الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

اتباع شورى الفقهاء المراجع

من مشاكل المسلمين في الحال الحاضر انفراد المراجع في العمل ـ على رغم اخلاصهم وصدقهم وتفانيهم في سبيل الحق والهداية ـ وانما هي مشكلة الدنيا الحاضرة، ففي السابق كانت الدنيا انفرادية حيث اعتاد الناس على العمل الفردي والتفكير والتخطيط والتنفيذ الانفرادي فلم يكن بأس بالانفرادية في الجانب المرجعي، اما اليوم وقد نظمت كل الفئات جهودها وامكاناتها، يهودية كانت أو نصرانية أو غيرهما من الأديان والمذاهب التي لها أصل سماوي أو لا أصل سماوي لها.

والعمل الذي يقوم به الإنسان على انفراد مهما كان ناجحاً وجيداً الاّ انه لا يتمتع بتلك الجودة إذا لم يكن متكاملاً مع الاعمال الاخرى.

من هنا كانت مسؤولية المراجع (حفظهم الله تعالى) هي توحيد طاقات العمل وصبّها فيما هو خير وصلاح للامة، حتى تأخذ الامة عدّها التصاعدي بعد سقوط دام عقوداً من الزمن.

وعندما ننظر إلى الامم التي صعدت في سلّم الحياة لم نرَ ذلك إلاّ نابعاً من عامل التنظيم للطاقات، فاليهودية والنصرانية وغيرهما تقدّموا لأنّهم وحّدوا صفوفهم وجمعوا طاقاتهم وتعاونوا فيما بينهم.

فالحاخام اليهودي الذي يعيش في مجاهل افريقيا يمدّ يد التعاون إلى الحاخام الثاني الذي يعيش في اقاصي أمريكا اللاتينية، وانهم محترمون لا يُهانون، ونفس الشيء نجده عند المسيحيين فان أول أمر قام الغرب بتنظيمه هو تنظيم القيادة الدينية لديهم.

ان المرجعية الشيعية تختلف عن الزعامة الروحية في الفاتيكان وبالتالي فهي تختلف في طريقة التدرّج واختيار اعضاء المجالس وغيرها.

لكن مسألــة التنظيم كأمــــر اسلامي مــسلّم به، فــقـــد ورد في وصية الامام أمير المؤمنين(عليه السلام): (الله الله في نظم أمركم)(1).

اما عن الشورى فقد وردت عدة نصوص منها: (وَأمرهم شُورى بينهُم)(2)، وأمرهم هو شأنهم وهو كل ما يتعلق بأمور المسلمين.

وفي آية اخرى: (وَلتكُن منكُم أُمَة...)(3).

وكلمة (امة) تعني جماعة لها هدف معين، أي جماعة منظمة تنظيماً دقيقاً(4).

وبالجمع بين أدلة الشورى وأدلة الأمّة نجد من الضروري جداً اقامة مجالس للشورى ابتداءً من المراجع وانتهاءً بعامة الناس، أو ان يُستبدل مجالس الناس بمجلس واحد يضم ممثلين منتخبين عن الناس، فان المجلس الواحد صحيح، والمجالس لكل من أراد ايضاً صحيحة.

ان الانفرادية في المرجعية هي سبب تغلب الغرب علينا ليس دينياً فقط بل ودنيوياً، فأصبح العلماء والمراجع يتعرضون للاعتقال والتعذيب والقتل ومصادرة الأموال و... ولا من منقذ ولا من مجير الاّ الله سبحانه وتعالى. وروسيا الشيوعية والبهلوية في ايران، والجمهورية في العراق، والاتاتوركية في تركيا خير شاهد على ذلك. وشهر رمضان خير مناسبة للتفكير بهذا الأمر والدعوة إليه باعتباره السبيل إلى التقدم و الانتصار على المشكلات.

تبيان محاسن القانون الإسلامي

يمتاز الدين الإسلامي بشموله لجميع القوانين التي يحتاجها البشر لإدارة أمورهم الحياتية، وقد سبق ذكر بعضها.

فقوانين الصناعة تدخل تحت عنوان المال والكسب والتجارة، كما ان قوانين الزراعة مذكورة في باب المزارعة و المساقاة، وأُمور الجيش مذكورة في باب الجهاد، وأمور الدولة في فقه الدولة الاسلامية، والقضاء له باب خاص في الفقه، والعلاقات الخارجية تدخل في نطاق الجهاد وغيره.

