الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

من الأخطاء الاجتماعية

من أكبر الأخطاء التي مُني بها العالم تحويل (بيت المال) إلى (التقاعد)، وتحويل احترام العائلة للكبار، رجالاً كانوا أم نساءً، إلى نبذهم ورميهم في ما يسمى بـ (دور العجزة)، وينبغي الرجوع إلى قانون الإسلام في بيت المال وتوقير الكبار وهو نوع من الإصلاح.

أمّا التقاعد فإنه يلاحظ سابق الخدمة من غير ملاحظة حاجة الشخص، وفقره وغناه، ولا ملاحظة الكفاية وعدم الكفاية فيهم، فربما خدم ما يستحق عشرة دنانير في قانون التقاعد بينما هي أكثر من احتياجه، أو يحتاج إلى عشرين ديناراً، فالعشرة أقل مما يحتاج إليه وهذا خلاف العدل والإنصاف.

كما أنّ غيره ممن لم يشمله قانون التقاعد قد يحتاج، فلا كفيل له. بينما (بيت المال) يلاحظ الحاجة، فمع وجودها يُمنح المال بقدرها، سواء خدم أم لا، وهذا احترام الإنسان بما هو إنسان، والذي خدم فترة وتقاعد وكان غنياً غير محتاج لا يُعطى من بيت المال حين تقاعده، حيث لا وجه في أخذه من الأموال وهي لعامة الناس، ولا وجه في إعطائه لمن لا يحتاج، أما قانون التقاعد فهو ترك للمحتاج وإعطاء لغير المحتاج، في الجملة.

وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) لم يدع فقيراً اشتهى الرمان، فكيف بما فوقه.

أما (دور العجزة) فهي أيضاً نوع إهانة للكبار في نبذهم وطردهم عن كيان الأسرة، فالإنسان الذي تقدم به السن وكان والداً أو والدة يحتاج إلى محبة أولاده وأحفاده وأقربائه وأن يكون محفوفاً بهم، فإذا رمي في دار العجزة، ربما قاموا بأداء بعض حاجاته الجسدية ـ فرضاً ـ ولكن ماذا عن حاجاته الروحية وما أكثرها، حيث لا علاج ولا سدّ لها.

هذا وقد أكد الإسلام على احترام الكبار خاصة الوالدين.

عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قال: «إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خطبنا ذات يوم فقال: أيها الناس... وقروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم»[1].

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وقروا كباركم يوقركم صغاركم»[2].

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم»[3].

وعن عبد الله بن سنان قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «من إجلال الله عزّ وجلّ إجلال المؤمن ذي الشيبة، ومن أكرم مؤمنا فبكرامة الله بدأ، ومن استخفّ بمؤمن ذي شيبة أرسل الله إليه من يستخف به قبل موته»[4].

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «من عرف فضل شيخ كبير فوقره لسنه آمنه الله من فزع يوم القيامة»[5].

وقال (صلّى الله عليه وآله): «من تعظيم الله إجلال ذي الشيبة المؤمن»[6].

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فاتقوا الله ولا تعصوا الوالدين، فإن رضاهما رضا الله وسخطهما سخط الله»[7].

وعن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله»[8].

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ثلاث لم يجعل الله لأحد فيهن رخصة، أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين»[9].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «جاء رجل وسأل النبي (صلّى الله عليه وآله) عن بر الوالدين، فقال: ابرر أمك، ابرر أمك، ابرر أمك، ابرر أباك، ابرر أباك، ابرر أباك، وبدأ بالأم قبل الأب»[10].

وعن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إن من الكبائر عقوق الوالدين»[11].

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في كلام له: «إياكم وعقوق الوالدين، فإن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام ولا يجدها عاق»[12].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قراءة القرآن في المصحف تخفف العذاب عن الوالدين ولو كانا كافرين»[13].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «النظر إلى الوالدين عبادة»[14].

زيارة المستشفيات وما أشبه

ومن الاستطراد أن نقول: من المفيد جداً أن يزور الإنسان بين فترة وأخرى دار العجزة، والمستشفيات، ودار المجانين، ودار المتخلفين عقلياً أو جسدياً، وحتى السجون والمقابر، لا ليتعظ فقط، والاتعاظ مهم جداً، بل للعلاج بقدر الإمكان.

