الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

من أسباب تأخر المسلمين

عندما يتأمّل الإنسان في تاريخ الإسلام العزيز يجد أنّ معظم المصائب والرازيا التي عانى منها المسلمون على امتداد التاريخ هي ناجمة عن سياسة العنف التي كان يستخدمها الحكام خلافاً لسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، وعلى عكس ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

فالحكام المستبدون الذين استولوا على المسلمين من دون شرعية لم يلتزموا بتعاليم الإسلام الداعية إلى اللين واللاعنف وكانوا من وراء ضعف المسلمين على تفصيل ذكرناه في بعض كتبنا[1].

ومن هذا الباب لا بأس ببيان بعض المواقف العنيفة التي سوّد بها بعض الحكام وغيرهم صفحات التاريخ البيضاء، ليعرف براءة الإسلام منها، والتي سببت تأخّر حضارة الإسلام التي طالما دعمها رسول الإنسانية (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) بجهودهم المباركة.

في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله)

على الرغم من أنّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) عكف على تربية المسلمين على اللين واللاعنف وبذل كلّ ما بوسعه من أجل إخراجهم من نزعات الجاهلية الاُولى، إلاّ أنّ البعض منهم لا سيما المنافقين، لم تؤثّر فيه تلك التربية حيث بقيت أنفسهم تميل إلى طبائعها القديمة التي منها العنف والبطش.

ولعلّ خير شاهد على ذلك هو ما نقله العديد من المؤرخين حيث قالوا: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد فتح مكّة أخذ يرسل البعض من المسلمين فيما حول مكّة ليدعوا إلى الله عز وجل ولم يأمرهم بقتال...

وممّن بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى بني جذيمة بن عامر هو خالد بن الوليد، وقد كانوا أصابوا في الجاهلية من بني المغيرة نسوة، وقتلوا عمّ خالد فاستقبلوه وعليهم السلاح، وقالوا: يا خالد إنّا لم نأخذ السلاح على الله وعلى رسوله، ونحن مسلمون فانظر فإن كان بعثك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساعياً فهذه إبلنا وغنمنا فاغد عليها.

فقال: ضعوا السلاح.

فقالوا: إنّا نخاف منك أن تأخذنا بإحنة الجاهلية، وقد أماتها الله ورسوله (صلى الله عليه وآله).

فانصرف عنهم بمن معه فنزلوا قريباً، ثمّ شنّ عليهم الخيل فقتل وأسر منهم رجالا، ثمّ قال: ليقتل كلّ رجل منكم أسيره فقتلوا الأسرى!

وجاء رسولهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره بما فعل خالد بهم.

فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يده إلى السماء وقال: «اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا فعل خالد» وبكى (صلى الله عليه وآله) ثمّ دعا عليّاً (عليه السلام) فقال: «اخرج إليهم وانظر في أمرهم»، وأعطاه سفطاً من ذهب، ففعل ما أمره (صلى الله عليه وآله) وأرضاهم.

وقد روي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا بعث إليهم عليّاً (عليه السلام) أمره أن ينظر في أمرهم فودّى لهم النساء والأموال حتّى أنّه ليدي ميلغة[2] الكلب، ففضل معه من المال فضلة، فقال لهم الإمام علي (عليه السلام): «هل بقي لكم مال أو دم لم يؤدّ»؟

قالوا: لا.

فقال (عليه السلام): «إنّي اُعطيكم هذه البقيّة احتياطاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله)».

ففعل ثمّ رجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره. فقال (صلى الله عليه وآله): «أصبت وأحسنت»[3].

أعظم رزيّة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)

وبعد أن ارتحل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من بين المسلمين وبينما كان أهل بيت الرسالة (عليهم السلام) مشغولين في تجهيز جثمان الرسول الطاهر (صلى الله عليه وآله) تآمر بعض المسلمين في سقيفة بني ساعدة ليتقمصوا الخلافة بالعنف.

وريثما تسلّموا مقاليد الخلافة شرعوا بمزاولة سياسة العنف والبطش إزاء آل الرسول (عليهم السلام) الذين لم يقرّوا أحقّيتهم في الخلافة، وكذلك مع المسلمين الذين قالوا إن الإمام علي (عليه السلام) هو خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالتعيين الإلهي[4].

الحوزة الخشناء

وهكذا استمرت الحوزة الخشناء إلى هذا اليوم، ومن أفضع صور العنف ما ارتكبوه ضد الإمام الحسين (عليه السلام) وأولاده ونسائه في كربلاء حيث قتلوهم عن آخرهم عطاشى مظلومين.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة وهو يصف سياسة بعض من تقمص الخلافة قائلا: فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها[5].

يزيد ومآسي التاريخ

بعد أن آل أمر الخلافة إلى يزيد بن معاوية تجلّت مساوئ العنف والطغيان في أوضح مصاديقها وأبشع معانيها، إذ أنّ التاريخ على مرّ العصور لم يشهد وقائع مؤلمة تمضّ القلوب كالوقائع الدامية التي ارتكبها يزيد بن معاوية في يوم عاشوراء..

