الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

التوكل

كثيراً ما يختلط الأمر على الناس فيتصورون أن التوكل معناه عدم تسبيب الأسباب وعدم الأخذ بالطرق التي جعلها الله سبحانه للأشياء، فيقعدون عن الأسباب ويرجون النتائج.

ولكن هذا خلاف العقل والشرع..

فإنهم إن اعتمدوا على الآية المباركة: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)(1)، وزعموا أن معناه التوكل من دون العمل! فاللازم أن ينظروا أيضاً إلى قوله سبحانه:( وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة)(2)، وقوله تعالى: (ثم أتبع سبباً)(3).

فالتوكل من لوازمه العمل بالأسباب الكونية التي جعلها الله ، كما ورد في الرواية : (إعقل وتوكل)(4).

وكذلك جاء في الحديث: (أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها)(5)، إلى غير ذلك من الآيات والروايات ...

إن من شأن التوكل هو أن يكل الإنسان ما ليس بيده إلى الله سبحانه وتعالى، كما هو من شأن الدعاء أيضاً.

ومن هنا ورد قوله سبحانه لموسى (عليه السلام) في الحديث القدسي: يا موسى أتريد أن تبطل حكمتي في الأشياء !.

وورد عدم استجابة دعاء جماعة لأنهم لا يفعلون ما قرره الله سبحانه وتعالى من المقدمات، كمن لا يعمل ثم يقول: اللهم ارزقني من واسع فضلك.

ففي الحديث عن الامام الصادق (عليه السلام): (اربعة لا يستجاب لهم دعاء: رجل جلس في بيته يقول يا رب ارزقني، فيقول له: ألم آمرك بالطلب، ورجل كانت له امرأة فيدعو عليها، فيقول: ألم أجعل أمرها بيدك، ورجل كان له مال فأفسده، فيقول يا رب ارزقني، فيقول له: ألم آمرك بالاقتصاد ، ألم آمرك بالاصلاح … ورجل كان له مال فأدانه بغير بينة، فيقول: ألم آمرك بالشهادة) (6).

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (خمسة لا يستجاب لهم: احدهم رجل مر بحائط مائل وهو يقبل اليه ولم يسرع المشي حتى سقط عليه) الخبر(7).

ولذا: فتوّهُم أن أحوال المسلمين تتحسن بالدعاء وحده، أو بأن الإمام المهدي (عليه السلام) يأتي وهو يصلح ولا تكليف لنا نحن إطلاقاً في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل ظهوره (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ليس على موازين الإسلام، فإن (الدعاء مخ العبادة)(8) و (سلاح المؤمن)(9)، كما ورد.

وقال عزوجل:(ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)(10) والإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لابد وأن يظهر:

 خروج إمام لا محالة ظاهر                    يقوم على اسم الله بالبركات(11)

لكن مع ذلك كله لابدّ لنا أن نعمل ما في جهدنا لإصلاح أنفسنا ولإصلاح المجتمع، كما علينا الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك قد أدينا التكليف الملقى على عاتقنا من قبل الله سبحانه وهو عزّ وجل ينصر العاملين، كما وعد بقوله تعالى:( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم )(12).

وإذا جاء نصر الله سبحانه ـ بعد أن عملنا ليل نهار ـ فنحن الغالبون كما قال تعالى:(إن ينصركم الله فلا غالب لكم)(13).

لنبدأ من أنفسنا

ثم إن التجديد يبدأ من نفس الإنسان، فإنه إذا لم يصلح الإنسان نفسه لا يمكنه إصلاح غيره من بني نوعه أو المحيط المتعلق به ، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والطبيعي وغيرها ، وقد قال سبحانه: (إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم)(14).

فإن أوّل التغيير إلى الصلاح أو الفساد هو الإنسان(15).

فمن يجعل من المعلم والمهندس والطبيب والعالم والخطيب ونحوهم بهذه الصفات غير أنفسهم؟.

ومن يجعل مَن هجر العلم وابتعد عن التقوى والفضيلة والخصال الحميدة، متحلياً بهذه الصفات غير ذواتهم ؟.

نعم لا إشكال في أن كثيراً من التقدم والتأخر له عوامل أخرى غير ذات الإنسان، لكن الكلام في الأساس .

ثم إن الله سبحانه لم يجعل الإنسان مرغماً على التقدم أو التأخر بل خلقه حراً.

