الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

تصحيح العقيدة

الفطرة البشرية هي منبع العقيدة الصحيحة، فلانسان يقرّ بوجود الخالق بالفطرة.

وبالفطرة عرف الإنسان انّ الله واحد لترابط أجزاء هذا الكون فـ(لو كانَ فيهما آلهةٌ إلاّ اللهُ لَفسدَتا…(1).

وبالفطرة توصّل الإنسان إلى معرفة صفات الخالق، فعرف انه عادل لأن عدم العدل اما نابع من الجهل أو الحاجة أو الخبث، وكل ذلك يتنافى مع الصفات الاخرى للخالق.

فالله تعالى منزّه عن الصفات التي يتّصف بها المخلوق من خبث وجهل واحتياج فهو غني عن كل شيء، وهو عالمٌ بكل شيء، وعلمه وغناه ينفيان عنه الجهل والحاجة والخبث.

وبالفطرة يكتشف الإنسان ان لله سبحانه غرضاً في الخلق، وإلاّ لكان الخلق عبثاً، و العالم القادر الغني بمنأى من العبث، ولتحقيق هذا الغرض لابدّ من بعث الرسل و أوصيائهم لهداية البشر إلى ما يريده.

وبالفطرة يعرف الإنسان ان مقتضيات عدل الخالق ان وضع حساباً لهذا الكون، فكان لابدّ من اثابة المحسن بالاحسان ومعاقبة المسيء لإساءته.

وينظر الإنسان فيرى المجرمين كيف يطول بهم المقام في هذا الحياة؟

وكيف يعيشون على جرائمهم؟ بل يزدادون إجراماً، وانهم يموتون دون ان ينالوا العقاب العادل.

وبالعكس يرى المحسنين كيف يرحلون عن الدنيا دون ان ينالوا جزاء احسانهم، وهنا توصلهم النظرة الثاقبة إلى ضرورة وجود حياة اخرى غير هذا الحياة التي نحياها وسيكون العقاب والثواب في انتظار اصحاب الأعمال في الدنيا في الخير أو الشر وبذلك يثبت المعاد.

هذه باختصار هي العقيدة الإسلامية.

وهذه هي اصول الدين والتي منبعها الفطرة البشرية (فِطرتَ اللهِ الّتي فَطَرَ الناسَ عليها)(2).

هذه هي التوحيد والعدل والنبوة والامامة والمعاد.. في يوم القيامة.. وخصوصيات هذه الامور قد ثبتت في الشريعة(3)، وبمقدور كل إنسان ان يحصل على هذه العقيدة وخصوصياتها بشرط ان يعيش صفاء الفطرة وشفافية الوجدان.

وشهر رمضان هو مناسبة جيدة لايجاد هذا الصفاء، ولخلق هذه الشفافية في النفوس، والتي من خلالها يصل الإنسان المؤمن إلى معين العقيدة.

وكلّما تأصّلت العقيدة في النفس الإنسانية طفحت في السلوك وانعكست في الاخلاق. وكل اناء بالذي فيه ينضحُ.

وشهر رمضان هو شهر تأصيل العقيدة وتقويتها و ترسيخها وتركيزها في القلوب والأذهان. وستكو ن ثمرة هذا العقيدة هي الاستقامة في الحياة في القول والفعل.

ومن ثمار هذه الاستقامة هطول البركات و النِعم، وقد قال تعالى: (وألَّوِ استقاموا على الطريقةِ لأسقيناهُ ماءً غَدَقا)(4).

العترة الطاهرة.. ملاذنا

التمسك بأهل البيت عليهم آلاف التحية والسلام هو جزء من الدين، والاهتداء بهديهم من أهم الواجبات.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (اني تاركٌ فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي هل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض)(5)، وعلّة ذلك؛ ان القرآن الكريم على عظمته فوق ان يفهم كل أحكامه وخصوصياته البشر. فكان لابدّ من مفسّر للقرآن الكريم ومبيّن لأحكامه.

وهذه هي مهمة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن بعده الائمة من أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام.

وليس هذه هي مهمة العترة الطاهرة فقط، فبالاضافة إلى تبيين الاحكام وتوضيحها يقوم الائمة(عليهم السلام) بدور القدوة للمسلمين، فهم أول من طبّق احكام الإسلام فأصبحوا الأمثلة الحية لتطبيقه، فهم الإسلام الناطق لذا كانوا أهلاً للاقتداء في مختلف مناحي الحياة اقتصادية وسياسية وثقافية وتربوية واُسرية.. وغيرها.

