الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

خاتمة(1)

وفي هذه السنوات التي أُخرجنا نحن من العراق ظلماً بسبب حزب البعث إلى الكويت(2)، وبعد ذلك ضغط علينا حتى خرجنا من الكويت إلى قم المشرفة، نرى أن البلاد الإسلامية كلّها موزعة ومبعضة ومجزأة ولا أحد ينقذها من هذا التبعيض والتجزئة..

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنمّا مثل المؤمنين في توادهم وتحابهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى عضو اشتكت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى) (3).

بينما لا نرى اليوم من ذلك أثراً مطلوباً، فقد جزئت البلاد بحدود مزيفة مصطنعة، كما أخذت القوميات تجزئ المسلمين بشكل آخر..

وقد تُركت الآيتان المقدستان المباركتان:

حيث قال سبحانه: (وإنّ هذه أمتّكم أمّة واحدة)(4).

وقال تعالى: (إنمّا المؤمنون أخوة)(5) .

فلا ترى الأخـــوة الإسلامية، وإنــــماّ العراقي في إيـــران أجنبي، والإيراني في العراق أجنبي، وكلاهما في مصر أجنبي، والمصري فيهما أجنبي.. وهكذا.

 والغريب في الأمر أن الكثير من المسلمين هم بأنفسهم يسيرون في هذا المسير الذي أحدثه لهم الكافر المستعمر من الخارج، ويصرون على القوانين التي وضعت على خلاف الكتاب والسنَّة.

وفي كثير من البلاد نرى: الربا، والزنا، والقمار، والضرائب التي لم ينزّل الله بها من سلطان، والحدود المصطنعة، والجمارك المحظورة شرعاً.

وسائر القوانين الإسلامية أيضاً مبدلة ومغيرة إلاّ ما شذ وندر في بعض المدن بالنسبة إلى بعض القوانين..

ونار الحرب مشتعلة في البلاد الإسلامية.

فأفغانستان احتلها الروس واشتعلت فيها حرب ضارية، قتل فيها إلى الآن حسب التقارير أكثر من مليون مسلم، وشرّد أكثر من خمسة ملايين، والسجون ممتلئة بما يقرب المليون، كما يخبرنا الثقاة والصحف والجرائد والمجلات والإذاعات وغيرها.

وهذا بعد ما استحل الروس قسماً من بلاد الإسلام والتي كان بعضها جزءاً من إيران في الزمان السابق كأرمنستان وطاجكستان وتركمنستان وآذربيجان وقرقيزستان وقزاقستان، بما فيها من الأراضي الوسيعة الفسيحة، والمدارس والمؤسسات..

وقد هدّموا الحوزات العلمية والمساجد والحسينيات وسائر محلات العبادة .. وأذاقوا المسلمين الذلّ والهوان.

 كما أنّ لبنان اغتصبها المسيحيون.

 وفلسطين اغتصبتها اليهود.

 ونار الحرب مشتعلة في مصر والأردن ولبنان و..

وكذلك الحرب قائمة على قدم وساق في الحدود الإيرانية العراقية، وقد ذهبت ضحيتها في ثمانية سنوات أكثر من مليون قتيل وجريح ومعاق.

كما أن الحرب قائمة في كردستان الإيرانية العراقية بين الإيرانيين والعراقيين والأكراد.

وكذلك الحرب قائمة على قدم وساق في بلاد (أرتريا) وفي بلاد (مورو) وفي غيرها.

ومع كل ذلك فلا شك في أن تجزأة هذه الدول وقوانينها المستوردة حالة اصطناعية فرضها الكفار الغربيون والشرقيون على الأمة الإسلامية.

الأخوة الإسلامية

 والأخوة الإسلامية شأن من شؤون الأمة لا يحق لأيّ من الدول الكبرى أو الصغرى أو الأفراد تفتيتها، فإنها فريضة عظيمة كالصلاة والزكاة وغيرهما .

فان الدولة الإسلامية الكبرى التي أسسها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ثم تبعه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بما فيها من تطبيق الأخوة الإسلامية وسائر الحكام الشرعية سببت بقاء المسلمين على إسلامهم ودينهم.

أمّا إذا ساد فيهم التفرقة، فإن الكافر المستعمر يسيطر عليهم بمايذهب دينهم ودنياهم كما حدث فعلاً.

من حق المسلمين

 وإن من حق المسلمين أن يهتموا لتحرير بلادهم وتوحيدها والتخلص من نفوذ الكفار الذين أمر اللـــه سبحانه وتعــــالى بالابتعاد عنه، فـــقال سبــحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومـــن يتولــهم منكم فإنه منهم)(6).