قال عزّوجل: (وهديناه النجدين )(16).

وقال سبحانه: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً)(17).

وحتى المجبور ربما يجد نطاقاً يتمكن من التحرك فيه : أماماً وخلفاً ويمنة ويسرة أو ما أشبه.

فالسجين يتمكّن أن يشغل قلبه ولسانه إمّا بالذكر لله سبحانه وتعالى، وإما بما لا يليق، فلربما يكون السجن مدرسة وكثيراً ما يكون محل تعلم السرقة أو الانطواء مع الرذيلة..

إن بلاد الإسلام وقعت ضحية التخلف والفساد والجهل والمرض والفقر والفوضى والرذيلة، لماذا؟

الغالب أن يكون الجواب: انه من صنع الغرب، لكن لنتذكر انه لولا إرادة نفس المسلمين وضعفهم لم يستطع الغرب من النفوذ إطلاقاً.

ولنضرب لذلك مثالاً: إن بريطانيا دخلت بلاد الهند، فعاشت فيها ثلاثمائة سنة حتى تأسّس حزب المؤتمر وقاوم الاحتلال فأخرج الاستعمار وحصلت الهند على الاستقلال الذي نراه اليوم.

أما العراق فقد دخلت فيه بريطانيا، ولم تعش فيها إلا سنوات حتى أخرجها الإمام الثائر الشيرازي(18) وغيره من العلماء، ومن الطبيعي أن الأمة تابعة لمراجعها.

فما كان الفارق بين البلدين؟

الأول: بقوته الطبيعية.

والثاني: بضعفه الطبيعي.

إضافة إلى إرادة الأمة في الثاني دون زماننا.

وها نحن نرى اليوم وقـــد استبد صدام بأمـــر الــــعراق، وتــــمر سنوات وســــنوات وهو يفعل ما لم يفعله حتى بريطانيا، والحجّاج(19)، والمغول(20).

ولا نجاة، حيث لا إرادة للأمة، ولا كلمة جامعة لهم، وكل يدّعي وصلاً بليلى، ولكن لا يمشون في طريقها.

أليس أول الطريق: توحيد الكلمة والتجمع والمؤتمرات و…؟.

وأليس كل زعماء العراق السياسيين ـ الأعم من الديني وغيره ـ وهم لا يتجاوزون الخمسمائة على أحسن فرض، لم تكن لهم كلمة واحدة بتعقّل ومشورة واتخاذ أكثرية الآراء؟.

ثم إن أفغانستان ولبنان عاصرا العراق من ناحية الغزو ولكنهما بإرادتهما القوية خرجا عن المشكلة، وربما كانت معاناتهما أكثر مأساة من العراق، إضافة إلى جوار إسرائيل في الثاني والاتحاد السوفياتي في الأول، لكن العراق بقي وهو أقل مشكلة من هذا الحيث لم يجد حلاً للخلاص.

نعم (إذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له ) (21).

لكن إرادته تعالى تأتي بعد إرادة الإنسان، حسب ما قرره عزّوجل في عالم التكوين، ويدل على هذا الجمع: طرفا الآية المباركة(22).

وبعد اغتصاب فلسطين، ونصب الغرب:

(البهلوي) (23) في إيران..

و (أمان الله خان) (24) في أفغانستان..

و (أتاتورك) (25) في تركيا..

وبعد إخراج علماء العراق البريطانيين مـــن الحبّانية، ومـــا إلى ذلـــك من الأحداث والشواهد التاريخية الحديثة في بلاد الإسلام..، قامت موجة كبيرة من الدعوة إلى الإسلام والرجوع إليه في الحكم والتشريع، وكتب علماء الإسلام في مختلف البلاد سيلاً من الكتب الشرعية الداعية إلى الإسلام منهاجاً وشريعة.

من عوامل عدم النجاح:

لكن هذا السيل من الكتب لم ينفع في العودة للإسلام لأمرين:

الأول: إنه لم يوازه سيلٌ من التعقّل لدى الإسلاميين، إذ الناس لا يعتنقون أمراً لا يطمئنون إلى القائمين به، فإنهم يريدون منهجاً وناهجاً، ولذا نرى أن كل كتاب سماوي كان معه نبي يمثله في أعلى درجات الفضيلة والإنسانية والخلق الرفيع، لأن انضواء الناس تحت لواء إنسان أو مجموعة لا يكون إلا بعد أن يختبروهم بالأهلية الكاملة، فالإنسان يلاحظ القيادة والسيادة أيضاً كما يلاحظ المادة والموضوع.

