الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

لماذا نهج البلاغة والتبليغ؟ 

وبعد الإشارة إلى هاتين النقطتين عن أسباب دراسة نهج البلاغة، والعمل من أجل وصول المبلغين المسلمين إلى جميع أنحاء العالم، وبعد بيان الهمة والنشاط التي يبديها المسيحيون والوهابيون في مجال التبليغ، رغم انحراف عقائدهم ومذاهبهم، أقول:

لا شك أن هذا العمل التبليغي فيه كثير من التعب والمشقة ولكن يلزم علينا أن نتحملها برحابة صدر، وهذا أمر طبيعي، فإنه حتى النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) لاقى أكثر التعب أثناء التبليغ الرسالة الإسلامية حتى قال (صلى الله عليه وآله) : «ما أوذي نبي مثل ما أوذيت»(1)، لأن كل هدفٍ سامٍ في الحياة بحاجة إلى طاقات وجهود وتحمل مشاق ومتاعب في سبيله، ولا تعتقدوا أن العمل التبليغي فقط هو العمل المتعب، بل ان الحياة بشكل عام متعبة حتى أن الحج فيه تعب، والذهاب إلى خراسان للزيارة فيه تعب ونصب لكن على الإنسان أن يتحمله.

والحقيقة أننا حينما نعتقد بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام)، فإن ذلك معناه أن بأيدينا شمساً تضيء لكل العالم وتزيح كل ظلام الوجود لكن علينا أن لا نحرم العالم من معرفة هذا النور.

عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) 

لقد كان في عهد الدولة القاجارية رئيس للوزراء يدعى (عين الدولة) وقد حكم خمسين سنة، وفي عيد من أعياد النيروز بينما كان جالساً والناس يأتون إليه ويقدمون له الهدايا الثمينة، جاءه أحد طلاب العلوم الإسلامية وقدم لعين الدولة نسخة من (عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر)، وكان العهد مخطوطاً بخط جميل جداً فرحب به عين الدولة وشكره كثيراً متظاهراً باعتزازه بهذه الهدية وقال له: إنك جئت بأفضل الهدايا، فإنّ الهدايا الأخرى هي هدايا مادية، لكن هديتك هذه هي هدية معنوية.

فقال الطالب لعين الدولة: لقد جئت لك بهذه الهدية لكي تتخذ منها اسلوباً للعمل في حكومتك.

فلما أراد الطالب أن ينصرف، قال له عين الدولة: اجلس، وأخّره حتى الظهر ليتناول معه طعام الغداء، ولما ذهب جميع من في المجلس قال عين الدولة لخادمه: أن يغلق الأبواب ولا يسمح لأحد بالدخول.

ولما ذهب خادمه نظر عين الدولة مغضباً للطالب وقال: ما هذه الهدية التي جئتني بها؟

فقال له الطالب: وماذا فيها؟ فإنك قد امتدحتها قبل قليل.

فقال عين الدولة مستهزءاً: إن علي بن أبي طالب في حياته لم يكن قادراً على فعل شيء مما فيها ( يريد الانتقاص بالإمام(عليه السلام))، وأنت الآن بعد (1300سنة) جئتني بهذا (العهد) وتريد مني أن أعمل على ضوئه!!

فقال له الطالب: لقد كنت أتصور انك تليق بمنصب رئيس الوزراء حقاً، لكني الآن عرفت أن فهمك أقل من فهم السُّذَّج من الناس وأنك غير لائق لهذه الهدية العظيمة، ولكن لتعرف انه كيف حكم الإمام (عليه السلام) وسيطر على العالم يكفيك موقفك هذا فإنك الآن رئيس الوزراء وبينك وبين الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ألف وثلاثمائة عام، إلا أنك تخاف من الإمام (عليه السلام) ومن محبيه فتمدحه في مجلسك أمام الملأ، ثم تأتي في هذه الغرفة بعيداً عن الناس وتغلق الباب لتورد على الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هذا الإشكال السخيف، لقد ظننت أنك تدرك الأمور لكن اتضح لي غير ذلك، ومن أين لنا برجل كعلي بن أبي طالب (عليه السلام)؟، صار سيد الدنيا قبل أن يكون سيد الآخرة هذا، بالإضافة إلى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) جلب العزة لنفسه، وصار من أسياد الدنيا وسار على نهجه الملايين، وبقي اسمه خالداً تذكره بالعظمة المآذن والمنابر عبر العصور والأزمان، بل وجعل أعداءه وهؤلاء الذين لا ينتمون إليه بل ولا يؤمنون بدينه يمجدونه ويمدحونه بأعظم المدح.

كما أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) خلّف لذريته المكانة بين الناس، بحيث إنهم حينما يدخلون المجالس فإن الناس يرفعون أصواتهم بالصلاة على محمد وآل محمد ترحيباً بهم.

كما أنهم وحباً لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ، يعمرون قبور كل من ذريته(عليه السلام). ويقيمون لهم الأضرحة والمراقد الشامخة المنيرة، ويجعلونها مزاراً ومحلاً للعبادة.

فخجل عين الدولة كثيراً واعتذر له وأعطاه الهدية.

وهذه قم المقدسة فانها لم تكن بهذا الشكل الذي هي عليه الآن لولا وجود قبر السيدة المعصومة (عليها السلام) وهي من ذرية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتم دفنها بعد وفاتها بالسم وهي بعمر (18 عام) وقد نقل المرجع الديني المرحوم السيد المرعشي (قدس سره) قائلاً:

إن قبر السيدة معصومة (عليها السلام) قد تهدم قبل خمسين عاماً، ولما أرادوا إعماره وحفروا قرب جسدها الشريف، رأيت جسدها لا يزال هو هو ولم يمسه شيء وإلى جانبه جسدان لاثنتين من النساء اللاتي كن يخدمن السيدة المعصومة وكأنهما نائمتان!.

