الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

إقامة الدولة الإسلامية

ولا يخفى انه إقامة الدولة الإسلامية واجبة ، وقد أشرنا في مبحث سابق إلى لزوم الاهتمام لأجل قيام حكومة إسلامية عالمية تضم كل المسلمين، في حكومة انتخابية مرضية لله سبحانه.

وربما يستشكل على ذلك بأن بعض الروايات تدل على عدم امكان تحقق حكم إسلامي قبل ظهور الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

والجواب: إن الروايات الواردة بهذا الشأن لا تدل على عدم لزوم السعي لإقامة الدولة الإسلامية، وعلى هذا لابد أن تحمل على أحد محامل أربعة:

1ـ التقية، حيث أنهم(عليهم السلام) أرادوا الحفاظ على أنفسهم وعلى شيعتهم لتبقى جذور المقاومة حية، قال سبحانه:(الا أن تتقوا منهم تقاة)(1) وقال (عليه السلام): (التقية ديني ودين آبائي) (2).

2ـ أو المراد الحكومة العالمية الإسلامية لكل أهل العالم، فإنه لاتتسنى إلا للإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

3ـ أو المراد إجراء العدالة الواقعية، حيث أن الإمام (عليه السلام) يعلم الواقع دون غيره، وإنما غيره يعمل حسب ظواهر الأدلة.

4ـ وإما المراد من يدعو إلى نفسه فلا تكون حكومة تدعو إلى القيادة الواقعية التي هي قيادة من عيّنه الله سبحانه للحكم العالمي.

أو ما أشبه ذلك من الوجوه..

ويؤيد ما ذكرناه: أن ثلاثة من الأئمة (عليهم السلام)(3) دعوا للمختار (رحمه الله)(4) ، وقد حكم زهاء خمس سنوات على شرق العالم الإسلامي، فهل كان حكمه باطلاً؟

وهل الأئمة (عليهم السلام) يدعون لحاكم باطل؟

بل وكان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يسميه بـ (الكيّس) (5) ، وهل الذي يحكم باطلاً يكون كيّساً بنظر الإمام (عليه السلام) ؟!

وإن علماء كبار لا يشك بفقههم وعدالتهم، أمثال الناصر(6) والرضي(7) والمرتضى(8) والمفيد(9) (رحمهم الله) كانوا من أصدقاء الدولة البويهية(10)..

والعلامة الحلي (رحمه الله) (11) كان من أعوان (خدابنده) (12).

والمجلسيان(13) والشيخ البهائي(14) والميرداماد(15) (قدس سرهم) ومـن

أشبههم كانوا من أنصار ووزراء الدولة الصفوية(16).

وكاشف الغطاء (رحمه الله) (17) أعطى الوكالة لبعض القاجاريين(18).

والشيخ محمد تقي الشيرازي (رحمه الله) (19) أقام الدولة الإسلامية في العراق، بعد أن طرد الانكليز، إلى غير ذلك..

 وهنالك روايات تؤيد ما ذكرناه:

ففي الكافي في خبر صحيح عن العيص ابن القاسم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وانظروا لأنفسكم فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها، والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الأخرى باقية فيعمل على ما قد استبان لها، ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة، فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم..

إن أتاكم آت منّا فانظروا على أي شيء تخرجون؟ ولا تقولوا خرج زيد فان زيداً كان عالماً وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد (صلى الله عليه وآله) ، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه، فالخارج منّا اليوم إلى أي شيء يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله) ؟ فنحن نشهدكم أنّا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم، وليس معه أحد، وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منّا إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه..

فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه إذا كان رجب، فاقبلوا على اسم الله عزوجل، وإن أحببتم أن تتأخروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعل ذلك يكون أقوى لكم، وكفاكم بالسفياني علامة ) (20).

فإن هذا الصحيح يدل على صحة قيام زيد (رضوان الله عليه) لأنه كان قيامه لله وكان يدعو إلى الإمام (عليه السلام) ، بخلاف من كان قيامه لا لله ولا يدعو إلى الإمام (عليه السلام) ، كدعاة العباسيين، والتعريض بهم في هذا الحديث، واجتماع بني فاطمة يتحقق برضا الإمام (عليه السلام) وان لم يجتمع سواه ـ كما ذكروا في باب الاجماع ـ، والظاهر أن أمر الإمام(عليه السلام) بالتأخير إلى شعبان وشوال لأجل أن يتبيّن الأمر لهم بأن الدعاة لا يدعون إلى الامام (عليه السلام).

وأخير الحديث: تسلية لهم بأنهم ـ المعاصرين للإمام (عليه السلام) ـ حيث تفوتهم الدعوة، لأنه لا دعوة في ذلك الحال إلى الامام العدل، فانهم سيدركون الإمام المهدي (عليه السلام) ويقومون معه.

وفي رواية أخرى عن العلل عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا أتاكم منّا آت ليدعوكم إلى الرضا منا فنحن ننشدكم أنا لا نرضى انه لايطيعنا اليوم وهو وحده وكيف يطيعنا إذا ارتفعت الرايات والأعلام..؟) (21).

