الفهرس

فهرس المجموعة الثالثة

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الحرب

أسفي على الإنسان، ما أقل بصيرته، وأضيق قلبه، وأوسع حرصه، وأميل عقله!!

أسفي على مواهبه العظيمة، كيف يصرفها؟! وعلى ثقافته الجمة، كيف يحرقها؟! وعلى علومه الكثيرة، أنى يدفنها؟! وعلى مخترعاته الموفورة، أين يقبرها؟!

أسفي عليه، عالماً جاهلاً، وبصيراً أعشى، وغنياً فقيراً، وقديراً عاجزاً!!

ما أقسى قلب الإنسان وأرحمه، وأوسعه وأضيقه، وأرفعه وأوضعه، لا أعجب من هذه الكتلة المؤلفة من لحم ودم وعظم، يحلّق حيناً في الفضاء حتى تخال أنه يناطح الكوكب الزاهر أو سديماً آخر، ثم بعد حين يراه الراءون وقد أسف إسفاف الطائر المهيض حتى لا يكاد يتحرك فكيف بالطيران.

لم يزل العلم يرقى رقياً مدهشاً، حتى خاط الأرض بالسماء والتراب بالماء، وأخذ يركب متن الهواء، كما يركب مناكب الغبراء، نفذ في باطن الذرة ومرق عن مجرة قطرها مليون سنة ضوئية، لكن المؤسف أن علمه انقلب وبالاً عليه، فأخذ يساير (موكب الدمار) موكب الحضارة، بل ذهب أمامه خطوات واسعات.

فإن بنى المستشفيات، وكشف جراثيم عصت على العين منذ زمن سحيق، وعالج القلب بما يكاد يلحق بالمعجز.. وصنع القنبلة الطائرة، والقنبلة الصاروخية التي وزنها - كما قال تشرشل - مائة طن، وبينما أراد علاج مصدوع، دمر مدناً وأناساً.

وبينما اكتشف الكهرباء لراحة يوم أو بعض يوم، ألقى المجروحين والمصابين في فرن من العذاب الأليم.. يرتق فتراً، ثم يفتق شبراً!.

عالم بالذرة، جاهل بمساقط نفعها وضرها، والآلة يستعملها في الضر أكثر من استعمالها في النفع، بصير بمنافع النفط والفحم والغاز، أعشى بموارد استعمالها، فيستعملها بدل جلب الراحة والهناء، للدمار والفناء، غني بالعلم الذي لم يزل يشير إليه بالتقدم، فقير إلى ذكاء يرشده إلى مواقع الحتف.

والأشد ألماً أنه يسقط في تلك سقوط الأعمى في البئر، قدير عجيب في كشف اللثام عن الأشعة السينية، والرادار، والبروتون، عاجز عن أن يحفظ أعصابه تجاه تيار من الغضب، أو الحسد والأنانية، أو حب الظهور والسلطة.

ولو فرض الإغماض عن كل سيئة من سيئات الإنسان على كثرتها وتشعب طرقها، لم يكن للإغماض عن حروبه مجال، الحرب كلمة قصيرة جداً لكنها حملت أضخم المعاني وأقساها، كأن أشعة الرحمة لم تعرف لفؤاد هذه اللفظة أي مسرب، وهذه اللغة بالرغم من قسوتها وجدت في قاموس الدول أرحب مسرح، كأنها لفظة الجنة التي وعد المتقون، فترى أن كبار الدول وصغارها في صف واحد تجاه إثارة مادة هذه الصورة المشوهة، ثم إفراغها في قالب الوجود بمجرد منافسة، أو تجارة، أو كلمة تغضب هذه أو لا تروق تلك.

طالت الحرب بين فرنسا وبريطانية مائة سنة، واستغرقت الحرب العالمية الأولى خمس سنوات، وطوت الحرب العالمية الثانية سبع سنين وكل حرب يعمّ خرابها، ويشمل ضرها، ويهلك البلاد والعباد، ويدمر كل رطب ويابس.

وبعدما نفضت الأرض تراب الحرب العالمية الثانية، اتخذت كل دولة أهبتها لحرب أخرى، فبدلاً من أن تصنع المعامل مواد الغذاء واللباس، والمسكن، ترى أفرانها مستعمرة لصنع الدبابات والقنابل والمدافع!!

