الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.

أمّا بعد: فـ(اللاعنف) سمة الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) والعقلاء الذين يقدّمون الأهمّ على المهم في شتّى حيثيات حياتهم.

وفي التاريخ: إنّ من أبرز صفات الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) انّه كان لا عنفاً إلى أبعد حدّ[1]، وقد دعا القرآن الكريم المسلمين قاطبة أن يدخلوا تحت ظلّ هذا القانون، فقال عزّ من قائل: ((ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً))[2]، ولا يخفى أنّ السلم أقوى وأكثر دلالة من اللاعنف.

وبالتأكيد، فإنّ كلّ من يلتزم بقانون السلم واللاعنف لا مندوحة له إلاّ وينتصر في الحياة، وإن استلزمت الظروف أن يحفظ نفسه ومبادءه عبر التكتّم والتخفّي أحياناً، كما اختفى الإمام الحجّة (عجّل الله فرجه الشريف)، أو أن يرفعه الله إلى السماء كما فعل بعيسى بن مريم (عليهما السلام) فانّه لو بقي لقتلوه وأحرقوا جثّته، ولكن الله تعالى حال دون ذلك فرفعه إليه، وقد أخبر القرآن الكريم عن نيّتهم هذه فقال: ((فلمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ))[3]، أو أن تُحفظ نفسه عبر الإعجاز وغيره كما حفظ موسى (عليه السلام) نفسه عن فرعون بالليل والعصا، أو بالدفاع عن النفس كما فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنّ حروبه (صلى الله عليه وآله) كانت دفاعية وبأقلّ قدر ممكن، ومن هنا فإنّ عدد القتلى من الطرفين وفي عشرات الحروب لم يتجاوز الألف أو أكثر بقليل، مع إنّه (صلى الله عليه وآله) أقام حكماً وكوّن اُمّة وبيّن شرائع وتقدّم ذلك التقدّم الهائل الذي لم يشهد العالم مثله حتّى عصرنا الراهن.

والجدير بالذكر إنّ من منهجية الرسول (صلى الله عليه وآله) في اللاعنف تعلّم منها الكثير من شخصيات التاريخ، غرار (غاندي) و (مندلا) وغيرهما.

ومن جانب آخر فقد جنح الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) إلى السلم واللاعنف في جميع أحوالهم إلى أن آلت النوبة إلى الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) فغاب عن الظالمين، وأمّا البقية منهم (عليهم السلام) فقد بقوا حتّى قتّلوا إمّا بالسيف قسراً أو بالسمّ.

ولقائل أن يقول هنا: ماذا تقولون في حربي أمير المؤمنين علي (عليه السلام) والإمام الحسن (عليه السلام)؟

فالجواب: إنّهما (عليهما السلام) حاربا دفاعاً وبقدر ضئيل، وقد حاربا بعد أن فشلت كلّ المحاولات وسدّت جميع الأبواب من أجل حلّ المشاكل سلميّاً.

وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى الإمام الحسين (عليه السلام) حيث فرضوا عليه الحرب وقتلوه مظلوماً عندما لم يرض بمبايعة الظالمين، كما قال (عليه السلام): «ألا ترون الحق لا يُعمل به، والباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، وإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً»[4].

ولا شكّ أنّ الإسلام لم يقم بالسيف كما هرّج له الذين داسوا على ضمائرهم، ولعلّ خير شاهد على ذلك ما أقرّه عقلاؤهم أنفسهم كما تجده في كتبهم، ومنها: (الدعوة إلى الإسلام) وغيره، كما ذكرناه في كتاب: (كيف انتشر الإسلام).

وفي الختام يبقى القول بأنّ البشر اليوم هم نفس البشر، وزماننا الراهن هو نفس الزمان بالنسبة إلى ضرورة تطبيق القوانين الإسلامية، فإذا أردنا إنهاض المسلمين وهداية غيرهم احتجنا إلى نفس منهج اللاعنف الذي ورد في بعض الروايات نصّاً، تارةً وأخرى بلفظ السلم والرفق واللين ونحوها في جملة من الروايات الاُخر، ناهيك عن ذكره في الآيات القرآنية الكريمة كالآية المتقدّمة، والله الموفق المستعان.

قم المقدسة

ذي الحجّة / 1420هـ ق

محمد الشيرازي

 

[1] ـ سيأتي في بحث «اللاّعنف في الحديث» وصف أبي سعيد الخدري لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قال عنه (صلى الله عليه وآله): «شديداً من غير عنف».

[2] ـ سورة البقرة: 208.

[3] ـ سورة البقرة: 91.

[4] ـ بحار الأنوار: ج44 ص192 ب26 ح4.