الفهرس

فهرس المجموعة الخامسة

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الحكومة الإسلامية

كانت ممالك المسلمين تحت سيطرة خليفة، يقبضها ويبسطها، ويطويها وينشرها، يأمر فيها ما يشاء ويحكم ما يريد، هو المرجع الأعلى لعامة البلاد الإسلامية، والقمة التي تنحدر منها سيول الأوامر والأعطيات والمناصب والعقوبات، لا يفرق في ذلك شرقها وغربها وشمالها وجنوبها، برها وبحرها، سهولها وجبالها، مدنها وقراها، وأريافها وصحاريها، فكان يخاف جانبه البعيد، كما يخاف سطوته القريب، ويتصرف في قاصيها، كما يتصرف في دانيها، وإن ثار ثائر، أو غلب متغلب، أرسل إليه من يخمد ناره، ويطفي ثورته، حتى يكون مصير المخالف مصير أم عمر التي ذهب بها الحمار، فكانت خيوط السياسة والاقتصاد والمعارف والزراعة وما إليها معقودة بأصابع الخليفة، إن شاء أرسلها وإن شاء مدّها، ولم تكن الرقعة التي يحكم عليها قليلة، فإن المسلمين كانوا يتربعون على أكبر إمبراطورية في العالم، وقد امتدت هذه الخلافة ثلاثة عشر قرناً وانتهت إلى محمد السادس من سلاطين آل عثمان، ولم يكن يضر الإمبراطورية العامة انشعاب المسلمين في فترات، فإن الانشقاق مهما كان، فإن الصلة الإسلامية لم تكن واهية، والأخوة المحمدية كانت تجمع بين الخليفتين، أو الملك والخليفة بأواصر ربما كانت أشد من أواصر الرحم، فيرى كل فريق أن في علو صاحبه علوه، وفي انحطاطه زميله انحطاطه.

والمحور الأساسي في كل هذه المدة الطويلة - في الجملة - القرآن الحكيم، والسنة النبوية، وإن اختلف المستفيدون في كثير من الفروع، بل وفي بعض الأصول فإن ذلك كان كاختلاف أهل بيت واحد في المسلك والآراء لا يوجب قطع علائقهم.

وجملة القول: إن الاختلافات المذهبية، أو الطائفية لم تكن بالأمر الكثير من حيث الإمبراطورية العامة، والمكانة المرموقة العالمية التي فاز بها المسلمون ببركة رسول الإسلام (صلّى الله عليه وآله)، ولذا كان طرفا خيط النزاع يجتمعان - في أحيان كثيرة - لحل مشكلة جامعة، أو دفع نكبة من النكبات التي تواجه البلاد الإسلامية، ومن أروع الشواهد لذلك ما كان يفعله أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بالنسبة إلى من تقدمه من الخلفاء، فإنه ما كان يألو جهداً في حل مشاكل الأمة علمياً وسياسياً وغيرهما، كما أنهم يرجعون إليه في غير واحد من القضايا بالرغم من سعة الشقة بينه وبينهم في مسألة الخلافة.

وقد تمتع المسلمون بأول إمبراطورية في العالم، إذ الكون قبل بزوغ شمس الإسلام كان يعرف حكومتين فحسب، إمبراطورية الفرس، وإمبراطورية الروم، أما الأولى فقد ذابت في الإمبراطورية الإسلامية، فصارت إيران مسرحاً من مسارح المسلمين، لها ما لمصر والعراق والشام وغيرها، وعليها ما عليها، ولم تبق إلا الثانية، وقد ضؤلت وتبع كثير من مدنها إلى إمبراطورية المسلمين، فكان المسلمون آنذاك كالنجم الزاهر في السماء، لا تنالهم أيدي العابثين، ولا تعيث في أراضيهم أرجل الخائنين.