بينما كان كثير من الإسلاميين يفقدون هذه الجهة لما اتصفوا به من العنف على خلاف ما أمر به الإسلام وسنّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، وأحياناً تلبسوا بالكبرياء والغرور والاعتزاز النفسي ممّا يأباه الناس في ساداتهم، كما ورد في الحديث: (سيد القوم خادمهم)(26).

فإن من يريد تطبيق قانونه بالعنف لا يلتف الناس حوله حتى إذا وجدوا قانونه جميلاً، ولذا فان الحركات الإسلامية لم تحظ حتى بشيء من الحكم، وكلما كان عنف القائمين أكثر وموازين الفضيلة فيهم أقل، كان الغرب أكثر آخذاً بالزمام وتغلغلاً في بلاد الإسلام.

الثاني: لم يوازه سيلٌ من المناهج الصغروية التي تلزم لتسيير دفة الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية والعسكرية والعائلية والأخلاقية وما إلى ذلك..

إنهم دعوا إلى تطبيق القرآن، لكن ما هي الجزئيات؟

ودعوا إلى إعادة سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن كيف يمكن تطبيق كليات السيرة على هذا الزمان الذي تغير فيه كل شيء بسبب الوسائل الحديثة؟

والغالب أن كتب الإسلاميين خالية من المناهج المذكورة، ولذا لم تحظ بالقبول.

فإذا أردنا رجوع المسلمين إلى سيادتهم السابقة، فاللازم توفير القادة الأكفاء، وطبع ملايين الكتب وبمختلف المستويات، لتبيين مناهج الإسلام الملائمة لهذا العصر في كل أبعاد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية وغيرها.

عوامل الهزيمة.. وأسباب الانتصار

أ . ضعفكَ.. وقوّة العدو:

إذا كنت في مركز الضعف، وكان عدوّك في مركز القوة، كان هناك عاملان مهمّان لانهيارك، خصوصاً إذا كان البون بينك وبين عدوّك شاسعاً، فكان عدوك يملك كل أنواع السلاح، وأنت لا تملك أياً من أنواع السلاح.

ب . عدم استعدادك:

حارب جيشان، فانهزم أحدهما، فسأله الناس عن سبب انهزامه؟

قال رئيس الجيش المنهزم: كان هناك أربعون علّة لانهزامنا، الأول: فقدنا العتاد ..

قال السائل: كفـــى، ولا أحـــتاج إلى عدِّك بقية الــــعلل والأسباب ـ إشــــارةً إلى أن فقدان العتاد والسلاح عامل أساسي في الهزيمة ـ .

جـ . الأعدام لا تؤثِّر.. ولا تتاثَّر:

المعروف عند بعض الحكماء أن الأعدام وإن لم تكن وجودات، إلا أنها قد تكون منشأً لبعض الآثار في الجملة.

يقولون: إنك لا تسافر لأنك لا تملك السيارة، ولا يصح أن يُقال: إنك لا تملك السيارة لأنك لا تسافر.

ويقولون: إنك لا تواصل الدراسة لأنك لا تجد المدرّس ولا تجد الكتاب ولا تجد الوقت الكافي..، فإذا حصل عندك الوقت الكافي فإنك أيضاً لا تتمكن من المواصلة، لأن هناك عدمين آخرين حالا دون دراستك.

لكنّ الصحيح أن الأعدام لا تؤثر ولا تتأثر بل إن الوجود فقط علّة ومعلول.. فإذا كان معلول عدمي مستنداً إلى عدة من الأعدام، لا يكفي انقلاب أحد الأعدام إلى الوجود في أن ينقلب ذلك العدم المعلول إلى الوجود(27).

د. الاُمنيّات الفارغة:

من الأخطاء: الأماني الفارغة ـ حتى في أصغر الأشياء ـ ، إن ثمن بيضة حمام فلسان ـ مثلاً ـ ولكنك إذا تمنيت البيضة بدون أن تبذل الفلسين أو أن تطلبها ممّن يعطيك إياها مجاناً، كنت على غير صواب، أليس هكذا؟.