 وقال تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء)(7).

سياسة الكفار

ومن الواضح، إنه لم يتقهقر الكفار عن سياستهم إلى الخلف منذ دخلوا البلاد الإسلامية، بل غيرّوا تسمياتهم وبقيت سمة العنف حاضرة باستمرار.

فلم تتوقف الأنهار التي أجروها من الدماء الإسلامية ، ولاموجة التشريد التي صنعوها في البلاد الإسلامية..

فقد شرّدوا أكثر من ثلاثة ملايين من المسلمين الذين كانوا في العراق إلى إيران والباكستان والخليج وسوريا ولبنان وغيرها.

ولم يتوقف الضغط من الكفار على المسلمين، الشرقيين منهم والغربيين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فقد دخل الكفار إلى هذه الديار بالضغط والقوّة وجزّؤوها وفرضوا قوانين غير إسلامية على البلاد ومخططات كافرة لإذلال المسلمين بالقوة والقهر والبطش، ولم يرحلوا عنها.

وإن رحلوا عن بعضها صورياً وعسكرياً، فإنهم يسارعون إليها فيها فكرياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وغيرها.

وقد صنعوا العملاء في أكثر بلاد الإسلام أو كلها في أغلب الحالات، وعند الرحيل الصوري لم يرحلوا إلاّ بعد أن أسالوا فيها دماء الأبرياء وفرضوا الاتفاقيات التي تسمح لهم ببقاء القواعد العسكرية أو بعودة قواهم متى أرادوا.. وأساطيلهم لم تبرح البحار الإسلامية والمحيطات المطلة على الشواطئ.

وقد أقاموا في قلب البلاد الإسلامية في الشرق الأوسط دولة إسرائيل باعتبارها القاعدة العسكرية الدائمة، وأوكلوا إليها جزءاً كبيراً من ممارسة العنف وإدامته لحساب الغرب والشرق تارة ونيابة عنهما تارة أخرى ولحسابهما المشترك في أغلب الحالات، فانسحبت القوى الغربية والشرقية في خط النار الثاني بعد أن تصدر الجيش الإسرائيلي خط النار الأول منذ خمسين سنة تقريباً حين أُدخلت إسرائيل هذه البلاد عنوة، وبالأخص منذ ستة وثلاثين سنة منذ أعلنت إسرائيل دولتها الغاصبة.

ولا تتردد الدول الكافرة من دخول البلاد الإسلامية عنوة وعلناً حيث ما يرون أن مصالحهم تضعف في هذه البلاد ويأخذ الوعي الإسلامي يتصاعد، كما حدث في (مصر) من قبل القوات الفرنسية البريطانية الإسرائيلية في عام (1376)هـ..

وفي (لبنان) من قبل القوات الأمريكية الإسرائيلية (في عام 1982م)..

وفي (الأردن) من قبل القوات البريطانية في عام (1378) هـ ..

وكما يحدث الآن في لبنان وسيناء من قبل القوات الأمريكية والمتعددة الجنسيات.

 كما إن الاجتياح السوفيتي لأفغانستان في عام (1400هـ) يؤكد أن مرحلة اجتياح الديار الإسلامية بالجيوش والسيطرة عليها بالعنوة والعنف لم تذهب مع اقتراب القرن العشرين الميلادي من نهاياته، وإن مسألة الأمم المتحّدة وغيرها ليست إلاّ لأجلهم لا لأجلنا نحن المسلمين، وكذلك منظمات حقوق الإنسان وغيرها من الأساليب الماكرة.

نسأل الله سبحانه وتعالى إنقاذ الأمة بفضله وكرمه وببركة محمد (صلى الله عليه وآله) وآله الطاهرين (عليهم السلام) ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم، وإنّا لله وإناّ إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين(8).

 

قم المقدسة  

محمد الشيرازي

 

 

1 ـ طبع هذا المقطع في موسوعة الفقه: ج79 كتاب الشفعة ص468 الى ص472.

2 ـ خرج الإمام الشيرازي من العراق في تاريخ 18/شعبان/ 1391هـ .

3 ـ راجع بحار الأنوار: ج58 ص150 ب43 ح29، وفيه: (مثل المؤمن في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد اذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى).

4 ـ سورة الأنبياء: 92.

5 ـ سورة الحجرات: 4.

6 ـ سورة المائدة: 51.

7 ـ سورة آل عمران: 28.

8 ـ انتهى الإمام المؤلف (دام ظله) من كتابة هذه الخاتمة في تاريخ 7 رجب 1404هـ.