الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

وحدة الصف

إن عقليّة (جمع الكلمة) ثم تطبيقها على ساحة الواقع، من أهم ما يتحلى به القادة الذين يقدمون الأُمم إلى الأمام.

فإن الناس كما خلقهم الله تعالى مختلفين في الأشكال.. كذلك خلقهم مختلفين في العقول والأفكار والمنابت والمساقي والاتجاهات والعواطف والشرائط(1) وما أشبه، يقول الشاعر:

ولست بمستبق أخاً لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب

وقبل ذلك قال القرآن الحكيم:( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)(2).

وقال:(ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً) (3).

وقال:(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)(4).

وإذا نظرنا إلى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، رأيناهما آيتين من آيات الله في جمع الكلمة، ورأب الصدع وتوحيد الصف.

وهذه العقلية بحاجة إلى:

كثرة التواضع

وعدم الغرور

وكثرة التفكر

والإكثار من المشاورة

وحمل فعل الناس على الصحة

والعفو والمغفرة

والصبر الطويل، قال سبحانه:(ولمن صبر وغفر إنّ ذلك لمن عزم الأمور)(5).

والدفع بالتي هي أحسن، ولا يلقّاها إلا ذو حظ عظيم، كما قال سبحانه:(إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقّاها إلا الذين صبروا وما يلقّاها إلا ذو حظٍ عظيم) (6).

فاللازم على الإنسان الذي يريد تجديد الحياة على مستوى الأمة، أن ينمّي في نفسه هذه العقلية، فإن الإنسان بطبعه الثانوي:( ظلوم جهول) (7) (هلوع)(8) (في خسر)(9) (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (10).

وحيث أن (وحدة الصف) (11)، لها آثار عظيمة، والأثر العظيم لا يكون إلا بمقدمات ومبادئ عظيمة (فإن النتائج من جنس المقدمات) فاللازم أن يهيء الإنسان في نفسه تلك المبادئ والمقدمات، والله تعالى يسنده إذا سلك طريق الرشاد واستمد من فضله السداد.

قال سبحانه:(والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلنا وان الله لمع المحسنين)(12).

الحرية

ومن أهم ما يلزم في البدء من جديد: رعاية أسس التقدم وهي الحرية والعلم والصنعة.

فاللازم على من يريد التحرك لإنقاذ البلاد وإسعاد العباد أن يهتم بهذه الأمور الثلاثة.

أما الحرية فهي أساس البقاء ثم التقدم، إن الإنسان إذا لم يكن حراً لم يبق حياً فكيف يمكنه أن يتقدم؟.

فان العمل للحياة لا يكون إلا بالحرية، فإذا لم تكن حرية لم يكن عمل للحياة، إن العامل حتى لأجل أكله وشربه ولبسه ومسكنه ومركبه ومنكحه يحتاج إلى أن يكون حراً في هذه الأمور، فإذا لم تكن له حرية فهل يتمكن من العمل لأجل هذه الأمور؟

ولنفرض انه يحتاج إلى المسكن، لكن اليوم الأرض ليست لمن عمَّرها، فلا يتمكن من تحصيل المسكن، ومن لا مسكن له لا يتمكن من الزواج، كما أن حصوله على محل للعمل أو التجارة (كالدكان) يحتاج إلى حرية بناءه، فإذا لم تكن له حرية لم يتمكن من البناء فلا يتمكن من الكسب وهكذا.

ولذا ينسحب عن الحياة شيئاً فشيئاً بعد ما يبتلى بفقر ومرض وفوضى، كما هو المشاهد الآن في بلاد الإسلام، فان البلاد النفطية تأكل ذخائرها حتى تستنفدها وتعود مرة أخرى إلى الفقر المدقع كما كان بعضهم قبل ظهور النفط، وأما البلاد غير النفطية فالناس يعيشون فيها في فقر ومرض وتخلّف، حالها حال القرى المتخلفة في القرون الوسطى، تجتاحها الأوبئة ويموت فيها الأطفال، وتنتشر فيها الأمراض الفتاكة وغير ذلك..

فالحرية هي أوّل متطلبات العمل للإنقاذ، وحيث أراد الغرب تحطيم بلاد الإسلام فعل أوّل ما فعل: أن سلّط حكاماً دكتاتوريين على هذه البلاد فسلبوا من الشعوب الحرية، وبذلك سلبوا منهم كل شيء، أرأيت العراق ـ ونحن كنا نعيش فيه ـ فيه رافدان ذهبان سيّالان، وفيه أراضٍ واسعة قابلة للزراعة، وفيه أياد عاملة بكثرة، ومع ذلك فالقانون الذي وضعه الحكام المستبدون من أتباع الغرب، يمنع كل شيء، فالأرض يباب والبلاد خراب، والناس عاطلون، والبطون جائعة، والرافدان نصيب البحر!!.