وشهر رمضان بما يتضمن من ذكريات ترتبط بالعترة الطاهرة؛ كولادة الامام الحسن(عليه السلام)، وشهادة الامام أمير المؤمنين(عليه السلام) وليالي القدر، حيث كان الائمة(عليه السلام) يتفرغون فيها للعبادة، لذا لابدّ وان نتعايش مع شخصيات هذا الشهر، و ان نعيش تلك اللحظات التي عاشها أئمتنا الأطهار(عليه السلام).

نعيش ذكرى بدر والبطولات التي ســطّرها الامـــام أمير الـــمؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) اثناء مبارزته لعمر بن عبد ود العامري.

ان نعيش الرسالة و الرسول والدور الاساسي الذي قام به أمير المؤمنين(عليه السلام) في فترة التأسيس مع الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي فترة التصحيح بعد غياب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وان نعيش الامام الحسن(عليه السلام) ودوره في تحصين الرسالة عندما وقف ذلك الموقف الصلب من معاوية الطاغية الماكر الذي كان يريد اعادة دور الروم واعادة المسلمين إلى الجاهلية الأُولى.

وان نعيش الامام الحسين(عليه السلام) في تلك اللحظات التي ضحى فيها بالغالي والنفيس من أجل الدين، وبلغ الأمر به ان قدّم رضيعه ضحية من أجل ان لا يدع للطاغية يزيد ان يواصل تضليله للناس وتجهيله للأُمة.

وأن نعيش الصبر و العناء عند سيدة نساء العالمين الزهراء البتول(عليها السلام)، و ان نتذكر دائماً كيف يجب ان يكون دور المرأة الصالحة في كل زمانٍ ومكان.

فمن الواجب ان نكرّس حياتنا في هذا الشهر للعترة الطاهرة تأريخاً وفهماً لهم والأخذ بأقوالهم والإقتداء بأعمالهم وتمييزاً لمختلف أدوارهم(6) وتشخيص مواقعنا لأدوارهم(عليهم السلام).

وقد تختلف الاجتهادات كما اختلف أدوار المعصومين، فهناك من يقتدي بالامام الحسن(عليه السلام) ويحاول ان يتمثل الدور الذي قام به هذا الامام العظيم في صلحه مع معاوية حفاظاً على الدين والمؤمنين، وهناك من يحاول ان يتمثل الدور الذي قام به الامام الحسين(عليه السلام) في اعلان الثورة ضد الاستبداد و الطغيان.

وهذا الاختلاف هو نتيجة حتمية لسعة الاُمة التي تُعطي بوجودها مساحات كبيرة من العالم، ونتيجة منطقية لتباين همومها ومشاكلها، وكذلك من التوسعة على الامة لا من الاختلاف في الجوهر.

مثلاً: هناك من تحتم عليه الأوضاع ان يقف موقفاً حسنياً في بقعة من العالم الاسلامي، وهناك إلى جانبه في بقعة اخرى يُحتم عليه ان يقف موقفاً حسينياً.

فكان لابد من التحديد نوع الاقتداء بنوع الظرف الذي يعيشه المسلم.

وهنا علينا مسؤولية اخرى هي اساس كل مسؤولية وهي التعرّف بأهل البيت(عليهم السلام) حتى يكتشف الناس مجالات الارتباط التي بينهم وبين قادتهم الميامين.

كما ويــجب علينــا ان نعرّف العـــالم بالعترة الــطاهــــرة حتى يستــــضيء بأنوارهم ويجعلهم مناراً يهتدي بهم، (وبالنجم هم يهتدون)(7).

الرغبة في الجنة و الرهبة من النار

انّ أكثر ما يستثير الهمم ويطلق العِنان للطاقات، هو التفكير بالجنة والنار فالجنة هي نهاية الصالحين والمؤمنين، والنار هي مصير الجبّارين والمتكبرين.

وإذا ما تمعنّا في الآيات التي نزلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة المكرمة لوجدنا أنها تركّز على هذه المسألة، وتطرح الجنة والنار كعامل مهم من عوامل دفع الناس إلى الايمان وحثّهم على الانخراط في سلك المسلمين.

بالاضافة إلى هذه الآيات هناك المئات من الأحاديث والروايات المروية عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة(عليهم السلام) الواردة بهذا الشأن، وقد جمعنا تلك الآيات في كتاب باسم: (الجنة والنار في القرآن).