اما الشؤون الحيوية الاخرى كالزواج وأمور العائلة فهي تبحث في عدة ابواب فقهية كالنكاح والطلاق وما إلى ذلك.

وإذا ما قارنا بين هذه القوانين وقوانين الغرب للاحظنا ان القوانين الإسلامية تنتهي إلى العدالة و إلى المساواة والى توفير الحرية للمسلم وغير المسلم.

فالقانون الإسلامي له غاية، وحتى لو تشعب القانون وتفرّع إلى مختلف شؤون الحياة من زراعة وصناعة وتجارة، فهو لا يفقد أهدافه وهو بالطبع العدالة والمساواة والحرية، بخلاف القوانين الوضعية التي توضع بصورة مجزئة ومنفصلة عن القوانين الاخرى مما يفقدها اصالتها وأهدافها.

ومن ناحية اخرى فإنّ القانون الإسلامي يمتاز باصالته البشرية فهو يتفق مع الفطرة الانسانية، الأمر الذي يجعله قابلاً للتطبيق في كل عصر ومصر بخلاف القوانين الوضعية التي لا تمتلك رصيداً من الفطرة الإنسانية.

الميزة الثالثة للقوانين الإسلامية انها قوانين من الله الذي لا يخطأ ولا يسهو، بينما القوانين الوضعية هي من صنع البشر الذي يخطئ ويسهو ويغفل، لذا كانت القوانين الوضعية متناقضة ومخالفة لأصولها في الكثير من الاحيان أو انها لا تؤدي الهدف المرجو منها أو تصل إلى هدف آخر معاكس.

فكان لابد للنخبة المثقفة من ابناء الامة من اصحاب القلم والبيان ان يكرّسوا جهدهم في هذا الشهر الكريم لبيان محاسن القانون الإسلامي ومساوئ القانون الوضعي.

ويكفي للمقارنة ان ينظروا إلى التجربة الإسلامية الاولى في عهد الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة الطاهرين(عليه السلام) وكيف كان وضع المسلمين عندما كانوا يطبّقون القوانين الاسلامية، والى ما لحق بالمسلمين اليوم جراء تنفيذهم للقوانين الوضعية المخالفة للفطرة الإنسانية.

كيف استطاع القانون الإسلامي ان يستأصل الجريمة من المجتمع الاسلامي، وكيف تتزايد الجرائم في مجتمعاتنا اليوم بسبب القوانين الوضعية التي ليست بقادرة على الحدّ من الجريمة وحسب بل تزيد في الجرائم من خلال السجون الطويلة المدى التي ترمي اليها بغير المجرمين ليتخرجوا فيها متفننين في عالم الجريمة.

ان اظهار هذا التمايز بين القانون الإسلامي والقانون الوضعي كفيل لاظهار عظمة الإسلام ورجعية المبادئ الوضعية التي لم تحلّ مشاكل البشرية وحسب بل اضافت مشاكل إلى مشاكلها.

وهنا تبرز قيمة الإسلام كمنهاج للحياة وكيف خسر المسلمون الكثير عندما تركوا الإسلام وراء ظهورهم.

إذاً العودة إلى القوانين الإسلامية هو عامل مهم من عوامل التقدم في الامة، اما العامل الثاني فهو الجو العام الذي يُعتبر بمثابة الأوكسجين الذي يتنفسه الإنسان.

فانه عندما جاء الإسلام أوجد مناخاً فاعلاً في المجتمع يمتاز بكل المواصفات الضرورية لإقامة حضارة انسانية، وهذه المواصفات هي؛ الاعتناء بالذوق والجمال، النظافة الروحية و النفسية و الجسدية، التنظيم في مختلف الشؤون، والفضيلة في مختلف الأبعاد، الشورى في مختلف الأنشطة السياسية و الاجتماعية و التعاون في مختلف الاتجاهات المقبولة، وضمان الأمن والاستقرار، والتفكير بالانسانية وليس بجماعة خاصة، الاتجاه إلى الدنيا و الآخرة معاً فلا تغلب الدنيا على الآخرة ولا الآخرة على الدنيا والتوجّه نحو العالم وعدم التقوقع.