وقد قال المرحوم كاشف الغطاء(13):(إن أهل العراق أمناء يحفظون الأمانة بأعلى درجاته، إنه ينزل إلى بلدهم الرافدان ثم يخرجان من بلدهم ولم يخونوهما أبداً، فهما كما ينزلان يخرجان، فهم أُمناء عليهما).!!

ولذا ترى كل بلاد العراق في تخلّف غريب وكأنهم يعيشون في العصور المظلمة، بينما يصل الغرب إلى القمر، وهم لا يصنعون حتى الإبر، وقد احتاجوا اليوم حتى الى استيراد الطعام ! (14).

فإذا كان هكذا حال الإنسان في بقائه، فكيف يتمكن من التقدم؟.

وليس هذا حال العراق فحسب بل حال كل بلاد الإسلام، ولذا ترى الحكام يقفون سداً منيعاً أمام تقدم البلاد بسلب الحريات.

مثلاً: في إيران قبل البهلوي كان ثلاث وثلاثون ألف قناة تعطي لإيران الرزق الكافي لا لأنفسهم فحسب، بل كانوا يصدرون اللحوم والفواكه وغيرها إلى كثير من البلاد المجاورة، لكن البهلوي حطم كل تلك القنوات..، فاحتاجت إيران إلى الخارج لا في الصنعة فحسب، بل حتى في اللحم والخبز وأوليات المأكل والمشرب.

ولذا فمن الضروري، أن نبدأ بإعادة الحريات إلى بلاد الإسلام..

 ولا يظن أن إعادة الحريات إلى بلاد الإسلام شيء يسير، فإن الغرب بكل أجهزته وقواه يقف دون ذلك، انهم ينادون بالحرية لبلادهم لا لبلادنا، وقد هيئوا لتحطيم الحريات في بلادنا كل شيء .. من الحاكم المستبد والقانون غير الإسلامي والمدارس غير الملتزمة والجيش الجرّار والمال الكثير والسلاح القوي والإعلام العالمي وكل شيء.

فإعادة الحرية تحتاج إلى ملء النفوس بها والتواصي فيها حتى يطلبها الكل، فلا يجد الدكتاتور ومَن وراءه من الغرب وقواه سبيلاً لإبقاء الدكتاتورية، وبذلك ينسحب الغرب وعملاؤه من الميدان كما انسحبوا من الهند(15) والبلاد التي تحررت من نيرهم.

وحينذاك نتمكّن من أن نبدأ السير نحو التقدم. قال سبحانه:(ولقد كرمنا بني آدم )(16)، ولكن الإنسان في الحال الحاضر في بلاد الإسلام أصبح أقل حرية حتى من الطير والوحش والبهيمة، فإنها تفعل كل ما تشاء لكن الإنسان لا يتمكن أن يفعل حتى عُشر ما يشاء!!.

 

1 ـ وفي هذا يقول سبحانه في سورة الحجرات 13: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) وفي سورة نوح:14 يقول العزيز:(وقدخلقكم أطواراً).

2 ـ سورة آل عمران: 103.

3 ـ سورة النحل: 92.

4 ـ سورة الأنفال: 46.

5 ـ سورة الشورى: 43.

6 ـ سورة فصلت: 34 و35.

7 ـ إشارة إلى قوله تعالى: (وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً) سورة الأحزاب:72.

8 ـ إشارة إلى قوله تعالى: (إن الإنسان خلق هلوعاً) سورة المعارج: 19.

9 ـ إشارة إلى قوله تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر) سورة العصر: 1و2.

10 ـ سورة العصر: 3.

11 ـ إشارة إلى قوله تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص) سورة الصف: 4.

12 ـ سورة العنكبوت: 69.

13 ـ الظاهر ان مراد المؤلف (دام ظله) هو الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رحمه الله = =(1294-1373هـ / 1877-1954م) من فقهاء الشيعة أديب ومؤلف، من كتبه:(أصل الشيعة وأصولها).

14 ـ وهذه نماذج من الإحصاءات:

100مليون دولار قيمة العقود التجارية التي فازت بها شركات سعودية للتأمين تزويد العراق بالغذاء والأدوية.

41 مليون دولار قيمة الصادرات الجزائرية الى العراق بموجب اتفاق النفط مقابل الغذاء.

7 ملايين طن من المواد الغذائية التي وصلت الى العراق بمقتضى اتفاق النفط مقابل الغذاء.

37750 مرة ارتفع فيه سعر السكر بعد الحصار، و1458 مرة سعر الرز، والشاي 1500 مرة، والزيوت 1667مرة، وحليب الأطفال 625مرة.

جريدة الوفاق الاسلامي العدد 116 تاريخ 7/شعبان/1419هـ26/11/1998م

أصبح الدولار الواحد 2000 دينار عراقي تقريباً.!!

المجلة: العدد 987 ص15 تاريخ 10/1/99

15 ـ اشارة الى استقلال الهند عام 1947م بعد مقاومة سلمية ضد الاستعمار البريطاني قادها غاندي.

16 ـ سورة الإسراء: 70.