وقد ورد في الحديث: (إن الأماني بضائع النوكى)(28) والنوكي: جمع أنوك، بمعنى الأحمق.

فإذا كانت الأماني بضاعة الأحمق حتى في ما ثمنه فلسان، فماذا ترى في ما ثمنه ألف بليون دينار؟.

وإذا كانت الأمنية الحصول على ما ثمنه فلسان بدون سلوك الطريق الموصل حمقاً (مرة)، فأمنية الحصول على ما ثمنه ألف بليون دينار بدون سلوك الطريق الموصل، حمق (ملايين المرات).

هـ. التقليد الأعمى:

قال أحدهم: دخلت خزانة الحمام، فرأيت شيخاً كبيراً يغتسل، وينوي هكذا: (أغتسل غسل الحيض قربةً إلى الله تعالى).

قلت له: لماذا هكذا تنوي؟

قال: فكيف أنوي؟

قلت: نية الغسل الذي عليك.

قال الشيخ: اذهب يا أحمق، فهل أنت أعلم أم أمي، فقد جئت معها إلى الحمام حين كنت صغيراً مرات، وكانت تنوي هكذا..

و. خسائر عدم التعقل:

يقولون: إن جحا، قال لزوجته ـ ذات يوم ـ : ما هو غداؤنا؟

قالت: لا شيء لنا.

قال: فلنذهب لنحصل على المأكول.

فأخذ جحا عنزاً له، ليبيعه في السوق، وأخذت الزوجة كُبّابة من الخيط لتبيعها، وبعد ساعات رجعا.

قال جحا: عجيب أمري! فقد حفّ بي في السوق جماعة زعموا، انه ليس بعنز، وإنما هو كلب، فصدَّقتهم وكذَّبت عيني، ولذا تركته.

وقالت الزوجة: إن الكبابة كانت ربعاً إلا ثلاثة دراهم ـ وزن معروف ـ ولذا أغفلت الخيّاط، فأدخلت في جوف الكبابة أقراطي الذهبية، فبعتها بعشرة فلوس!.

قال جحا راضياً بما فعله وما فعلته ! ـ وهنا بيت القصيد ـ : نعم.. أنت اعملي، وأنا أعمل، والله يرزقنا من واسع فضله.

ز. الطموح.. وانعدامه:

وكان بقّالان شرعا في البقالة، ورأس مال أحدهما: مائة دينار، ورأس مال الثاني: عشرة الآف. وبعد أعوام، صار رأس مال الأول: مائة ألف، ورأس مال الثاني: أحد عشر ألف.

فكان البقال الثاني يفرح، لأنه ربح ألف دينار!.

 

العبر والدروس من القصص:

هل سمعت هذه الأمور؟

وهل عرفت من عنيت؟

إن أعداء المسلمين في أعلى مراكز القوة، وإن المسلمين في أحط مراكز الضعف، فهل يمكن ـ والحال هذه ـ أن يرتفع المسلمون إلى مستواهم ، بله أن يتفوقوا عليهم بمجرد الأماني؟.

إن الأولين يملكون الحياة ـ الكثير منها ـ والمسلمين لا يملكون أيّ مقوّم للحياة، فهل ـ والحال هذه ـ يمكن تقدم المسلمين؟

إن المسلمين انهزموا لألف علـــة وعلـــة، فإذا فرضنا أننا تغلّبنا على بعض العلل فهل يكفي ذلك لإنهاض المسلمين ولنهضتهم؟.

لقد واجهت أناساً ينسبون تأخر المسلمين إلى عدم الاتحاد..

وآخرين ينسبونه إلى عدم توفر القدر الكافي من رجال العلم.

وآخرين ينسبونه إلى عدم النظام ..

وآخرين ينسبونه إلى عدم وجود القيادة الصحيحة..

وآخرين..

وآخرين..

فهل أن الأسباب منحصرة في أحد هذه الأمور أم جميعها، أم هناك أسباب أخرى؟.

فهب أنّا وحّدنا الجهود ، ووفرنا القدر الكافي من أهل العلم ، ونظمنا شؤوننا ، وسلّمنا الأمر إلى قائد حكيم ، ثم لم يكن لنا علم بالحياة ، ولم تتوفر لنا الأسلحة الكافية ، فهل ننجح؟.

الجواب: كلا، إلا إذا أخذنا بسائر أسباب الحياة ، وسائر مقومات الرقي والتقدم .

