الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

العالم الإسلامي ومشاكله الحاضرة

س: هل المشاكل التي يعاني منها العالم الإسلامي اليوم قابلة للدفاع والعلاج؟

ج: نعم، إن الدين الإسلامي لم يكن خاصاً بأمة من الأمم، كما انه لم يكن لفترة معينة من الزمـن بل هو لكل الأمم ولكل الأزمنة، وقد تكفّل بوضع طرق العلاج لكل مشكلة يمـــكن لها أن تحدث في عصر من العصور، كما انه تدارك حدوث المشكلات قبل تحققها بوضع الطرق الوقائية السليمة للحيلولة دون وقوعها.

س: فما هو العلاج الذي يلزم على المسلمين به ليستردوا سؤددهم ويسترجعوا عزّهم ويتخلصوا من مشاكلهم التي أحدقت بهم؟

تطبيق القوانين الأربعة

ج: العلاج هو الالتزام بتطبيق هذه الأمور الأربعة:

1 ـ الأمة الواحدة.

2 ـ الاخوة الإسلامية.

3 ـ الحريات.

4 ـ الشورى.

الأمة الواحدة:

أما الأول: وهي الأمة الواحدة، فإنه يجب على كل مسلم أن يسعى لتحقيق (الأمة الواحدة) التي أشار إليها القرآن الكريم بقوله: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة)(1) والتي أرسى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قواعدها في المجتمع الإسلامي وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الناس سواسية كأسنان المشط)(2).

وبعد ذلك هل الأمة الإسلامية في يومنا هذا هي أمة واحدة، أم هي منقسمة ومجزأة إلى أمم متباعدة متباغضة بعضها أجنبي عن البعض الآخر؟

س: ما هو المقصود (من الأمة الواحدة)؟

ج: المقصود من الأمة الواحدة ليس هو مجرد الاسم والشعار، بل هو التطبيق العملي المتحقق خارجاً برفع الحدود والحواجز الجغرافية بين البلاد الإسلامية وتأسيس الدولة الإسلامية الموحدة والعظيمة.

س: ترى هل بالإمكان تأسيس هكذا حكومة واسعة وكبيرة في ظل الأوضاع الراهنة التي نعيشها؟

ج: إن وقوع الشيء وتحققه في العالم الخارجي هو أول دليل على إمكانه، وقد تحقق هذا الأمر في بلاد الهند والصين، حيث كانت الهند وكذلك الصين إلى قبل ما يقارب من نصف قرن تعيش التفرق والتمزق والانقسام إلى عشرت بل إلى مئات الدول الصغيرة والحكومات المحلية الضعيفة ولكن مع وجود تلك الاختلافات الكثيرة في كل منهما من حيث العقيدة واللغة والآداب والأعراف وغير ذلك، قامت شعوبهما برفع الحدود الجغرافية فيما بينها وتأسيس الدولة الواحدة في الهند وكذلك في الصين رغم ذلك العدد الهائل والضخم من سكانهما حيث تشير بعض الإحصائيات إلى أن نفوس الهند بلغت المليار نسمة، ونفوس الصين المليار وثلاثمائة مليون نسمة.

هذا ما كان في الهند وفي الصين.

وأما اليوم ففي الغرب يسمع عن المحاولات الجادة المبذولة من أجل إيجاد الدولة الواحدة لأوربا ورفع كل الحواجز الجغرافية المصطنعة بين بلادهم والتي مزّقت البلاد وفرّقت الشعوب بل أنها أعاقت تقدم مسيرة بلادهم، كيف يمكن لهم كل ذلك، ولا يمكن للامة التي تعتقد بربّ واحد ونبّي واحد وكتاب واحد ودين واحد وعاشت طوال قرون كثيرة أمة واحدة أن تتحد من جديد وتشكل الدولة الإسلامية الواحدة؟!

هذا مع أن الله سبحانه وتعالى وعدنا النصر حيث قال (إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم)(3).

وقال سبحانه: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم)(4).

