الفهرس

فهرس المجموعة الخامسة

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الأخلاق الفاضلة

ربما يظن الظان أن معنى حسن الأخلاق: هو البشاشة مع الناس، ومبادرتهم بالسلام والتحية، والمصانعة والابتسام، والمداهنة والاستسلام، لكن الأمر ليس بهذا الهوان، وليست الحال بهذه السهولة، بل الخلق الحسن شمس مطلعها القلب، وأشعتها منبثة في الجوارح والمشاعر، والخلق الحسن ليس إلا إيفاء كل ذي حق حقه، خالقاً كان أم مخلوقاً، قريباً أو بعيداً، جماداً أو نباتاً أو حيواناً أو إنساناً، ماءً أم تراباً أم هواءً أم نوراً.

الخلق الفاضل: هو أن لا تطلق اللسان في كل مذهب، ولا تلجمه في كل مأتي، فلا تسب ولا تكذب، ولا تغتاب ولا تعيب، ولا تهمز ولا تلمز، ولا تطعن ولا تجرح، ولا تقول هجراً، ولا تأمر نكراً، ولا تهجو أحداً، ولا تتخذ في الكلام ملتحداً، ولا تخوض في أباطيل الكلام، ولا تهدر هدير الحمام، تقول الحق وإن كان عليك، وتحكم بالعدل ولو على الأقربين، وتأمر بالمعروف الحسن، وتنهى عن المحذور القبيح، تختار الصدق ولو ضرك، على الكذب ولو نفعك.

هو أن تحدّ العين في حدها، وتضرب بينها وبين الرذائل بسور، فلا تنظر إلى أحد نظر خيانة، ولا تسرق النظر، وتطالع آيات الكون، وعلامات الحق، وتسرح اللحظ في مجاري الفكر، وتمنع العين عن السوم فيما يورث حسرة، أو يجلب غصة، أو يسبب ألماً، أو يجر مغرماً.

هو أن تزم الأذن بزمام الخير، ولا تطلق سراحها في المقافر المهلكة، فلا تسمع إلى ذم أحد، ولا تصغ إلى عيب، أو نقص، أو كذب، أو بهتان، أو غيبة، أو تهمة، أو كلام باطل، أو صوت لهو، ولا تصيخ إلى وشاية واش، أو لغو حديث، أو ما يفسد قلبك، أو يبتل فؤادك، وتسمع إلى ما ينفعك من الفضيلة والدين، والعلم والثقافة، وتواريخ الكبار، وقصص العظام، والعبر والآثار، والعظة والأخبار.

هو أن تقبض اليد عن السرقة والخيانة، والضرب واللطم، واللهو واللعب، وأخذ الرشا، ونيل المحظور من المنى، وتبسطها نحو الخير والمعروف، والجود والإحسان، تمسح بها على رأس اليتيم، وتحمل بها سلة الأرملة من السوق إلى الدار، وتخدم الإنسانية بيراع أو اختراع، وتنظيف أو تخفيف، لا غش وتطفيف وقتل ونهب وتخريب.

هو أن تستعمل الرجل في العمل للصالح العام، تمشي في حوائج الناس، وتذهب للكد على الأهل والعيال، وتحضر في حفلات الأخلاق والفضيلة، والمدارس العلمية، والمعاهد الأدبية.

هو أن تحفظ القلب - وهو الأساس - عن كل رذيلة مردية، وصفة مهلكة، فلا تنوي الشر، ولا ترائي، ولا ترتاب في الحق، ولا تحسد، ولا تحقد، ولا تضمر العداء، ولا تخفي البغضاء، وتبذر فيه الخير والمعروف، والإحسان والإخلاص، والحب والوداد، والصلاح والرشاد، والشجاعة والجود، والحمية والإنسانية، والشهامة والبسالة.

إن هذا هو الجمال، وهو الأخلاق، وهو الفضيلة، الفضيلة هي أن تعدل، لا أن تبتسم ابتسامة المصانعة والرياء، هي أن تحسن معاشرة أهلك وولدك وسائر من تعاشر.