وكذلك يلزم تشكيل هيئة لنجاة المومسات في دور البغاء إن كانت، كما في كثير من بلدان العالم.

فإنّهم بشر ولهم نفس الحاجات البدينة والروحية، فلماذا ندعهم يعانون من هذه المفاسد مع إمكان العلاج ولو بقدر.

وقد زوّج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حين دخوله إلى الكوفة، بعض الفاجرات، كما في الروايات.

وقال (عليه السلام): «وسويت بين المناكح»[15] بأن زوج الشريف والوضيع كما فعله رسول الله (صلّى الله عليه وآله)[16].

وينقل عن بعض الدول الأوروبية في حل هذه المشكلة قيامها بتحويل المومسات ـ ممن لا قريب نافع لهن ـ إلى بيوت المحسنين لرعايتهن.

وقد كنت سابقاً أقوم بزيارة بعض المستشفيات في العراق وفي الكويت، فإنها بالإضافة إلى ثواب عيادة المريض، وزيارة من قصدت زيارته، رأيت فيها موعظة كثيرة، وقد كنت أسأل عن أحوال المرضى وما يحتاجون إليه وكنت أسعى في قضاء حوائجهم بما أتمكن عليه.

في مستشفى الكوفة

وأتذكر أني زرت مستشفى الكوفة لعيادة بعض مرضانا حيث كان يرقد هناك، فرأيت شاباً وسيما يتراوح عمره بين العشرين والثلاثين، وبعد السؤال منه عن صحته قال: إنه منذ ثلاثة عشر سنة وهو راقد في المستشفى، لأنه مصاب بمرض قلبي يحتاج إلى المراقبة من قبل الطبيب ليل نهار، مما لا يتيسر له ذلك في داره فهو مضطر للبقاء في المستشفى طيلة حياته، وكان من أبناء أحد رؤساء العشائر.

رصاص الرحمة!

ومرة زرت مستشفى في الكويت، فرأيت فيه شاباً في العشرينات وقد تغير لون وجهه إلى الرمادي من شدة المرض، فلما زرته عرفني وقبّل يديّ وطلب مني بإلحاح أن أطلب من رئيس المستشفى أن يقتله بإطلاق رصاص عليه، قال: إني منذ ثلاثة عشر يوماً دخلت المستشفى لأن النوم لا يأخذني، وقبل ذلك ابتليت مرة بمثل هذا المرض فذهبت إلى لندن وألمانيا، فلم يجدوا لي علاجاً، وإني الآن أحس بأني أموت بشدة في كل دقيقة، أليس القتل بالرصاص راحة لي؟

لكني علّمته بعض الأدعية والآيات القرآنية وصبّرته، وامتنعت من أن أقول لمدير المستشفى ما طلب، ولا أعلم ماذا صار بعد ذلك.

[1] الأمالي للصدوق: ص94 المجلس 20 ح4.

[2] غرر الحكم ودرر الكلم: ص482 ق6 ب6 ف9 متفرقات اجتماعي ح11132.

[3] الكافي: ج2 ص165 باب إجلال الكبير ح1.

[4] وسائل الشيعة: ج12 ص98 ب67 ح15743.

[5] بحار الأنوار: ج72 ص137 ب52 ح3.

[6] ثواب الأعمال: ص189 ثواب من عرف فضل شيخ كبير فوقره.

[7] الكافي: ج1 ص428 باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية ح79.

[8] المحاسن: ج1 ص292 ب47 ح445.

[9] وسائل الشيعة: ج21 ص490 ب93 ح27669.

[10] الكافي: ج2 ص162 باب البر بالوالدين ح17.

[11] وسائل الشيعة: ج15 ص322 ب46 ح20634.

[12] مستدرك الوسائل: ج15 ص195-196 ب75 ح17992.

[13] الكافي: ج2 ص613 باب قراءة القرآن في المصحف ح4.

[14] بحار الأنوار: ج1 ص204 ب4 ح24.

[15] الكافي: ج8 ص61 خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) ح21.

[16] تهذيب الأحكام: ج7 ص395 ب33 ح6.