إذاً .. سبب واحد كاف في الهزيمة..

ولكن لا يمكن النصر إلا بتوفر كل الأسباب..

وهناك مسلمون يظنون أنّ الأماني كافية لإنهاضهم، ولذا لا يكدحون إلاّ لأجل ثوب يلبسونه أو طعام يأكلونه أو … ، ولكن هل الأماني تكفي؟.

كلا..

ثم إنّ الأماني على ثلاثة أنواع:

1ـ أُمنية أن الأوضاع هي بنفسها تنقلب إلى الخير.

2ـ وأمنية أن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يأتي فيصلح، فننتظر ظهوره من دون عمل أو بذل جهد ، غير مبالين بقوله سبحانه: (وقل اعملوا)(29).

3 ـ وأمنية أن غيره(30) يقوم بالإصلاح.

فهل إنهاض المسلمين، أقل أهمية من طعام فطور؟

فلماذا لا تتمنى لأجل الطعام، بل تكدح ليلاً ونهاراً؟

لماذا لا يقال: لعلّ الصدفة تأتي له بالغداء؟

وإذا قلت: لعلّ الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يظهر، فتصبح الدنيا جنة فآكل من ثمارها دون كدح .. فلم لا تقول: لعل إنساناً يكدح ويحضر لي الطعام؟

نعم تجديد الحياة يحتاج إلى الكدح والعمل حتى إذا ظهر الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

الارتباط المستمر بالله

مما يجدّد حياة الإنسان ويحافظ على توازنها: (الارتباط المستمر بالله سبحانه) ، فإن الهيجانات والاضطرابات قد تطغي على حياة الإنسان فتمثل جانب الإفراط فيها، وكذلك الجمود والسكون والبلادة تمثّل جانب التفريط فيها، وهذه كلها تعادل وتوازن بسبب الإرتباط بالله سبحانه.

قال الله عز وجل:( ألا بذكر الله تطمئن القلوب)(31).

فإن القلب المرتبط بالله سبحانه يجد السكينة المتوسطة بين الإفراط والتفريط، فإن سكينة القلب توجب الإتزان في التفكير وهو بدوره يوجب التحرك الصحيح نحو الأهداف الرفيعة.

وحيث أن الله سبحانه بيده كل شيء، من الحياة وشؤونها، والموت وأطواره، فاللازم أن يرغب الإنسان في الارتباط به، ليحصل على مقصوده.

ولذا فمن أراد الحصول على مقاصده فليذكر الله ذكراً كثيراً، ويربط قلبه به بكرةً وأصيلا، ويطلب منه الحوائج صغيرها وكبيرها، ويرغب إليه في حل مشكلاته قليلها وكثيرها، فإن بيده مفتاح كل شيء، وإن إليه الانتهاء حيث قال تعالى:(وإن إلى ربك المنتهى)(32).

إن الأسباب مجعولة من قبل الله سبحانه وتعالى، لكن الأسباب وحدها لا تكفي في الأمور، إذ وراء الأسباب إرادته القاهرة وقدرته النافذة وهو مسبب الأسباب، فربما قرب الإنسان من الهدف بسعيه وجدّه ولكنه لا يصل، وربما يكون بعيداً عن الهدف أيّ بُعد، فيبرق بريق الحظ فيصل حيث لم يكن يتوقع، كما قال تعالى:

(قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير)(33).

والملك من باب المثال، وإلا فالصحة والمرض، والغنى والفقر، والمال والولد، وألف حاجة وحاجة ـ مما نعلمها أو لا نعلمها ـ كلها بيده عزّوجل.

وقال سبحانه: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)(34).

والدنيا دار تدور بأهلها من حال إلى حال، ومن فرد إلى فرد، ومن جماعة إلى جماعة، كما قال سبحانه: (وتلك الأيام نداولها بين الناس)(35).

فالمتصل بالله سبحانه تتجدد حياته على طول الخط، بينما غيره قد يحصل وقد لا يحصل على شيء، كما ورد في الدعاء:

(يا من يعطي من سأله يا من يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه)(36).

تجديد الفكر

إنّ أول ما يوجب التخلّف هو الفكر المنحط، فإن الإنسان يسير حسب فكره ـ فيما إذا كانت هناك حرية ـ وهذا من أهم ما يسبب اختلاف المهن والصنائع والاختصاصات ونحوها، كما يسبب اختلاف المآكل والمشارب والملابس والمراكب وغيرها..

