الفهرس

فهرس المجموعة الخامسة

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الأدب

إن من أفضل الحسب الأدب، فهو كنز لا ينفد، وبئر لا تنزف، وعين لا تنضب، ونجم لا يغيب، وكمال لا يزول، وفضيلة لا تدانيها فضيلة، ولو اعتبر الأدب معتبر ساتر للعيوب، كان من الصواب بموقع، وليس الأدب خاصاً بحالة دون حالة، أو زمان دون زمان، أو مكان دون مكان، بل تجري الآداب في الأقوال والأفعال، ونظرة العين، ولفتة الجيد، وأسلة اللسان، ومرعف اليراع، وجلسة الندوة، ونوم الليل، ويقظة النهار، وحركة الأصابع، ومراودة المجامع.. وأقرب مثل للأدب: العقل، فكما أن العقل يتدخل في كل شيء، فينظمه، ويجري في كل حركة وسكون، فينسقهما، كذلك الأدب.

الأدب في الناظرة: أن لا تسيمها في كل منتدى وندوة، ومجلس وجلسة، والرياض الزاهرة، والمآسد الفاغرة، وأن لا تقحمها في كل دار من الكرة والباب، وتهاجم بها على البدن العاري والجسم البارز، وأن لا تخطف بها الصور المستورة، ولا تختلس ما يوجب حسرة، ويعقب ندامة.

والأدب في السامعة: أن لا تصغي إلى سر مكتوم، أو نجوى مرموز، ولا تستمع إلى كلام يورثك هيجاناً، أو يجر إليك محناً وأشجاناً.

والأدب في اللافظة: أن لا ترمي بها الأبرياء، ولا تنال من أعراض الشرفاء وأن لا تجعلها كالكلب العقور يعض كل مجرم وبريء، ونذل وسري، وأن لا تطلقها حيث ينبغي التقييد، ولا تقيدها حيث يرجح الإطلاق.

والأدب في الباطشة: أن لا ترسلها إلى أموال الناس، أو تعين بها باطلاً، أو تخط بها سماً زعافاً، أو تبطش بها في غير مورده.

والأدب في المجمع: أن لا تبصق ولا تمتخط، ولا تجلس جلسة كبر وخيلاء، وفتور واتكاء، ولا تتكلم أثناء كلام أحد، ولا تلمز وتهمز، ولا تشير بعين، ولا تقلد بيد أو رجل أو وجه أو حاجب.

والأدب في العائلة: أن لا تأمر ولا تنهى، ولا تصيح ولا تعيب، ولا تغضب للتوافه، ولا تقطب ولا تزعج، وأما البطش باليد والرفس بالرجل، فهما من أعمال الحمر والثيران، لا العقلاء من بني الإنسان.

والأدب في الأكل: أن لا يلفظ النواة وما أشبه من فمه لفظاً، وأن لا يأكل من أمام رفاقه، وأن لا يكبر اللقم، وأن يحفظ فاه حتى لا يسمع صوت مضغه.

والأدب في مجلس الدرس: أن لا يثرثر، ولا يجادل، ولا يناقش كثيراً، ولا يلهو بشيء.

والأدب في العشرة: أن يزور الصديق والغريب، ويحترم الكبير والصغير، ويحفظ لسانه عن نيل أخلائه، ولا يحمل عبأه على وديده.

والأدب في الكتابة: أن لا يباهي ولا يماري، ولا يسب ولا يتضجر، ولا يصعد مرة إلى السماء وينزل أخرى إلى قعر الماء، ولا يبالغ في المدح، ولا يغرق في الذم، ويجعل رائده الصدق والأمانة، لا الأجرة والتعصب.

والأدب في النوم: أن لا يقله ولا يكثره، ولا يغطّ.

والأدب في التجاور: أن لا يؤذي جاره، ولا يلقي قمامته عند داره، ويزوره في الأوقات المناسبة.

إلى غير ذلك من الآداب في الغسل والكنس، والأخذ والعطاء، والسفر والحضر، والأمر والنهي، والزواج والاختتان، والبيع والشراء، وما إليها..

والأدب في الغالب منبعه أحد أشياء ثلاثة: إما النفس المؤدبة التي تكون بطبيعتها ذات أخلاق وآداب، وفضيلة وعدالة، وأما مصاحبة ذي أدب جم، وملكة رفيعة، وإما الإكثار من مطالعة كتب الآداب، وتطبيقها مع الخارج.

وربما يستفاد الأدب، ممن لا يتأدب، فإن الإنسان إذا نظر إلى القميء البذيء الوسخ السخيف، لا يبرح حتى يستنكر فعله، ويزدري عمله، وينظر إلى فاعله نظر احتقار وتصغير، وبذلك يدرك نقص العمل وأنه ينبغي أن يتجنب، ويفيده ذلك الأدب..

فإنك إذا نظرت الرجل القاذورة، تنفرت منه نفسك، وعلمت أن مثله ينبغي أن يحتقر، فتترك القذارة إلى حسن الخلق، وإذا نظرت إلى الثرثار، أدركت قبح الثرثرة، وحسن الصمت، واكتسبت بذلك الصمت، وهكذا، ولذا قال (بوذرجمهر) الحكيم حين سئل منه: عمن تعلمت الأدب؟ قال: (عمن لا أدب له) وما أعظمها من كلمة، بل يمكن أن يقال: أن هذا النحو من الاكتساب أفضل، من الأنحاء السابقة، إذ في تلك الأنحاء إنما يدرك الإنسان الفضائل صورة، وفي هذا يدركها عملاً، فكم فرق بين من يعرف أن خلف الوعد قبيح، وبين من وعده شخص بشيء، ثم انتظره في إبان حاجته، فأخلف، وهكذا..

ولو داوم الإنسان على الأدب، وقهر نفسه عليه مدة من الزمن، لم يلبث أن يعلق الأدب بذهنه، علوق الشجاعة بنفس الشجاع، والكرم بروح الكريم، فيكون ذا أدب رفيع، لا يتدخل في شيء إلا تدخلاً أدبياً، ولا يخرج من شيء إلا خروجاً أدبياً، ويكون قدوة للمتأدبين، ومثالاً فذاً للمطالبين، وكتاباً متحركاً للأخلاق والآداب.

وليعلم: أن كثرة مراعاة الأدب، ككثرة الكرم، والشجاعة، وغيرهما من الصفات الجميلة، ربما تنقلب إلى الضد، فكما يكون الإفراط في الكرم إسرافاً، والإفراط في الشجاعة تهوراً، يكون الإفراط في الآداب، قيداً وسفهاً، فإن من يجلس جلوس أدب ونزاهة، في خلواته جلوسه في النوادي، كان أقرب إلى السخف من العقل، ومن لا يتعلم السباحة لكونها منافية للوقار، أقرب إلى السفه من الحجى، فلكل شيء مقام، ولكل موضوع محل، والشيء إذا جاوز حده انقلب إلى ضده.