ونتيجة لهذا المناخ الايجابي الذي اوجده الإسلام في بداية الرسالة أقبل الناس على الدخول في دين الله أفواجاً، فوجدوا فيه ما كانوا يحملون به، ووجدوا الجمال بأروع صوره، ووجدوا الحرية بأبهى أشكالها، ووجدوا العدالة في أفضل صورها، ووجدوا المساواة على أحلى ما يمكن، ووجدوا الرفاه والأمن والطمأنينة. وعندما دخلوا الإسلام تمسّكوا به اشدّ ما يمكن، وبعض هؤلاء الذين عرفوا الإسلام ـ وان لم يدخلوا إليه ـ حاربوا ملوكهم وأهل ملّتهم إلى جانب المسلمين كما يُبين لنا التاريخ ذلك لما لمسوا فيه من الرفاه و الحرية و الأمن.

اما بعد ان انقلب المسلمون على أعقابهم وسيطر عملاء الغرب على بلاد الإسلام، وتركوا شرع الله وتمسكوا بشريعة الهوى، أخذت بلادهم بالتراجع، وانهارت حضارتهم التي بنوها لقرون من الزمن.

وعلى العكس أخذت الحضارة الغربية تتقدم أشواطاً إلى الامام لأنهم أدركوا قوة المسلمين فبدءوا يأخذون بأسباب هذه القوة، وقد حذّر أمير المؤمنين(عليه السلام) المسلمين عندما خاطبهم قبل قرابة أربعة عشر قرناً: (الله الله في القرآن لا يسبقنكم بالعمل به غيركم) (5).

لقد سبقنا الغرب في العمل بجزء من القرآن فأعطوا لشعوبهم جزءاً من الحريات الممنوحة في الإسلام وشرعوا قانون الضمان الاجتماعي الذي يعود في جذوره إلى الاسلام، واحتضنوا العلماء وأهل العلم، واندفعوا نحو الانتاج في الكم والكيف.

وأهم من ذلك وحّدوا بلدانهم في دولة واحدة بعد ان أزالوا الحواجز الجغرافية والنفسية والاقتصادية، وكانت نتيجة ذلك أن المسلمين يضطرون لأن يلجأوا إلى الدول الغربية لينعموا بالحرية التي حُرموا منها في بلادهم، ولينعموا بالثروة التي حرموا منها في بلادهم، ولينعموا بالمساواة التي حرموا منها في بلادهم، ولينعموا بالكرامة والأمن اللذين حُرموا منهما في بلادهم، ولينعموا بالدراسة في الجامعات التي حُرموا منها في بلادهم، ولينعموا ـ في آخر المطاف ـ بالحياة التي حُرموا منها في بلادهم.

وفي شهر رمضان لابدّ وان نتذكر ما لحق بنا عند المقايسة؛ كيف كنّا وبما كان عليه الغرب في العصور المظلمة، وكيف أصبحنا وكيف اصبحوا هم اليوم.

ان الفارق بيننا وبينهم في ثلاثة امور لابدّ ان نعمل من أجلها:

الأمر الأول: المبدأ الصالح.

الأمر الثاني: الإنسان الصالح.

الأمر الثالث: الجو الصالح.

فعندنا مبدأ هو أرقى المبادئ وقد جُرّب فعلاً وأثبت جدارته وصدارته.

والانسان عندنا هو انسان ممتلئ بالايمان و الاخلاق، هاجسه الأول و الأخير هو عمل الخير.

والجو الصالح من مسؤولية الامة بأن توفر الاجواء الصالحة من شورى وحرية ومساواة وأُخوّة لكي يمكن اعادة الحضارة الإسلامية مجدداً.

والله الموفق والمستعان

سُبحان ربِّك ربِّ العزَّةِ عمّا يصفونَ وسلامُ على المرسَلينَ والحمدُ لله ربِّ العالمين 

والصلاة و السلام على محمّدٍ وآله الطاهرين

محمد الشيرازي

 

1 ـ بحار الأنوار: ج 42 ص256 ح58.

2 ـ الشورى: 38.

3 ـ آل عمران: 104.

4 ـ يقول الراغب الاصفهاني: الامة كل جماعة يجمعهم أمر ما. راجع مفردات الفاظ القرآن ص23.

5 ـ نهج البلاغة كتاب 47.