وقد أشار إلى ذلك الإمام علي (عليه السلام) في قوله: (وضعهم من الدنيا مواضعهم)(37).

وكل إنسان ارتقى وكل إنسان انحط ـ إذا لم يكن ضغط خارجي ـ فإنما هو بسبب فكره أولاً وبالذات، فالنجّار والعطّار والبقال والعالم والخطيب والمؤلف والسياسي والاقتصادي والطبيب والمهندس وألف شخص وشخص من مختلفي المهن والأعمال والاتجاهات هم ولائد أفكارهم.

وقد فُسِّر قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( لكل امرئ ما نوى)(38) بهذا التفسير أيضاً، كما فسّر بمعنى آخر ليس هنا محل ذكره.

ومن أهم أسباب الإبتداء من جديد: أن (نجدِّد الفكر).

فلماذا طالب الحوزة يبقى طالباً، مع أنه يرى أن بعض زملاءه وصلوا إلى مرحلة المرجعية، وبها يتمكن أن يخدم الدين والدنيا.

ولماذا البقال يبقى بقالاً وهو يرى زميله صار تاجراً محترماً بإمكانه أن يؤسس أويدعم المشاريع الإسلامية؟.

وهكذا في المعلِّم الذي بقي معلماً، وهو يتمكن من أن يصبح أستاذاً في الجامعة؟،

والخطيب الضعيف أبقى نفسه في مرتبته السابقة وهو قادر أن يصبح من أكبر الخطباء.

والسياسي الضعيف بقي في الدرجة المنحطة وهو يقدر أن يكون وزيراً أو رئيساً للجمهورية أو ما أشبه؟.

وهكذا وهلمّ جرّاً ...

أليس كل ذلك في الإنسان ـ أي : صاحب الكفاءة ـ من انحطاط الفكر، وضعف الهمة، وخور القناة، وخطأ الرأي؟.

يقول أصحاب النار كما حكى عنهم سبحانه: (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)(39).

وقال الإمام علي (عليه السلام):

(المرء يطير بهمته كما يطير الطائر بجناحيه)(40).

ولعله إشارة إلى العلم والعمل.

يقول المتنبي:

لولا المشقّة ساوى الناس كلهم          الجود يفقر والإقــدام قتّال

وعلى هذا، فاللازم على من يريد تجديد حياته وتقديم نفسه إلى الأمام، أن يجدد في فكره أيضاً.. وأن يفكر في أفضل الأعمال وأرفعها، في الدنيا والآخرة، ثم يقدم خطوة خطوة فإنها معدات الوصول إلى الهدف.

صياغة الفهم الصحيح للحياة

على من يريد تجديد الحياة.. حياة نفسه أو حياة جماعة أو حياة أمة: أن يفهم الحياة كما هي هي، فيواظب حتى لا يكون ممن يفهما هامشياً أو مقلوباً كمن يريد السير إلى النجف الأشرف فيسير إلى بغداد أو يشتغل في طريقه بالتنعم والتلهي، وقد مثله أمير المؤمنين علي(عليه السلام) بـ:(لبس الفرو مقلوباً)(41).

يقال: إن إنساناً أخذ من بقال قنينة مقلوبة فرده وقال: فيها عيبان:

الأول: لا فوهة لها. والثاني: في قاعدتها ثقب.

فأخذ البقال القنينة مستوية، فقال: ارتفع العيبان.

وهكذا قد يرى بعض الناس الحياة كما لا ينبغي، ولذا يقع في مشكلة ومشكلة، وإن كان بيده شيء من الأمر لأوقع الناس في مشاكل أيضاً.

كمن يتصور أن الحياة تستقيم بالمكر أو بالعنف أو بالكبرياء.

وكمن ينزوي بنفسه فراراً عن مشاكل الحياة، أو ما أشبه ذلك..

فإن (المكر) يظهر ولو بعد حين ويرجع المكر إلى الماكر نفسه، قال سبحانه:( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله)(42).

و(العنف) يوجب فوضى الحياة لا إستقامتها، ولذا ورد انه ليس من صفات المؤمن العنف ، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : (كن ليناً من غير ضعف وشديداً من غير عنف) (43).

وقد قال سبحانه:(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) (44).

