الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

رحلات التبليغ

من عوامل انتشار الإسلام الرحلات التي كان يقوم بها المسلمون من مختلف الاجناس ولمختلف الاعمال.. فقد كان المسلم يرى انه مسؤول عن نشر دينه قبل أية مسؤولية اخرى، حتى التجّار كانوا يستغلون رحلاتهم التجارية في الدعوة لدين الله، وحتى أولئك الذين كانوا يذهبون للاصطياف أو الاستجمام كان عملهم الأول هو الدعوة للاسلام.

فقد كانت الظروف السياسية يومذاك تساعد المسلم على القيام بالرحلات الطويلة فلم تكن هناك حدود مصطنعة ولا سدود وحواجز مانعة، ولم تكن هناك هويات ولا جوازات وما أشبه ذلك، فقد كان المسلم يتمتع بكامل حريته ـ التي منحها الإسلام إياه ـ في الحركة والسفر والإقامة في بلاد الإسلام وغيرها، وكان المبلّغون ينطلقون حيث شاءوا إلى أي مكان ويقيمون في أيّة مدة ويعيشون كما يشاءون.

اما بعد كبت الحريات والابتعاد عن تطبيق احكام الله وقوانينه فقد أصبح من العسير جداً القيام بهذه الرحلات التبليغية، والتي انتشر الإسلام من خلالها في العهود السابقة، ومع جمود المسلمين وتضاعف الاجور، وتفاقم المشكلات المعيشية أصبح السفر معها أمراً عسيراً جداً بل ومحالاً في بعض الاحيان.

لذا أصبح من العسير ان يقوم المسلم بمفرده بتوفير مستلزمات السفر التبليغي الاّ ان تقوم هيئات من الخيّرين وتتحمل مسؤولية هذا العمل. و(شهر رمضانَ الذي أُنزلَ فيهِ القرآنُ هدىً للناسِ وبيناتٍ مِنَ الهدى والفرقان)(1) لابد فيه من وجود اشخاص ـ يتحملون ـ مسؤولية هداية الناس، ويظهرون لهم البينات من الهدى والفرقان.

اذاً هذه المسؤولية اُخرى يتحملها المسلم بالاضافة إلى العبادات التي يؤديها في هذا الشهر المبارك.

فمن يا ترى سيكون صاحب هذه المسؤولية؟

أليست هذه الأمة بأجمعها تتحمّلها؟

فالذي يستطيع السفر للتبليغ يجب عليه ذلك، والذي لا يستطيع السفر يجب عليه ان يدفع ما يستطيع من المال ليساهم بقسط من امكاناته في تحريك عملية التبليغ وقد قال تعالى:

(وما كان المؤمنونَ لِيَنفروا كافَّة فلولا نَفَرَ مِن كُلِّ فرقةٍ منهم طائفةٌ لِيَتَفَقَّهوا في الدين لِيُنذِروا قومَهم إذا رّجعوا إليهم لعلّهم يَحذَرون)(2)، فالتبليغ بالرسالة مسؤولية اسلامية إنسانية وهو واجب كفائي، فيجب التعاون والمساعدة في تحقيقه.

والتبليغ نفس يحلّ معضلة المبلِّغين، ففي أحيان كثيرة يعود المبلِّغ ومعه ثلّة من المتطوعين الراغبين في ممارسة هذه المسؤولية وهم الناذرون أنفسهم لله، وهذه فائدة اخرى من فوائد التبليغ.

استخدام الوسائل الحديثة في التبليغ

كل شيء في هذه الحياة في حالة تطور، تطور في الكم والكيف، ففي السابق كانت رحلة الحج تستغرق أشهراً من المشقة والتعب، اما اليوم فهي لا تستغرق أكثر من سويعات، وحكم التطور يجري على كل الوسائل المادية التي يمتلكها الإنسان في هذه الحياة، ومن هذه الوسائل سبل التبليغ والهداية والرشاد، فبينما كانت الوسيلة التي يمتلكها الإنسان في القديم عندما يريد التبليغ هي الحنجرة، أصبح اليوم وهو يمتلك وسائل كثيرة من الكتاب والمجلة والجريدة والاذاعة و التلفزيون والفيديو والاقمار الصناعية والكمبيوتر والفاكس وما أشبه ذلك.