ثم أخذت شمس عزهم قبيل النصف الأول من هذا القرن في الأفول فأخذ الغرب والشرق يغزون بلاد المسلمين قطعة فقطعة، حتى أنهكوهم، وجعلوا يشنون عليهم الحروب حتى لم يبق لهم مجال الدفاع، فطفقوا يتدخلون في أمورهم من وراء الستار، حتى مزقوهم كل ممزق، وبذلك انمحت من خريطة الدنيا هذه الإمبراطورية العظيمة، وأخذت مكانها دويلات صغيرة لا تملك لأنفسها شيئاً، كان ذلك أمر المسلمين، ثم صار هكذا حالهم.

وفي هذه الآونة الأخيرة، أخذت البلاد الإسلامية تنتفض كانتفاض العصفور، وقد ظهر بذلك للناس بصيص من الأمل، لا يدري ما نوى له الزمان من الإشعاع أو الخمود.

والذي أرى أن المسلمين إن عملوا أمرين، فازوا ورجعت العزة والإمبراطورية إليهم، وإلا كانت الانتقاضات أشبه شيء بانتقاضة العصفور بين صقرين، فإنه يسلم بينهما مادام التنازع والتخاصم، أما لو اتفقا، أو صارت الغلبة لأحدهما، فمصير العصفور برد العدم.

أما الأمران اللذان ارتأيت ضرورتهما بهذا الشأن فهما: تقارب هذه الدول بعضها من بعض وذلك بتكوين وحدة عامة تشمل الدول كلها، وأن تتمتع كل واحدة باستقلالها تحت هذه الوحدة، حتى تكون حال دول المسلمين، حال دار واحدة، حيث يتمتع كل فرد من أهاليها باستقلاله الذاتي في أكله وشربه وقومته وقعدته، وكسبه وأصدقائه، ومع ذلك يربطه بسائر أفراد أسرته رابطة الوحدة، ودخولهم جميعاً في ظل أب واحد، وأحضان أم واحدة، وألفة قوية، ووداد جامع. وجعل القانون الأساسي لهذه الدول المتحدة هو القرآن والسنة، بحيث يكونان مدار الأحكام الاجتماعية والانفرادية، والأخذ والعطاء، والتحابب والتباغض، كما كان في الإمبراطورية الإسلامية السابقة.

ومن المغالطة ما يلهج به بعض المثقفين من أن الإسلام لزمن غير زمن الذرة، إن هؤلاء إما لم يدركوا حقيقة الأمر، أو يتعمدون في انتحال الجهل، هل أن كون الإسلام ذا حكومة قوية تضم بين جناحيها ستمائة مليون من المسلمين(1)، تعمل على نهج القرآن والسنة، في التجارة والسياسة والعقوبة والتربية والتعليم وما إليها، ينافي الكهرباء، والطائرة، والرادار، والذرة، والسيارة، والغواصة، وما إليها.. الإسلام روح ومعنوية، وسياسة وقصاص واقتصاد، وأخلاق وآداب وفضيلة، والمذكورات مادة، وكشف واختراع، ولا يكون بين الأولى والأخرى أي نزاع، وأية مخاصمة.

تبديل القانون المدني، بقانون ديني، أبسط من أن يقع فيه حوار، أو يقال بأنه ينافي العلم أو الذرة، إن ألمانيا تطبق على مدنها قانوناً غير قانون فرنسا، وفرنسا تطبق على ممتلكاتها قانوناً غير قانون إنكلترا، وهكذا بالنسبة إلى إيطاليا، وأمريكا، والسوفيت، والهند، وغيرها فليكن قانون الإسلام مطبقاً في البلاد الإسلامية.

أوغل الغرب والشرق في البلاد الإسلامية، وقلّد المسلمون أولئك ولا تزال أدمغتهم مكهربة بمزاعمهم الاستعمارية، ولذا يرى بعض المسلمين، الإسلام ينافي العلم والعصر، ولو قيّض الله الحكومة التي ذكرناها، لرأوا أن الأمر لم يكن كما زعموا.

الإحصاءات الأخيرة تؤكد على أن المسلمين بلغوا المليارين عام 2000م.