و(الكبرياء) يوجب تفرق الناس عن المتكبر وعدم استيعاب المتكبر فهم الحياة ، إذ الفهم بحاجة إلى التواضع ، وقد ورد : (ان الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا ، فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار، لأن الله جعل التواضع آلة العقل وجعل التكبر من آلة الجهل)(45).

فالمتكبر لا فهم له، ولا ناس حوله ، ومع هذين فهل يمكنه أن يبدأ من جديد لكي يستقيم أمر الحياة ؟.

أما (المنزوي) فيضر نفسه أولاً، ويحرم الناس من فوائد وجوده ثانياً، فهو لا ينفع ولا ينتفع ويكون أسوأ من الشجر بلا ثمر، إذ ينتفع منه في المنظر والجمال والظل والحطب وغيرها من الانتفاعات.. ولا ينتفع من المنزوي في شيء.

 

1 ـ سورة الطلاق: 3.

2 ـ سورة الأنفال: 60.

3 ـ سورة الكهف: 89، 92.

4 ـ راجع الأمالي للشيخ المفيد: ص172 المجلس 22 ح1 وفيه:(واعقل راحلتك وتوكل).

5 ـ راجع بحار الأنوار: ج3 ص67 (بيان).

6 ـ بحار الأنوار: ج68 ص344 ب86 ح1.

7 ـ بحار الأنوار: ج67 ص151 ب52 ح10.

8 ـ وسائل الشيعة: ج4 ص1086 ب2 ح9.

9 ـ إشارة إلى الحديث المروي عن رسول الله (ص): (الدعاء سلاح المؤمن) بحار الأنوار: ج90 ص288 ب16 ح1.

10 ـ سورة الفرقان: 77.

11 ـ هذا البيت لشاعر أهل البيت (عليهم السلام) دعبل الخزاعي ضمن قصيدة انشدها بمحضر الإمام الرضا (عليه السلام) في المدينة المنورة مطلعها:

أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً                وقد مات عطشاناً بشط فرات

راجع بحار الأنوار: ج45 ص257 ب44 ح15.

12 ـ سورة محمد: 7.

13 ـ سورة آل عمران: 160.

14 ـ سورة الرعد: 11.

15 ـ عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (من نصب نفسه للناس إماماً فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلّم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلّم الناس ومؤدبهم). تذكرة الأخبار: ص162 باب العلم و...

16 ـ سورة البلد: 10.

17 ـ سورة الإنسان: 3.

18 ـ الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي ( ـ 1338هـ) قائد ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للعراق عام 1920م ، توفي مسموماً ودفن في الروضة الحسينية المباركة بكربلاء المقدسة.

19 ـ الحجاج بن يوسف الثقفي (40-94هـ) عامل من أسوء عمال بني أمية وأصلبهم عودا، بدأ حياته معلم صبيان في الطائف مسقط رأسه. ولاه عبد الملك بن مروان على العراق عام 74هـ، وطد دعائم الدولة الأموية بكثير من القسوة والاستبداد وبسجن الأبرياء وقتلهم.

وفي التاريخ انه اراد الحجاج الحج فخرج الى المسجد الجامع فخطب الناس وقال: يا أهل العراق ان قد استعملت عليكم محمداً ولدي، وبه الرغبة عنكم، اما انكم لا تستأهلونه وقد أوصيته بكم خلاف وصية رسول الله (ص) بالأنصار، فانه أوصى (ص) أن يقبل من محسنهم وأن يتجاوز عن مسيئهم، وقد وصيت محمداً ان لا يقبل من محسنكم ولا = = يتجاوز عن مسيئكم. مسالك الأبصار: ص168.

وكان الحجاج يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء. مسالك الأبصار ص 135.

وقال الحجاج لخالد بن يزيد بن معاوية: ولقد ضربت بسيفي هذا أكثر من مائة الف كلهم يشهد أنك وأباك وجدك من أهل النار. مسالك الأبصار ص123.