وطبعاً وعد الله حق وصدق قال تعالى: (ومن أصدق من الله قيلا)(5) وقال سبحانه: (ومن اصدق من الله حديثاً)(6).

الاخوة الإسلامية:

واما الأمر الثاني الذي يجب على كل المسلمين العمل به لاجل رفع المشاكل التي تواجههم ولأجل الوصول إلى العزّة والعظمة التي سلبت منهم، فهو العمل من اجل تحقق (الاخوة الاسلامية)، كما يقول الله سبحانه: (إنما المؤمنون أخوة)(7).

ولكن وللأسف فأن المسلمين اليوم ليسوا فقط قد فقدوا اخوتهم الإسلامية فيما بينهم وحسب، بل أن بعضهم راح يعتبر البعض الآخر أجنبياً عنه وغريباً بالنسبة إليه، وهذه هي المصيبة الكبرى في الدين.

فعلى الجميع السعي لتحقيق الاخوة الإسلامية وإذا تحققت الاخوة الإسلامية بين كل فصائل المجتمع الإسلامي فإنه يمكن حينها لكل فرد في أي بلد كان من البلاد الإسلامية أن يحصل على جميع المزايا الإسلامية والحريات الفردية والاجتماعية التي أقرها الدين الإسلامي. ونشير إلى بعض النماذج:

1 ـ انه يحق له السفر إلى جميع البلاد الإسلامية في العالم دون أن يحتاج إلى وثيقة سفر أو تأشيرة دخول وما شابه ذلك من قوانين الهجرة والجوازات.

2 ـ انه يتمكن من التزوج من الفتاة المختارة أو تزويجها إلى الشاب المختار مع ملاحظة الموازين الشرعية المذكورة في باب النكاح دون أن تعوقه مسألة تبعيته أو تبعية الفتاة إلى هذه الدولة أو تلك الدولة الأخرى.

3 ـ انه يحق له الإقامة والسكنى في أي بلد شاء من البلاد الإسلامية دون عائق يمنعه عن ذلك.

4 ـ أن لا تكون هناك أية عوائق وحواجز تمنعه من التجارة أو الصناعة التي يختارها وما إلى ذلك في كل البلاد الإسلامية باستثناء المكاسب المحرمة.

5 ـ أن يتمكن من شراء الأراضي والبيوت وسائر الأملاك في جميع البلاد الإسلامية.

6 ـ أن لا يكون هناك أي مانع يمنعه من الزراعة أو الصناعة أو البناء في أي منطقة من مناطق العالم الإسلامي.

7 ـ أن تكون له الحرية الكاملة في ممارسة النشاطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها في جميع البلاد الإسلامية، فيحق له مثلاً أن يكوّن الأحزاب ويؤسس المؤسسات الإعلامية كالإذاعة والتلفزيون، ويقوم بنشر الصحف والمجلات، وله أن يمارس النشاط السياسي والإعلامي الذي يوصله إلى الهدف المنشود.

والحاصل: يلزم لكل مسلم أن تكون له الحقوق المساوية لكل حقوق المسلمين الآخرين وذلك على ما هو مقرّر في القانون الإسلامي القائل: بأن كل إنسان إذا دخل في الدين الإسلامي واسلم تساوى حقه مع سائر المسلمين بل ويتساوى حقه حتى مع الحاكم والقائد الإسلامي، فلم تكن اللغة واللون ومحل ولادة الإنسان في الإسلام سبباً لتمييزه عن الآخرين بل أن المسلمين كلهم تتساوى حقوقهم في ظل الحكم الإسلامي.

الحرية الإسلامية:

واما الأمر الثالث الذي يجب على كل المسلمين العمل به من اجل التخلص من المشاكل التي تحيط بهم ولاجل الوصول إلى السعادة التي صودرت منهم في الحياة فهو العمل لأجل تحقق (الحريات الإسلامية). كما يقول سبحانه وتعالى واصفاً مهمة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في رسالته إلى البشرية: (ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(8).