لا أن تحفظ رطب التاريخ ويابسه، ثم تجلس في المجالس وتحوز قصب السبق في الثرثرة والنقل، والظرافة والطراوة.

لا أن تحسن رفع اليد بالسلام، وكسر الجفون والعيون في المحشد والمجتمع، ثم تكذب ما شاء هواك، وتقع في أعراض الناس ما يوحي إليك كبرياؤك.

لا أن تصانع الزبائن بلسان ألين من الأراقم، ثم تغشهم بقلب تدب عليه عقارب الخديعة والنفاق، ويشير بالبغي والشقاق.

لا أن تصانع في الملاء، ثم تعادي في الخلاء:

أما اللسان فمطلي به عسل***أمــــا القلوب زنابير وحيات

إلى ألوف غيرها، مما يجعله علماء الأخلاق، تحت عمودي الفضيلة والرذيلة، والمساوئ والمحاسن.

وقد انقلبت الآية في هذا العصر، وكأنه وقع زلزال في أبنية الأخلاق، فانتقل ما في قائمة الفضيلة تحت عنوان الرذيلة، وما في قائمة المساوئ تحت عنوان المحاسن، فسمي الجبان محتاطاً، والشجاع مخاطراً، والكرم إسرافاً، والبخل اقتصاداً، والغيرة توحشاً، والاستهتار تمدّناً، واليقين خرافة، والشك حرية، والعفة جبناً، والخلاعة جرأة أدبية، وسمي الصادق أحمقاً، والكاذب ذكياً، والغاش عالماً بالمكسب، والناصح جاهلاً بمقتضى الزمن.

إن من يقرأ في تاريخ الغابرين، أو يطالع في صفحات بعض المدائن: أن هناك أناساً لا يغشون في المعاملة، أو لا يكذبون في معاشرة، أو يرحمون الضعفاء بجمعيات خيرية، أو يكرمون الغرباء بحفلات الحفاوة، أو يدافعون عن نواميسهم وأعراضهم مدافعة الأبطال، أو يمدحون المحسن ويذمون المسيء، يكاد أن يخيل أن تلك من أساطير الأولين، أو خيالات الآخرين، وإن تلك لم تتمتع على هذه الكرة بيوم أو بعض يوم، فهي حكاية عن سكان المريخ، أو قضايا كحكايات: كليلة ودمنة، أو ألف ليلة وليلة.

ولو قدر يوماً أن رأينا بأم أعيننا العدل منبسطاً، والجور منكمشاً، والصدق فاشياً، والأمانة ذائعة، والنصح بادياً، والحلم ظاهراً، والعلم عاماً، والجهل معدوماً، والأخوة شاملة، والعداوة زائلة، والمكر بعيداً، والإخلاص قريباً، والنفاق مدبراً، والاستواء مقبلاً، لرأينا ما يرى الأعمى حين يرتد بصيراً، أو من كان في الظلمة فيستبدل بها نوراً، حيث يرى الأرض الفسيحة، والمروج والرياض، والأشجار والأنهار، والكواكب الزاهرة، والشمس الساطعة، والقمر البازغ، والسماء الزرقاء والألوان الزاهية، والصور الجميلة، والحدائق ذات بهجة، فيخيل إليه أنه انتقل من عالم إلى عالم آخر.

لكن هيهات وأنى؟ وكيف لنا ذلك؟ والجهالة فاشية، والأخلاق زائغة، والقلوب متنافرة، فترى كل واحد يخفي لآخر ضباً، ويضمر له سوءاً، فهذا يعامل ذاك بالكذب، وذاك يبادله بالغش، وكل يرى أن دولاب مصالحه لا يدور إلا بهذه الأخلاق وتلك الأعمال.

لكن لا يأس من روح الله، ولا قنوط من رحمته، ونحن بعد ننظر إلى المصلحين بعين تستمنح منهم الإصلاح، وننتظر من قادة الأمة وكتابها، وعلمائها وساستها، أن يشمروا عن سواعدهم، ويقيموا المعوجّ من النظم، والزائغ من الأهواء، ويرجعوا المتنكّب إلى الطريق وما ذلك على الله بعزيز.