الفهرس

فهرس المجموعة الثالثة

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

سوء الأخلاق

من الناس من يستخفّه الغضب، ويستنهضه النصب، ويخرجه الكد عن حاله، والجوع والعطش عن عادته، فتراه - في الأغلب - عابس الوجه كاشراً، وكاسف اللون باسراً، فيتهجّم في وجه زوجه، وينهر ولده، ويجبه صديقه، ويهرّ في وجه وديده، فيكون كما قال الشاعر:

فأقبل مغتاظاً كأني واتر***له ذو كلاح باسر الوجه قاطبه

فإن أصابته سيئة عبس وبسر، وإن ألمّ به مرض كلح واكفهر، وإن نيل منه سبّ وشتم، وإن سأل منه سائل زبره، وإن طلب طالب منه شيئاً نهره، وإن جاع لم يُكلّم، وإن غضب لم يُفهم، يصيح صياح المجانين، ويلغم لغم البعير إذا هاج، فصديقه منه في تعب، وأهله منه في نصب، ولو اقتعد مقعداً رفيعاً، أو صار رئيساً مطاعاً - فالعياذ بالله منه - يلقى مراجعيه ببسارة، ويطرد مرؤوسيه بتجبه، ولو فر منه فار إلى بعض المجاهل، لم يكن ملوماً.

وبالعكس من هذا، الحليم الرزين، والحصيف المتين، والبشوش الضحوك، فأهله يلقون منه بشراً، وأصدقاؤه ظرافة، يتهلل للسؤال، ويهتز فرحاً بالنزال، ويرى الرائي فيه دماثة وبشاشة، والطالب إشراقاً وهشاشة، فنفسه منه في راحة، والناس في كنفه كأنهم في واحة، يكثر صديقه، ويقل عدوه، ويتسع جانبه، ويضأل مجانبه.

ولو سبرنا أغوار الناس لوجدناهم أحد اثنين: إما أن يكون سيئ الأخلاق طبعاً، وهم قليلون وعليهم أن يفكروا في ما تجلب عليهم أخلاقهم هذه، من الويلات، وجشوبة الحياة، ثم يلتزموا البشاشة والتهلل في كل حركة وسكون، وقيام وقعود، وجيئة وذهاب، حتى يكون التخلق خلقاً، والتطبع طبعاً، والفضيلة ملكة، فإن النفس كالصفحة، إذا نقشت فيها عكوس وتصاوير، صعب زوالها، لكنها لو عولجت بأدوية ومحلولات، أزيلت، وأمكن أن ينقش فيها نقش آخر، ويلوّن بلون غير الأول، وربما كان سوء الخلق من جراء مرض، أو ضعف عصب، فاللازم أن يعالجه معالجة المرضى، ويراجع الأطباء.

وأما أن يكون انتحل سوء الخلق انتحالاً، وادعاه ادعاءً، فهو يقطب وجهه، مع أن نفسه بخلاف ذلك، ويسبّ عرسه، مع أن ضميره يخالفه، ويضرب وخلده لا يرضى، ويرفس وفؤاده ينهى، فليعلم أنه لو كان صاحب مقام وجاه، ومنصب ومرتبة، فسوء الخلق لا يرفعه بل يضعه، ولا يُسميه بل يخفضه، ولا يزيده عزاً وشرفاً، ولا رتبة وجاهاً، وكثيراً ما يوجب سوء خلقه إنزاله عن منصته، وزحزحته عن كرسيه، فإنه لا يفتأ مقطباً حتى يملّه مراجعوه، فيسعون في قلعه، كي يجلس مجلسه غيره، ممن يهش ويبش، ويتهلل ويشرق، ويطيب الكلام، ويكثر الاحترام.. وإن كان من أوساط الناس، فليعلم أنه لابد له من العيش بين بني نوعه: من زوج وولد، وصديق وعشير، وحبيب وخليل، وبائع ومشتر، وكلما رأى هؤلاء منه كلاحاً وبسراً، تفرقوا عنه وانفضوا من حوله، فلا يبيع له بائع، ولا يشتري منه مشتر، ويملّه خليله، ويبرم منه وديده، ويستثقله أهله وولده، حتى يصبح فريداً يفر منه حتى ظله، كيوم ولدته أمه، ولو أطاب المقال، واختار الخلق الأمثل، أحبه الناس، قريبهم وبعيدهم، كبيرهم وصغيرهم، فيتألق نجمه، ويكثر أودّاؤه، ويستريح باله، ويقتبل أحواله.. وإن كان من أداني الطبقات، فلا يجمع إلى سفل المحتد، وجهالة الأصل، وخمول الذكر، وسوء الأخلاق، وبذاءة اللسان وقبح الغضب، وسيئ الأدب.

وكما أن رُقيّ الفرد وانحطاطه، بحسن الخلق وضده، كذلك رقي الأمة وانحطاطها بهما، فكل أمه تحسن أخلاقها، وتطيب أعراقها، تكون راقية، تفتخر بها الأمم، ويزدهر بها التاريخ، يقول شوقي(1):

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت***وإن هم ذهبت أخلاقهم، ذهبوا

وكل أمة، تسيء أخلاقها، فهي أمة منحطة، لا يذكرون إلا بسب، ولا يذكرهم التاريخ إلا بحقارة.

شاعر مصري (1868-1932م) بايعه شعراء عصره أميراً للشعراء في القاهرة (1927)، من آثاره: الشوقيات.