فلابدّ للمبلِّغ ان يستفيد من جميع هذه الوسائل و ان لا يبقى جامداً عند الوسائل القديمة، فالجمود يعني الموت والفشل في الحياة، ويمتلك المسلمون العلماء و الخطباء والمثقفين والاموال للحصول على هذه الوسائل، فلم يبق الاّ الربط بينها، فإذا كان المسلم يريد الثواب من اقامة منبر الوعظ والارشاد فباستطاعته ان يستبدل محطة الارسال من راديو وتلفزيون عوضاً عن ذلك بحكم تطور وسائل الحياة، وقد قال تعالى: (وَأعدّوا لهم ما استطعتُم من قوة)(3)، فلابد ان يستفيد الإنسان المسلم من اسباب القوة في نشر الفضائل والقيم الإسلامية.

وشهر رمضان خير مناسبة للاهتمام بهذا الأمر، فالذين كانوا يساهمون معاً لاقامة المجلس الحسيني في الحسينية أو المسجد بمقدورهم اليوم ان يوسعوا من دائرة عملهم ليساهموا معاً في شراء محطة للراديو حيث اصبحت في متناول مَنْ يريد في الكثير من بلدان العالم، بالاضافة إلى اقامة مجلسهم في الحسينية لانهم سيحققون فوائد اخرى من اقامة هذا المجلس في منطقتهم.. مع وجود فارق كبير.

فالخطيب الذي يرتقي المنبر في الحسينية ويستخدم مكبرات الصوت لا يستطيع ان يوصل صوته الاّ إلى جماعة محدودة لا تتعدى الآلاف، اما إذا تغيّرت الوسيلة إلى ما هو أفضل من مكبرات الصوت فانه حينذاك سيوصل صوته إلى الملايين من البشر، فإذا أردنا التقدم والازدهار لابد لنا من تطوير وسائل التبليغ، وهذا أحد أسرار تقدم الغرب الذي استطاع ان يهيمن على العالم من خلال وسائل التبليغ(4) مستخدماً الاقمار الصناعية في ايصال افكارهم بالصورة والصوت إلى جميع انحاء العالم.

وقد تناسى المسلمون؛ كيف ان دينهم هو دين الحضارة والعلم، وأول كلمة نزلت على نبيّهم(صلى الله عليه وآله وسلم) هي كلمة: (اقرأ) وان أولى الكلمات التي نزلت بعد (اقرأ) هي: (الرب، العلم، الإنسان، القلم) (اقرأ وربُّك الأكرم ــ الذي علّمَ بالقلم ــ علّمَ الانسانَ ما لم يعلَم)(5).

فهل هناك عامل أقوى من هذه الآية في استثارة همم المسلمين للأخذ بتلابيب العلم والاستفادة من الوسائل الحضارية في تقديم الحياة.

اذاً لابدّ من العمل على توفير وسائل التبليغ لتكون في متناول أيدي المبلّغين(6).

ولابدّ من توفير كل الوسائل التي يستطيع المسلمون من خلالها معرفة حقائق دينهم ودنياهم من كتاب وجريدة ومجلة واذاعة اسلامية وتلفزيون اسلامي، وهكذا كل الوسائل الممكنة والتي يمكن استثمارها في مجال الخير.

 

1 ـ البقرة: 185.

2 ـ التوبة: 122.

3 ـ الأنفال: 60.

4 ـ تشير بعض الاحصاءات إلى ان 75% من الافلام التي تعرض على الشاشات التلفزيونية في العالم هي أمريكية و ان 50% من البرامج التي تبثها التلفزيونات في العالم هي أمريكية ايضاً، وان التاجر اليهودي مرودوخ يمتلك 63% من الصحف اليومية الصادرة في استراليا وبريطانيا وأمريكا ويملك 59% من ملاحق يوم الأحد في البلدان المذكورة.

5 ـ العلق: 3 ـ 5.

6 ـ ان رسوم اصدار جريدة أو مجلة في اسرائيل ما يعادل 50 رغيفاً من الخبز ـ بالقوة الشرائية ـ يؤخذ الثمن للطوابع الملصقة بالطلب، بينما في بلد اسلامي ان الرسوم ما تعادل مائة ألف رغيف من الخبز، اما الاذاعة والتلفزيون في غالب بلاد الإسلام محتكرة عند السلطة وممنوعة عن الآخرين، وجزاء من استخدمها الاعدام.