وفي تاريخ الخلفاء والإمامة والسياسة لابن قتيبة تحت عنوان (ولاية الحجاج على العراقيين) قال: وذكروا أن عبد الملك لما كتب الى الحجاج يأمره بالمسير الى العراقيين ويحتال لقتلهم، توجه ومعه ألفا رجل من مقاتلة أهل الشام وحماتهم وأربعة آلاف من أخلاط الناس، وتقدم بألفي رجل … فلما دخل المسجد (في البصرة) وقد حانت وقت الصلاة، صعد المنبر فحمد الله! ثم قال: ايها الناس ان الأمير عبد الملك … قلدني بسيفين حين توليته اياي عليكم: سيف رحمة وسيف عذاب ونقمة، فأما سيف الرحمة فسقط في الطريق، وأما سيف النقمة فهو هذا…فجعلت السيوف تبرى الرقاب… فقتلوا بضعة وسبعين ألفاً حتى سالت الدماء الى باب المسجد والى السكك.

20 ـ شعب من العرق المغولاني، موطنه منغوليا، وقد أنشأ دولة المغول في ظل (جنكيز خان) وخلفائه فشكلوا امبراطورية استبدادية امتدت من الصين شرقا الى نهر الدانوب، واجتاحوا في ظل (تيمور لنك) كامل المنطقة الممتدة من منغوليا الى البحر الأبيض المتوسط.

21 ـ سورة الرعد: 11.

22 ـ حيث قال سبحانه: (إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مردّ له وما لهم من دونه من وال).

23 ـ رضا خان بهلوي (1295 ـ 1363هـ / 1878 ـ 1944م) شاه إيران (1343 ـ 1359هـ / 1925 ـ 1941م) كان ضابطا من ضباط الجيش الايراني فاطاح بأسرة قاجار الحاكمة وأعلن نفسه شاهاً على إيران عام 1925م، وحكم البلاد بالاستبداد، ثم اضطر إلى التنازل عن العرش لابنه محمد رضا بهلوي.

24 ـ أمير ثم ملك على أفغانستان، (1309 ـ 1379هـ / 1892 ـ 1960م) حصل من انكلترا على اعتراف باستقلال افغانستان عام 1921م وحكم فيها بالظلم والاستبداد .

25 ـ أتاتورك، مصطفى كمال (1298 ـ 1356هـ / 1881 ـ 1938م) ولد في سالونيك،الغى الخلافة العثمانية وأصبح رئيساً لجمهورية تركيا التي أسسها، أدخل الحروف اللاتينية في اللغة التركية ومنع العربية والمآثر الإسلامية وروج الكفر والإلحاد وحكم بالظلم والاستبداد، وأعلن العلمانية كمنهج عام للحكومة والشعب بدل المنهج الاسلامي، لقبته الجمعية الوطنية بـ : اتاتورك، أي أبو الأتراك.

26 ـ بحار الأنوار: ج73 ص 273 ب49 ح31، عنه (ص).

27 ـ إشارة إلى أن لتحقق النصر موانع عديدة فلا يكفي انعدام أحد الموانع في إيجاد النصر بل يلزم تحقق جميعها، ولكن في الهزيمة تكفي علة واحدة لتحققه كما أشير في القصة إلى فقدان العتاد كعلّة من أربعين علّة للهزيمة، لذلك اكتفى السائل بواحدة.

28 ـ راجع نهج البلاغة: الكتاب 31 الفقرة94 وفيه:(إياك والاتكال على المنى فإنها بضائع النوكي).

29 ـ سورة التوبة: 105.

30 ـ أي غير الإنسان المتمني.

31 ـ سورة الرعد: 28.

32 ـ سورة النجم: 42.

33 ـ سورة آل عمران: 26.

34 ـ سورة الطلاق: 2و3.

35 ـ سورة آل عمران: 140.

36 ـ مصباح المتهجد: ص352، مفاتيح الجنان: الثامن من الأعمال العامة لشهر رجب، الدعاء والزيارة: الأول من الأعمال المشتركة لشهر رجب.

37 ـ نهج البلاغة: الخطبة 193 الفقرة2.

38 ـ بحار الأنوار: ج67 ص186 ب53 ح1.

39 ـ سورة الملك: 10.

40 ـ وفي غرر الحكم ص447 الحديث رقم 10264: (المرء يطير بهمته لا بقنيته).

41 ـ غرر الحكم: ص462 الحديث 10600 وفيه: (… ولبس الاسلام لبس الفرو مقلوبا).

42 ـ سورة فاطر: 43.

43 ـ غرر الحكم: ص445، الحديث 10620.

44 ـ سورة آل عمران: 159.

45 ـ تحف العقول: ص396.