذي يعرفه الإنسان يحبه، فإذا لم يعرف حسنه لم يحبه بل ربما كرهه لذلك، وهكذا بالنسبة إلى السيئ الذي لا يعرف الإنسان سوءه فإنه لا يكرهه.

فالأمور أربعة:

الحسن والسيئ، وكل واحد منهما إمّا يُعرف حُسنه وسوؤه، أو لا يعرف فهذه أربعة، وعدم العلم أعم من السلب بأن لا يُعرف مما يسمى بالجهل البسيط، والإيجاب المخالف للواقع بأن يعرف الإنسان ضد الواقع مما يسمى بالجهل المركب على تفصيل مذكور في محله.

وربما اعتبرنا معرفة ضد واقعه أمراً خامساً بأن يعرف الحسن سيئاً أو السيئ حسناً.

وهذا هو السر فيمن لا يرغب في الدين.

فإنّ الجاهل بكون الشيء الفلاني دواء دائه، يكرهه ويتجنبه، مع أنه حسن ومفيد.

والجاهل بكون الشيء الفلاني يضره، إذا اشتهاه رغب فيه وأقدم عليه مع أنه سيئ ومضرّ.

والدين من هذا القبيل، فإنه حسن جميل، لكن ربما أعرض البعض عنه لأنه لا يُعرف حسنه وأنه نافع في الدنيا والآخرة.

والعمل على خلاف الدين قد يقدم عليه الإنسان مع أنه ضار، لعدم معرفته بأنه يضر بآخرته ودنياه من قبلها.

إنّ القاعدة التي ذكرناها من الكبريات الكلية، والدين إيجاباً وسلباً من المصاديق والصغريات الجزئية.

والذي يجهل الحقيقة سواء بالجهل المطلق أي البسيط، أو المركب بتصور الخلاف، فإنه لا يعمل الواقع النافع، ولا يتجنب الحقيقة الضارة، كالمريض الجاهل بفائدة الدواء أو المتصور بكونه ضاراً فلا يستعمله.

قال تعالى: ((أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ))[1].

وقال سبحانه: ((فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ))[2].

وقال تعالى: ((إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ))[3].

وقال تعالى: ((وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الأولى))[4].

وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «إلى الله أشكو من معشر يعيشون جُهّالاً ويموتون ضُلالاً»[5].

وقال (عليه السلام): «العلم ينجيك، والجهل يرديك»[6].

وقال (عليه السلام): «الجهل معدن الشر»[7].

وقال (عليه السلام): «الجهل أدوأ الداء»[8].

من أهم أسباب التخلف

ألف: الجهل

روى السكوني عن جعفر (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن قلوب الجهال تستفزها الأطماع، وترتهنها المنى، وتستعلقها الخدائع»[9]. ومن هنا فإن من مقومات الإصلاح رفع الجهل ونشر الثقافة والوعي.

فإن الجاهل بالمعنيين البسيط والمركب، يحتاج إلى أمرين:

الأول: الرشد الفكري ومعرفة الضار والنافع.

الثاني: يلزم على أخذ النافع المانع من النقيض وترك الضار كذلك مما يعبر عنه بالواجبات والمحرمات.

وإلاّ فكثيراً ما يعصي الإنسان حتى بعد المعرفة، اتباعاً للشيطان والشهوات والنفس الأمارة، كما هو المشاهد على طول التاريخ.

قال تعالى: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون))[10].

وكان من ذلك قصة بلعم بن باعوراء[11] والبطائني[12].

ومن هنا فإن الحكومات تضع قوانين تجبر الناس عليها بحجة رعاية مصالحهم ومصالح بني نوعهم، كقوانين المرور وما أشبه، فالشخص مكلف بالإجراء حتى وإن لم يعرف وجه الصلاح فيها أو تصور عدم صلاحها، كما ترى ذلك في الحكومات الحقّة والباطلة.

 

ب: عدم الوعي

المسلمون اليوم ملياران لكن يفقدون ـ على الأغلب ـ الرشد الفكري اللازم في مختلف مجالات الحياة، وحتى في مسائلهم الشرعية، فكثير منهم لا وعي له بالحلال والحرام، والطاهر والنجس، والصحيح والباطل، ولذا لا يميزون بينها ويأخذون بكلها، فاختلط عندهم الحابل بالنابل[13].

وإلى هذا المعنى قد يشير ما ورد عنهم (عليهم السلام): «من أن الله أخذ قسماً من الحق وقسماً من الباطل فمزجهما»[14] والأخذ تكويني لا تشريعي والله العالم، وذلك بجعل الدنيا دار أسباب ومسببات للامتحان، قال تعالى: ((أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون))[15].

وقال سبحانه: ((أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ))[16].

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، ويتولى عليها رجال رجالاً على غير دين الله، فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى»[17].