وتكمن أهمية موضوع الجنة والنار في أثره في السلوك البشري، فالرغبة في الجنة تجعل الإنسان في الدنيا متّقياً وطيّباً وخلوقاً، كذلك تجعله خيّراً متعاوناً مع الآخرين، ويحب الخير للآخرين. اما رهبة النار فتجعل الإنسان يمتنع عن ارتكاب المنكرات ويبتعد عن الموبقات.

ولا يخفى ان مبدأ العقاب والثواب هو خير وسيلة للتربية الصالحة، هكذا كانت حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر الائمة المعصومين(عليهم السلام) في كل حركاتهم وسكناتهم مصبوغةً بهذا الأمر (صِبغةَ اللهِ ومن أَحسنُ مِنَ اللهِ صِبغةً...)(8).

وهكذا ربّى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه فكانوا في القمم السامقة، وهكذا كان أصحاب الائمة(عليه السلام).

هكذا كان أصحاب الامام الحسين(عليه السلام) في يوم الطف، فكانوا يقاتلون والبسمة على شفاههم لأنهم كانوا يستعدون للذهاب إلى الجنة، وعلى هدى هؤلاء الائمة وأصحابهم سار الخيّرون من العلماء والصلحاء وسائر المتقين الذين كانوا يتحسسون الجنة والنار كمن رآهم، كما قال سيد الأوصياء أمير المؤمنين(عليه السلام): (فهم والجنة كمن قد رآها، فهم فيها منعّمون، وهم والنار كمن قد رآها، فهم فيها معذّبون)(9)، وشهر رمضان هو أفضل موسم لتركيز هذه الفكرة، حيث ينسلخ الإنسان ـ إلى حدّ ماـ من عالم الماديات ويزداد تحليقاً في سماء المعنويات فيقترب إلى فكرة الآخرة وما فيها من نعيم جعله الله للمتقين وللمؤمنين وما فيها من عذاب أعدّه الله للعاصين والمذنبين، وتكون حصيلة ترسّخ هذه الفكرة هي الاستقامة الدائمة في مختلف مناحي الحياة، فمن أعمال شهر رمضان طلب الغفران والجنة، والتعوّذ من نار جهنم؛ والباعث لهذا الدعاء هو الشوق الكبير إلى رياض الجنة والفرار من نار جهنم.

ان تفكير المؤمن بالجنة وما أعدّه الله له في الآخرة من الدرجات العليا يسبب السعادة له، فكيف ستكون سعادته في الآخرة إذا رأى الجنة بأمّ عينيه.

ان سعادة الدنيا تتوقف على الجنة والنار فكيف بالآخرة التي هي الحيوان.

ان أمراً واحداً هو الذي يضمن استقامة الإنسان و استمراره على الطريق الصحيح، وهذا الأمر هو الشعور المزدوج بالرجاء و الخوف، فالرجاء بلا خوف يدفع الإنسان إلى الغرور، والخوف بلا رجاء يدفع الإنسان إلى اليأس، وكل خطوة يخطوها الانسان في هذه الحياة هي بحاجة إلى الرجاء والخوف.

عندما تريد ان تقول كلمة ما بمحضر جمع من اصدقائك، وعندما تريد ان تقوم بعمل ما في داخل المجتمع، فانت بحاجة إلى عامل محفّز وعامل مثبّط؛ فالتحفيز يدفعك إلى عمل البرّ والخير، والتثبيط يمنعك من عمل الشر.

وهكذا تستقيم حياة الإنسان المؤمن.

وشهر الصيام هو مناسبة جيدة لتربية الإنسان على هذا القيم ليكون انساناً مستقيماً.

 

1 ـ الأنبياء: 22.

2 ـ الروم: 30

3 ـ عن الالهيات بالمعنى الأخصّ راجع كتاب (شرح منظومة السبزواري) وكتاب (القول السديد في شرح التجريد) وكتاب (اصول الدين) للامام المؤلف(دام ظله).

4 ـ الجن: 16.

5 ـ وسائل الشيعة: ج18 ص19 ح9.

6 ـ فدور الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هو التأسيس، ودور الامام علي(عليه السلام) هو التصحيح، ودور الامام الحسن(عليه السلام) التعايش مع الطاغية الماكر، ودور الامام الحسين(عليه السلام) التضحية والفداء ودور الزهراء الاسوة للنساء في جميع الاعصار والامصار، وان دور الامام المهدي(عجل الله تعالى فرجه) هو اعادة دور الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن في كل العالم.

7 ـ النحل: 16.

8 ـ البقرة: 138.

9 ـ من خطبة الامام أمير المؤمنين(عليه السلام) في وصف المتقين: انظر نهج البلاغة.