 كان ظاهره: إن المانع أنه لا يدعو إلى الإمام ولا يطيع الامام، أما إذا كان بخلاف ذلك فان دعوته صحيحة واتباعه صحيح.

وعن عيون الأخبار عن ابن أبي عبدون عن الإمام الرضا (عليه السلام) في حديث، أنه قال للمأمون: (لا تقس أخي زيداً إلى زيد بن علي(عليه السلام) فانه كان من علماء آل محمد (صلى الله عليه وآله) غضب لله فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله، ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر (عليهما السلام) أنه سمع أباه جعفر بن محمد بن علي (عليهم السلام) يقول: رحم الله عمي زيداً إنه دعا إلى الرضا من آل محمد(صلى الله عليه وآله) ولو ظفر لوفى بما دعا إليه، لقد استشارني في خروجه فقلت له: يا عم إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك ـ إلى أن قال: ـ فقال الرضا(عليه السلام): إن زيد بن علي لم يدع مــا ليس لــه بحق وإنه كـــان أتقى للـــه من ذلــك، إنه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله)) الحديث(22).

وعن ابن إدريس في آخر السرائر ـ بسنده إلى رجل ـ قال: ذكر بين يدي أبي عبد الله (عليه السلام) من خرج من آل محمد (صلى الله عليه وآله) ، فقال: (لازال أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، ولوددت أن الخارجي من آل محمد (صلى الله عليه وآله) خرج وعليّ نفقة عياله)(23).

أقول: ولعل قدح الإمام (عليه السلام) لزيد أخيه أمام المأمون كان تقية، كما يؤيده خبر السرائر وما ورد من أنهم (عليهم السلام) كانوا ينتقصون أصحابهم خوف العثور بهم، ويمثلون بالسفينة التي عابها خضر (عليه السلام) لئلا تؤخذ من قبل الملك الظالم..

ويؤيده قول الإمام (عليه السلام) في شهداء فخ، وأن الانصار لم يفوا بما وعدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنهم لو كانوا خرجوا بغير حق، فهل كان للأنصار أن يساعدوهم؟ أو كان اللازم الاجتناب عنهم؟

وكذلك يؤيده أشعار دعبل بمحضر الإمام الرضا (عليه السلام) من (شهداء كوفان وفخ وجوزجان)(24) ،فان تقرير الإمام الرضا(عليه السلام) دليل على صحة خروجهم، والا فهل كان الإمام الرضا(عليه السلام) يؤيد لو ذكر أبا مسلم وأبا سلمة وغيرهما من الذين خرجوا على بني أمية؟ هذا بالاضافة إلى أمثال هذه الروايات(25).

وعن يحيى بن الجندل عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: (رجل من أهل قم يدعو الناس إلى الحق، يجتمع معه قوم كزبر الحديد، لاتزلهم الرياح العواصف، ولا يملّون من الحرب ولا يجبنون، وعلى الله يتوكلون، والعاقبة للمتقين) (26).

كل ذلك بالاضافة إلى أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما أشبه.

 

1 ـ سورة آل عمران: 28.

2 ـ وسائل الشيعة: ج11 ص465 ب24 ح24.

3 ـ وهم: الإمام زين العابدين والإمام الباقر والإمام الصادق (عليهم السلام)، ففي الخلاصة: ص168 ح2: ( إن الصادق (عليه السلام) ترحّم على المختار).

وفي بحار الأنوار ج45 ص386 ب49 ح16: (بعث المختار رأس ابن زياد الى محمد بن الحنفية فدعا للمختار، ثم بعثه الى الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) فادخل عليه وهو يتغدى فسجد شكراً لله تعالى، وقال: الحمد لله الذي أدرك لي ثاري من عدوي وجزى الله المختار خيراً، ادخلت على عبيد الله بن زياد وهو يتغدى ورأس أبي بين يديه، فقلت: اللهم لا تمتني حتى تريني رأس ابن زياد).

وفي رجال الكشي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (لا تسبوا المختار فإنه قتل قتلتنا وطلب بثأرنا وزوّج أراملنا وقسم فينا المال على العسرة).

وفيه أيضا: ص125 ح199: قال أبو جعفر (عليه السلام) لابن المختار: (رحم الله اباك رحم الله أباك ما ترك لنا حقاً عند أحد إلا طلبه قتل قتلتنا وطلب بدمائنا).

4 ـ هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي (1ـ67هـ) من أبرز أعماله ثورته على السلطة الأموية (64هـ) والانتقام من قتلة الإمام الحسين (عليه السلام).

5 ـ راجع رجال الكشي: ص127 ح201، وفيه: (عن الأصبغ بن نباتة قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يمسح رأسه ويقول: يا كيّس يا كيّس).