عجيب أمر الإنسان جداً، ألسنا كلنا عائلة واحدة، والأرض دار واحدة، والمعادن والنباتات والحيوانات، ومتن الهواء وظهر الماء كلها في خدمة هذه العائلة بدون بخل أو تقتير؟ ألسنا لو عرفنا كيفية الإنتاج من هذه الثروات وكيفية التوزيع بين الأفراد بالعدالة والإخاء، وكيفية الزواج والاستيلاد، لأصبحت كل دولة معمورة بالمال والولد، وعند الله المزيد؟!

إن العلماء قدروا طاقة هذا البشر بما تكفي لجعل غذاء الألفين وخمسمائة مليون من البشر الذين يعيشون فعلاً في هذا الكوكب الأرضي(1) - بطرق التحسين - قدراً يكفي لخمسة عشر ألف مليون.

كما قدروا إمكان تصيير هذه الكمية من الأفراد إلى ستة آلاف مليون، كل ذلك في مدة قصيرة، كما يقوله (آفاق لا تحد).

أليس بعد هذا وذاك يكون من الحمق والسفاهة تبديل هذه الطاقة الخيرة، بطاقة شريرة تجعل الألفين والخمسمائة ألفاً أو نحوه؟! وبهذه النسبة أو برقم أكبر إهباط مرافه العيش؟!

ما أغربك أيها إنسان! تتعجب من وحش يفترس فريسته لشبع بطنه، وتنسب إلى القساوة من لا يمدّ يده إلى فقير أوقعه بؤسه، ثم تصنع قنبلة زنتها مائة طن، تدمر كل شيء، وتفتك بكل أحد، وفيهم المجرم والبريء، والطفل الصغير والشيخ الكبير، والعالم العبقري، والمخترع المقتدر. ولو جمعنا جميع من افترسه الحيوان من أول عمر الأرض إلى هذا الحال لما بلغ عشر معشار ما دمرته حرب، وأهلكته أنانية شرذمة، ابتغاءً السلطة الموهومة.

الحرب بإطار أدبي في سبيل الفضيلة مما لابد منها، لكن هذه الحروب القاسية نسبتها إلى الوحش ظلم للوحش حقاً! أيها الإنسان العاتي كل شيء من أرض وسماء وبحر وماء يمد إليك يد الضراعة ويسألك الكف عن الحرب، الذي أنت نفسك بدورك لا ترى لها مبرراً عقلياً.

يقول الروض: ارحم أشجاري وأطياري، وأزهاري وأنواري، وجداولي وأنهاري، وعشبي وظلي، ومنظري ومخبري..

ويقول البحر: ارحم نباتي وأسماكي، ومعادني وأصدافي، ودري ومرجاني..

وتقول الأرض: ارحم مدني الجميلة، ومناكبي المعبدة، ومناخي اللطيف، وأنسي بمن يعمرني..

ويقول الحيوان: ارحم سابق عهدي، وما استثمرته مني: شائي وبقري، غزالي ويحموري، قطي وكلبي، صادحي وباغمي..

ويقول الإنسان: ارحم قوامي اللطيف، وهندامي الظريف، وعلمي وفهمي، ومخترعي ومكتشفي، وولدي الرضيع، وشيخي الصريع، وتذكر ما أسديته إليك من الرفاه، وما طردته عنك من الأتعاب، أمن النصف أن يقابل الإنسان كل هذه الضراعات بقساوة وأنانية؟

إن الشريعة السماوية: من مجوسية ويهودية ونصرانية وإسلام، والشريعة القانونية، والشريعة الإنسانية كلها تأبى هذه الحروب الوحشية، وكلها تنادي نداءً واحداً ضد الدمار والهلاك في سبيل المزعوم، كلها تقول: أيها الإنسان ارحم نفسك التي بين جنبيك أن تزهقها، وحواسك التي تستعين بها في حوائجك أن تذهب بها، ومنظرك البهيج أن تشوّهه، وسمعتك وتاريخ حياتك أن لا تسمها بسمة العار والشنار، والهمجية والوحشية، ومدنك الأنيقة أن تدمرها، ومصانعك الضخمة أن تجعلها خراباً، ورياضك النضرة أن تجعلها يباباً، وبالجملة - إن كنت إنساناً في ضميرك كما أنت إنسان في صورتك - فلا تفضل برد العدم، ورهبة الموت على دفء الوجود، وألفة الحياة.

ولكن هل تسمع هذه الضراعات روسيا وأمريكا.. وفرنسا وإنكلترا.. وألمانيا وإيطاليا.. وغيرها وغيرها؟!

1- وقد صرحت الإحصاءات الأخيرة بأن نفوس البشر بلغت ستة مليارات، عام 2000م.