ففي بداية حكمه عمد إلى قتل سبط الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السلام) بتلك الصورة المأساوية المقرحة للعيون فضلا عن سبيه لعياله وذرّيته في شتّى البلاد الإسلامية.

ولم يكتف هذا الطاغية العنيف بقتل أهل البيت (عليهم السلام) وسفك دمائهم الطاهرة حتّى أباح مدينة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لجيشه ثلاثة أيّام. وفي غضون هذه الأيّام الثلاثة عمد جيشه العنيف إلى التنكيل بأهل المدينة والنيل منهم. فقد نقل في التاريخ أنّ عدد القتلى في واقعة الحَرّة فقط من أبناء الأنصار والمهاجرين بلغ ألفاً وسبعمائة ومن سائر الناس عشرة آلاف سوى النساء والأطفال.

وممّا نقل في هذه الواقعة المؤلمة انّه: دخل رجل من جند مسلم ابن عقبة على امرأة نفساء من الأنصار ومعها صبي لها، فقال: هل من مال؟

فقالت: لا والله ما تركوا لنا شيئاً.

فقال: والله لتخرجنّ إليّ شيئاً أو لأقتلنّك وصبيّك هذا.

فقالت له: ويحك انّه ولد ابن أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فأخذ برجل الصبي والثدي في فمه فجذبه من حجرها وضرب به الحائط فانتشر دماغه على الأرض!.

عنف بني العبّاس

وعندما تلاشت قدرة بني اُميّة وضعفت شوكتهم جرّاء تعاملهم العنيف مع الرعيّة خلافاً للقرآن الكريم والسنة المطهرة، نهض بنو العبّاس بأعباء الرئاسة وعمدوا إلى إدارة بلاد المسلمين وفق منهجيتهم البعيدة كلّ البعد عن سماحة الإسلام ومنهجيّته الرشيدة الداعية إلى اللين واللاعنف.

فلمّا خضع العباد لهم وبعد أن استتبّت الأوضاع راحوا يصبّون شتّى ضروب العذاب فوق رؤوس الرعيّة حتّى إن الناس أخذوا يترحّمون على عهد بني اُميّة.

نعم، فقد بالغ حكّام بني العبّاس في الاساءة إلى الناس والنيل منهم حتّى انّهم أصبحوا مضرباً للمثل في الظلم والعنف على مرّ العصور المختلفة.

فقد نقل أنّ هارون العباسي دخل عليه أحد المنجّمين وقال له: إنّي رأيت في المنام أنّك في هذه السنّة تموت!.

فاغتمّ هارون غمّاً كبيراً، وكان (جعفر البرمكي) حاضراً، فسأله هارون عن علاج الأمر؟

فقال جعفر: إنّ العلاج سهل وهو أن تسأل من هذا المنجّم انّه في أي وقت يموت هو؟

فكذّبه في دعواه بقتله، حتّى يظهر انّه يكذب أيضاً بالنسبة إلى تحديد حياتك.

فسأل هارون المنجّم: عن مدّة عمره هو؟

فقال المنجّم: عشر سنوات ويموت بعدها.

فأمر جعفر هارون أن يقتله الآن حتّى يظهر كذبه في عمره ممّا يلزم أن يظهر كذبه في عمر هارون أيضاً.

عندها أمر هارون الجلاّد أن يقطع رأسه فضرب عنق المنجّم في نفس المجلس.

ثمّ قال هارون لجعفر: قد فرّجت عنّي بهذا التقدير!.

ونقل أنّه كان للمتوكّل العبّاسي كيس مليء بالحيّات والعقارب كان يضعه دائماً قريباً منه. وكلّما أراد أن يضحك على الحاضرين كان يفتح رأس الكيس وينفضه في وسط المجلس الأمر الذي يجعل الوزراء وسائر الحاضرين في المجلس يهربون في كلّ اتّجاه، وأحياناً تصيبهم لدغات العقارب والحيّات.

وقد نقل (عبد الله البزار النيشابوري) قائلا: كانت لي صداقة وطيدة مع (حميد بن قحطبة) أحد الاُمراء في دولة (هارون العبّاسي)، قال: فدخلت عليه في شهر رمضان نهاراً وكان مشغولا بالأكل فلمّا سألته عن السبب؟

أخذته العبرة وشرع بالبكاء وانحدرت دموعه على خدّيه.

فقلت له: ما يبكيك يا أمير؟

قال: استدعاني هارون العبّاسي في إحدى الليالي، ولمّا حضرت رأيت عنده شمعة مشتعلة، وفي مقابله سيفاً مسلولا، فلمّا رآني سألني: كيف يكون ولاءك لأمير المؤمنين؟

قلت: فداه نفسي ومالي ولا قيمة لنفسي ومالي عند رضاه.