فاستدل هذا الطالب بآثار من عظمة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ليعيد الحاكم إلى صوابه ويفهمه أن الإمام(عليه السلام) كيف بقي حياً إلى اليوم وسيبقى إلى يوم القيامة.

قوة المنطق  

نعم حجتنا نحن المسلمون والشيعة قوية جداً وليس علينا إلا بيان ذلك للعالم فإنها توافق المنطق وتدعمها أدلة كثيرة نلمسها مادياً ومعنوياً في حياتنا اليومية...

لو خطب علي (عليه السلام)  

ثم إنه لا يقاس بالإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) أحد، فإنك حينما تصعد المنبر وتريد أن تتحدث عن أرسطو وأفلاطون وسقراط وابن سينا وعن الرازي وغيرهم من العظماء، تجد أن هؤلاء لا شيء أمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد لا يرغب الكثير بالسماع عنهم ولكنك لو جئت بكلام عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) من نهج البلاغة تجد أن جميع الناس يستمعون إليك.

وهذه حادثة رواها أحد المتصرفين(2) في مدينة كربلاء، قال: عندما سافرت إلى دمشق دار حديث بيننا هناك، فقال البعض: لماذا تقدّس الشيعة علي بن أبي طالب إلى هذا الحد دون غيره من الصحابة؟

فقلت لذلك السائل: إني لست من الشيعة، واني أعمل حاكماً في إحدى المدن ومن أصحاب الشهادات.. وجواب هذا السؤال واضح وبأبسط دليل علمي ومنطقي، ففي دمشق ـ الآن ـ لو فرضنا أن هناك مسجدين، أحدهما مسجد كبير كالمسجد الأموي، والثاني مسجد صغير جداً، وقالوا: إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وغيره من الخلفاء، أو معاوية، أو هارون، أو المأمون عادوا أحياءاً، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) هو الآن يقف خطيباً في ذلك المسجد الصغير، ومعاوية مثلاً، يتحدث من على منبر المسجد الأموي الكبير، فأين سنذهب أنا وأنتم؟ إلى هذا المسجد الذي فيه علي (عليه السلام) أم الى ذلك المسجد الآخر؟

فقالوا: إننا سنذهب حتماً لنستمع إلى علي بن أبي طالب.

فقلت لهم: فإن تقديس الشيعة نابع من أفضلية علي (عليه السلام) على غيره، فمع أنك لست بشيعي وربما تحمل في نفسك شيئاً عليهم،رجحت الحضور إلى علي (عليه السلام) وإن كان بعد مرور (1350) عام من شهادة الإمام (عليه السلام)، فكيف بالشيعة لا يقدسونه وهم يعرفونه تمام المعرفة ويرتبطون به ارتباطاً وثيقاً‍‍!!

وفي الحقيقة لم تكن كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة أمراً عادياً، ولم تكن بعيدة عن الواقع المعاصر، بل كانت منهجاً لكل المجتمعات. وواقع الحال يشير إلى ذلك، لأن الغرب عمل ببعضها وأبعدنا عنها فوصل إلى قمة تقدّمه الحضاري والتكنولوجي دوننا، فإن أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) كالشمس بيننا يضيء للعالم أجمع، لكننا جئنا وحصرناه في مدينة واحدة واحتجبنا عنه وعن أنواره. فليس لنا بعد ذلك أن نتساءل بتعجب: لماذا صار العراق هكذا؟ أو أصبح أفغانستان كذا؟ ولماذا هدم مسجد بابري وقتل بسببه (23) ألف مسلم؟

فإن الجواب هو: أن هذه المآسي كلها من تركنا للإسلام ولمنهج أمير المؤمنين (عليه السلام) وبتخطيط من الاستعمار فإنهم عملوا على استغلال أشعة الشمس كلها ووجهوا لنا أشعة كاذبة، أعدت كل ذلك بدراسة ودراية وأبعدتنا عن الشمس الحقيقية وأشعتها المضيئة أي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) .. والحقيقة أن الشمس ملك لكل العالم، ليست للعراق وحده ولا لأفغانستان أو إيران أو الباكستان، فعلينا أولاً أن نتمسك بهذا النور الطاهر ثم نبينه للعالم أجمع.

كتمان الحقيقة  

أما كتمان الحقيقة فمن أشد المحرمات وهذه الخصوصية ذكرها الله تعالى حيث قال: (واذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم  )(3).

حيث إنه بعد ما كذبت اليهود والنصارى الرسل أخبرنا الله تعالى بنقضهم الميثاق والعهود المأخوذة منهم.

والآية تشمل أيضاً من لديهم علم بشيء من الكتب السماوية والعهد الذي أخذ عليهم بتبيان الحق، وهو نبوة الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) ، والدين الإسلامي، حيث ألزمهم أن لا يخفوه، ولكنهم ضيعوه وتركوه وراء ظهورهم فلم يعملوا به.

وان ما نراه اليوم هو استمرار لذلك النقض والتكذيب بكتمان حقيقة أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فترى كثيراً منهم يعرفون الحقيقة في قلوبهم ولا يبينونها، فعلينا أن نبين هذه الحقائق وعلى رأسها حقيقة أمير المؤمنين (عليه السلام) للعالم بأسره حتى يستضيئوا بنوره.

وفي الختام نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لذلك، إنه سميع الدعاء.

قم المقدسة    

محمد الشيرازي  

 

1 ـ المناقب: ج3 ص247.

2 - وهو المتصرف (أحمد حامد الصراف).

3 ـ سورة آل عمران: 187.