6 ـ ربما يكون المراد بالناصر : الحسن بن علي الملقب بـ (الناصر للحق) (ـ304هـ)، وهو الجد الأمي للسيدين الشريفين الرضي والمرتضى، اما الجد الأبوي فهو الطاهر ذي المناقب وقد كان صاحب منزلة في الدولة البويهية.

7 ـ الشريف الرضي: (359 ـ 406هـ) هو محمد بن الحسين بن موسى، من أكبر علماء الشيعة وكان شاعراً بارعاً أيضا، جمع كتاب نهج البلاغة للامام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

8 ـ الشريف المرتضى: (355 ـ 436هـ) هو علي بن الحسين بن موسى، له حوالي 88 كتاباً منها (الشافي) في الإمامة و(الذخيرة) في الكلام.

9 ـ الشيخ المفيد: (336 ـ 413هـ) هو محمد بن محمد بن النعمان الحارثي البغدادي المعروف بابن المعلم، استاذ الشريفين الرضي والمرتضى، انتهت إليه رئاسة متكلمي الشيعة.

10 ـ البويهية: دولة شيعية نسبة إلى احمد بن بويه (303 ـ 356هـ) الذي= =استولى على العراق عام 334هـ، ومن أعماله ان أمر بإقامة مآتم الإمام الحسين علناً (352هـ).

11 ـ العلامة الحلي: هو حسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي ( ـ 726هـ) من أكبر علماء الشيعة وصاحب التصانيف الكثيرة.

12 ـ خدابنده: هو السلطان محمد أولجاليتوخان خدابنده (680ـ 716هـ) أصبح شيعياً بعد حوار دار بين علماء الفريقين وفي حضوره، فكان معظّماً لعلماء الشيعة. (اعيان الشيعة: ج9 ص120 الفقرة 223).

13 ـ محمد باقر المجلسي: (1037 ـ 1110هـ) وله فضائل كثيرة من جملتها: انه استكمل شرح الكتب الأربعة التي عليها المدار في جميع الأعصار وسهّل الأمر في حلِّ مشكلاتها وكشف معضلاتها. وجمع أحاديثنا المروية في مجلدات بحاره الذي يبلغ (110) مجلداً. وأقام الجمعة والجماعات وقام بتشييد مجامع العبادات. وكان قد تصدى للفتاوى وأجوبة مسائل الدين التي كان ينتفع بها المسلمون. وكان يهتم بقضاء حوائج الناس وإعانته إيّاهم.

محمد تقي المجلسي: ( ـ1070هـ): وهو عالم فاضل مقدس من تلامذة الشهيد الثاني وله شرح بالعربية والفارسية على كتاب من لا يحضره الفقيه وهو أول من نشر الحديث في الدولة الصفوية بإصفهان. (الكنى والألقاب: ج3 ص150)

14 ـ البهائي: هو محمد بن حسين عبد الصمد العاملي الجبعي البهائي (953-1031هـ).

15 ـ هو السيد محمد باقر ابن المير شمس الدين محمد الحسيني الاسترابادي المعروف بالمير داماد ( ـ 1041هـ) من كبار علماء الشيعة وكان فيلسوفاً رياضياً= =متقناً لجميع العلوم الغربية وكان معاصرا للشيخ البهائي.

16 ـ الصفويون: سلالة شيعية حكمت إيران وساهمت في تقديمها وتطورها (1501ـ1736م) تنتسب إلى صفيّ الدين الأردبيلي.

17 ـ كاشف الغطاء: هو الشيخ جعفر بن خضر الجناجي النجفي ( ـ1228هـ) وهو من آيات الله العجيبة التي تقصر عن دركها العقول، أصبح شيخ العراق ومن ثم شيخ الإسلام في عصره. (الكنى والألقاب: ج3 ص101).

18 ـ القاجار: سلالة شيعية حكمت إيران (1795ـ 1925م) أسسها آغا محمد خان.

19 ـ محمد تقي الشيرازي الحائري ابن محب علي: ( ـ 1338هـ) وبفتوى منه أعلنت الثورة العراقية على الاحتلال الانكليزي. (أعيان الشيعة: ج9 ص192 الفقرة: 440).

20 ـ الكافي: ج8 ص264 ب8 ح381.

21 ـ علل الشرائع: ص578 ب385 ح2.

22 ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج1 ص249 ب25 ح1.

23 ـ مستطرفات السرائر: ص569.

24 ـ إشارة إلى القصيدة التي انشدها دعبل بمحضر الإمام الرضا(عليه السلام)، كان منها:

أفاطم قومـــي يا ابنــــة الخير            وأندبي نجوم سماوات بأرض فلاة

قبور بكو فان وأخرى بطيبة            وأخرى بفخ نالها صلواتي

وأخرى بأرض الجوزجان محلها            وقبر بباخمرا لدى الغربات

بحار الأنوار: ج49 ص245 ب17 ح13

25 ـ وقد ذكر السيد المقرّم (رحمه الله) جملة اخرى من الروايات في كتابه حول زيد (رضوان الله عليه).

26 ـ بحار الأنوار: ج57 ص216 ب36 ح37.