فتبسّم من كلامي وأذن لي بالرجوع.

فما أن وصلت إلى الدار إلاّ أتاني مبعوثه ثانية وقال لي: أمرني الخليفة بإحضارك ثانية.

فرجعت إليه مرّة أخرى..

وكرّر عليّ السؤال السابق..

فأجبته: في سبيل الخليفة لا ثمن لنفسي ومالي وأولادي وديني (فداه نفسي ومالي وأولادي وديني).

فسرّه كلامي وضحك وقال لي: إذن خذ هذا السيف ونفّذ ما يأمرك هذا الحارس.

فذهبنا معاً إلى دار مغلقة بابها، ففتح الحارس الباب وكان في وسط الدار بئر وكان في الدار ستّون سجيناً وهم ما بين طاعن في السنّ وشاب في عنفوان شبابه غبر شعث الشعور مكبّلين كلّهم كانوا علويين من أولاد وأحفاد الإمام علي (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) فأمرني الحارس بقطع رؤوسهم. وكلّما قطعت رأس أحدهم رمى الحارس بجسده في البئر، وكان آخر من أردت قطع رأسه شيخاً طاعناً في السنّ، التفت إليّ وقال: قاتلك الله بم تجيب جدّنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة إذا وردت عليه؟

آنذاك ارتعد جسمي من هذا الكلام، ولكن الحارس نظر إليّ بغضب، عند ذلك قطعت رأسه، وبذلك أكون قد قتلت ستّين علويّاً في يوم واحد، فبعد هذه الجريمة ما فائدة الصلاة والصيام، وأنا بلا شكّ من المخلّدين في النار.

وهكذا كانت خلافة العثمانيين مليئة بالظلم والجور والعنف ضد المسلمين وغيرهم، وقد أشرنا إلى ذلك في كتاب حول تاريخ الخلافة العثمانية[6].

وفي الختام نؤكد على ضرورة اتخاذ سياسة السلم واللاعنف في جميع مجالات الحياة كما أمر الله عز وجل ورسوله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرون (عليهم السلام) بذلك، وكما هو واضح في سيرتهم العطرة[7].

وقد ذكرنا في الفقه بأنه لا يجوز فعل ما يوجب تشويه سمعة الإسلام أو المسلمين من أعمال العنف.

واللازم اتخاذ سياسة السلم واللاعنف في كافة مجالات الحياة، مضافاً إلى تطبيق سائر القوانين الإسلامية والتي منها الأمة الواحدة، والأخوة الإسلامية، والحريات والشورى وما أشبه ليستعيد المسلمون بذلك عزهم وينقذوا العالم أيضاً من الظلمات إلى النور، وما ذلك على الله بعزيز.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

قم المقدّسة

محمّد الشيرازي

 

[1] ـ راجع كتاب (من أسباب ضعف المسلمين) للإمام المؤلف (قدس سره الشريف).

[2] ـ الميلغ والميلغة: الإناء يلغ فيه الكلب أو يسقى فيه.

[3] ـ بحار الأنوار: ج21 ص140-141 ب27 ح2 و3.

[4] ـ انظر بحار الأنوار: ج53 ص18 ـ 19 ب28، وكتاب الإحتجاج، في احتجاجات أمير المؤمنين (عليه السلام) ج1 ص92.

[5] ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم 3. يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج6 ص327: (كان عمر شديد الغلظة، وعر الجانب، خشن الملمس، دائم العبوس) وقال أيضاً: في ج20 ص217: (وكان سريعاً إلى المساءة كثير الجبه والشتم والسبّ).

وقال ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ: ج3 ص58 عن زيد بن حارثة قال: إنّ أبا بكر حين حضره الموت أرسل إلى عمر يستخلفه فقال الناس: تستخلف علينا فظّاً غليظاً فلو قد ولّينا لكان أفظّ وأغلظ، فما تقول لربّك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر؟ فقال أبو بكر: أبربّي تخوّفني؟ أقول: استخلفت عليهم خير أهلك..

وقال ابن الأثير أيضاً في وصفه: خطب اُم أبان بنت عتبة بن ربيعة فكرهته وقالت: يغلق بابه، ويمنع خيره، ويدخل عابساً، ويخرج عابساً. انظر الكامل في التاريخ: ج3 ص55.

وقال ابن الأثير أيضاً: إنه خطب اُمّ كلثوم ابنة أبي بكر إلى عائشة، فقالت اُمّ كلثوم: لا حاجة فيه، انّه خشن العيش، شديد على النساء. الكامل في التاريخ: ج3 ص54.

[6] ـ انظر كتاب (موجز عن الدولة العثمانية) و (تلخيص تاريخ الإمبراطورية العثمانية) للإمام الشيرازي (قدس سره الشريف).

[7] ـ للتفصيل انظر كتاب (الفقه: طريق النجاة) و (السبيل إلى إنهاض المسلمين) و (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين) و (الفقه: القانون) للإمام الشيرازي (قدس سره الشريف).