وعلى كل حال، فالمسلمون بحاجة إلى أمرين مفقودين عندهما:

أولاً: الوعي.

وثانياً: نوع من الإلزام فيما هو بصالحهم إذا كان بحيث يمنع من النقيض، وكذا في الترك الملزم، فلا يحق لهم العمل على خلاف مصلحتهم إذا كان من الاقتضائيات، والمسألة فيما يرتبط بالأوضاع العامة بحاجة إلى رأي شورى الفقهاء المراجع.

فاللازم الاهتمام بالأمرين، ولو بالقدر الممكن عرفاً.

كما أنّ غير المسلمين كذلك، فإنه يلزم إصلاحهم وإرشادهم إلى ما ينفعهم، فالأول وهو الوعي لكي يسلموا بقناعة تامة، والثاني وهو الإلزام لترك ما يعملونه خلافاً لمصلحة أنفسهم، أو فعل ما يتركونه كذلك، هذا كله مع مراعاة قانون الإلزام ومصاديقه المختلفة.

لذا يمكن التغيير والإصلاح بواسطة جماعة جادة مخلصة تعمل ليل نهار وعلى طول الخط، فـ ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم))[18].

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قرأت في كتاب علي (عليه السلام): إن الله لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال لأن العلم كان قبل الجهل»[19].

وقال عيسى (عليه السلام): «صغر الجهال لجهلهم ولا تطردهم ولكن قربهم وعلمهم»[20].

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «العلم مميت الجهل»[21].

وقال (عليه السلام): «ضادوا الجهل بالعلم»[22].

قصة بلعم بن باعوراء

اجتمع الجبارون إلى بلعم بن باعوراء وهو من ولد لوط (عليه السلام)، فقالوا له: إن موسى قد جاء ليقتلنا ويخرجنا من ديارنا، فادع الله عليهم، وكان بلعم يعرف اسم الله الأعظم.

فقال لهم: كيف أدعو على نبي الله والمؤمنين ومعهم الملائكة!

فراجعوه في ذلك وهو يمتنع عليهم، فأتوا امرأته وأهدوا لها هدية فقبلتها وطلبوا إليها أن تحسن لزوجها أن يدعو على بني إسرائيل.

فقالت له في ذلك، فامتنع، فلم تزل به حتى قال: أستخير ربي، فاستخار الله تعالى فنهاه في المنام، فأخبرها بذلك.

فقالت: راجع ربك.

فعاود الاستخارة، فلم يرد إليه جواب.

فقالت: لو أراد ربك لنهاك، ولم تزل تخدعه حتى أجابهم.

فركب حمارا له متوجها إلى جبل يشرف على بني إسرائيل ليقف عليه ويدعو عليهم، فما سار عليه إلاّ قليلاً حتى ربض الحمار، فنزل عنه فضربه حتى قام، فركبه فسار به قليلاً فربض، فعل ذلك ثلاث مرات، فلما اشتدّ ضربه في الثالثة، أنطقه الله فقال له: ويحك، يا بلعم أين تذهب، أما ترى الملائكة تردني، فلم يرجع، فأطلق الله الحمار حينئذٍ فسار عليه حتى أشرف على بني إسرائيل، فكان كلما أراد أن يدعو عليهم ينصرف لسانه إلى الدعاء لهم، وإذا أراد أن يدعو لقومه انقلب الدعاء عليهم.

فقالوا له في ذلك، فقال: هذا شيء غلبنا الله عليه، واندلع لسانه فوقع على صدره.

فقال لهم: الآن قد ذهبت مني الدنيا والآخرة ولم يبق إلاّ المكر والحيلة، وأمرهم أن يزينوا النساء ويعطوهن السلع للبيع ويرسلوهن إلى العسكر ولا تمنع امرأة نفسها ممن يريدها، وقال: إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم.

ففعلوا ذلك ودخل النساء عسكر بني إسرائيل فأخذ زمري بن شلوم وهو رأس سبط شمعون بن يعقوب امرأة وأتى بها موسى (عليه السلام) فقال له: أظنك تقول إن هذا حرام، فوالله، لا نطيعك، ثم أدخلها خيمته فوقع عليها، فأنزل الله عليهم الطاعون.

وقد هلك في تلك الساعة عشرون ألفا، وقيل سبعون ألفا، فأنزل الله في بلعم: ((واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين))[23]»[24].

وفي الحديث عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): «أنه أعطي بلعم بن باعوراء الاسم الأعظم وكان يدعو به فيستجاب له، فمال إلى فرعون، فلمّا مرّ فرعون في طلب موسى (عليه السلام) وأصحابه قال فرعون لبلعم: ادعُ الله على موسى وأصحابه ليحبسه علينا، فركب حمارته ليمر في طلب موسى (عليه السلام) وأصحابه فامتنعت عليه حمارته، فأقبل يضربها، فأنطقها الله عزّ وجلّ فقالت: ويلك، علام تضربني؟ أتريد أن أجيء معك لتدعو على موسى نبي الله وقوم مؤمنين؟ فلم يزل يضربها حتى قتلها وانسلخ الاسم الأعظم من لسانه وهو قوله:

((فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعاه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث))[25] وهو مثل ضربه الله»[26].

قصة علي بن أبي حمزة البطائني

كان علي بن أبي حمزة البطائني، وزياد بن مروان القندي، وعثمان بن عيسى الرواسي، كلهم كانوا وكلاء لأبي الحسن موسى (عليه السلام) وكان عندهم أموال جزيلة، فلما مضى أبو الحسن موسى (عليه السلام) وقفوا طمعاً في الأموال ودفعوا إمامة الرضا (عليه السلام) وجحدوه[27]

عن يونس بن عبد الرحمن قال: (مات أبو الحسن (عليه السلام) وليس من قوامه أحد إلاّ وعنده المال الكثير، فكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم لموته، وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار.

قال: فلما رأيتُ ذلك وتبين الحق وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ما علمت تكلمت ودعوت الناس إليه، فبعثا إليّ وقالا: ما يدعوك إلى هذا، إن كنت تريد المال فنحن نغنيك وضمنا لي عشرة آلاف دينار وقالا لي: كف.

فأبيت وقلت لهم: إنا روينا عن الصادقين (عليهما السلام) أنهم قالوا: «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل سلب نور الإيمان»، وما كنت لأدع الجهاد في أمر الله على كل حال، فناصباني وأضمرا لي العداوة)[28].

[1] سورة المائدة: 50.

[2] سورة الأنعام: 35.

[3] سورة هود: 46.

[4] سورة الأحزاب: 33.

[5] نهج البلاغة، الخطب: 17 ومن كلام له (عليه السلام) في صفة من يتصدى للحكم بين الأمة وليس لذلك بأهل.

[6] غرر الحكم ودرر الكلم: ص75 ق1 ب1 ف16 ح1180.

[7] غرر الحكم ودرر الكلم: ص73 ق1 ب1 ف16 ح1093.

[8] غرر الحكم ودرر الكلم: ص73 ق1 ب1 ف16 ح1095.

[9] الكافي: ج1 ص23 كتاب العقل والجهل ح16.

[10] سورة البقرة: 146.

[11] قد كان بقرية من قرى البلقاء من بلاد الشام رجل يقال له بلعم بن باعور وكان مستجاب الدعوة، فحمله قومه على الدعاء على يوشع، فلم يتأت له ذلك، وعجز عنه، فأشار إلى بعض ملوك العماليق أن يبرز الحسان من النساء نحو عساكر يوشع، ففعلوا ذلك فزنوا بهن، فوقع فيهم الطاعون فهلك منهم تسعون ألفا، وقيل أكثر من ذلك، وسيأتي تفصيل القصة بعد قليل. بحار الأنوار: ج13 ص375 ب12 ضمن ح19.

[12] ستأتي القصة بعد قليل.

[13] مثل عربي، الحابل صاحب الحبالة، والنابل صاحب النبل، وذلك أن يجتمع القناص فيختلط أصحاب النبال بأصحاب الحبائل فلا يصاد شيء، وإنما يصاد في الانفراد، يُضرب مثلاً في اختلاط الأمر على القوم حتى لا يعرفوا وجهه.

[14] راجع رجال الكشي: ص277 في أبي محمد هشام بن الحكم ح494 وفيه: «إن الله أخذ ضغثاً من الحق وضغثاً من الباطل فمغثهما ثم أخرجهما للناس... » والمغث: العرك في المصارعة والخصومات.

[15] سورة العنكبوت: 2.

[16] سورة الجاثية: 21.

[17] نهج البلاغة، الخطب: 50 ومن كلام له (عليه السلام) وفيه بيان لما يخرب العالم به من الفتن وبيان هذه الفتن.

[18] سورة الرعد: 11.

[19] منية المريد: ص185 ب1 ن2 ق1 السادس: بذل العلم عند وجود المستحق وعدم البخل به.

[20] تحف العقول: ص502 مواعظ المسيح في الإنجيل وغيره ومن حكمه.

[21] غرر الحكم ودرر الكلم: ص44 ق1 ب1 ف2 محاربة الجهل بالعلم ح106.

[22] غرر الحكم ودرر الكلم: ص44 ق1 ب1 ف2 محاربة الجهل بالعلم ح110.

[23] سورة الأعراف: 175.

[24] انظر بحار الأنوار: ج13 ص373-374 ب12 ضمن ح19.

[25] سورة الأعراف: 175-176.

[26] تفسير القمي: ج1 ص248 سورة الأعراف، ميثاق النبيين في الذر.

[27] راجع الغيبة للطوسي: ص352 ف6.

[28] علل الشرائع: ج1 ص235-236 ب171 ح1.