ثم أن المقصود من الحريات الإسلامية هو أن يتوفر لكل مسلم في جميع البلاد الإسلامية كل الحريات الإسلامية المباحة ـ أي باستثناء ما هو محرّم وهو محدود وقليل جداً ـ.

فيتمكن الفرد المسلم أن يمارس بكل سهولة جميع النشاطات اليومية واعماله الفردية والاجتماعية دون أن تعوقه مسألة اخذ إجازة، أو كسب موافقة، أو دفع ضريبة أو ما أشبه ذلك.

وعلى هذا فيتمكن كل المسلمين من موافقة حقوقهم الأولية في الحياة، وممارسة حرياتهم الإسلامية مثل: حرية التجارة، الزراعة، الصناعة، السفر والإقامة، العمران والبناء، العمل والاكتساب، حيازة المباحات، حرية تأسيس المعامل والوحدات الصناعية الكبيرة والصغيرة، حرية النشاطات الثقافية من نشر الصحف والمجلات والكتب، حرية الاستفادة من المؤسسات العامة كالإذاعة والتلفزيون، حرية المشاركة في الانتقاد البناء، حرية الترشيح للانتخابات الحكومية، حرية التقليد من أي مرجع تتوفر فيه الشروط المعتبرة، وغيرها من الحريات الإسلامية الكثيرة والتي هي اكثر بكثير من الحريات الموجودة في بلاد الغرب، و أن الغرب كان قد وعى مغزى الحريات الإسلامية وطبقها في بلاده ليتقدم اكثر بكثير مما هو عليه الآن، كما بيّنا ذلك في بعض كتبنا(9).

والحاصل: إن الإسلام لا يسمح لأي دولة أو فرد أو منظمة أو مؤسسة أو إدارة من الدوائر الحكومية أن تحول بين الناس وبين الحصول على الحريات المشروعة لهم في الإسلام، كما لا يحق لها أن تشترط على الناس أن يستجيزوها في عمل أو بناء، ولا أن تفرض عيهم دفع ضرائب ورسوم مالية ولو يسيرة بازاء عمل أو بناء أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يصح ذلك كله ويرفضه الإسلام رفضاً باتاً.

ولذلك يعتبر الإسلام المنع عن هذه الحريات ـ والتي هي من الحقوق الشرعية المسلّمة للفرد المسلم ـ عملاً محرماً ومن اشد المحرمات شرعاً، فإنّ من اشهر القوانين الفقهية في الإسلام والتي قد تعدّ من ضروريات الدين الإسلامي هو قانون: (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم)(10) أي لهم كامل الحريات باستثناء المحرم منها.

الشورى الإسلامية:

واما الأمر الرابع الذي يجب على كل المسلمين العمل من أجل تحققه لرفع هذه المشاكل المعاصرة وللوصول إلى السعادة والسيادة فهو: الشورى، وذلك بأن تكون طريقة الحكم في المجتمع الإسلامي استشارية وليست فردية واستبدادية.

قال الله عز وجل: (وأمرهم شورى بينهم)(11).

يعني: إن من مواصفات الأمة الإسلامية هو التشاور فيما بينهم في كل شؤونهم وأمورهم العامة والخاصة.

وعلى هذا يحرم شرعاً أي نوع من الاستبداد والفردية وديكتاتورية الحزب الواحد وعدم الاعتناء بآراء الآخرين ومقترحاتهم، فإنه تضييع لحقوق المسلمين بل وخروج على الآية الكريمة.

كما يلزم أن تكون الأحزاب والتجمعات والهيئات وأصحاب المؤسسات العامة وكذلك جميع المفكرين والمثقفين أحراراً مستقلين للاستفادة من آرائهم وأفكارهم وخبراتهم.

ويلزم أيضاً أن تعدد الأحزاب والتجمعات والمؤسسات الدستورية في البلاد من اجل حصول المنافسة الإيجابية والسليمة المؤدية إلى تقدم البلاد وترفيه العباد، والمحصّنة من وقوع الدكتاتورية والاستبداد.

ويلزم أن تكون شورى الفقهاء المراجع في قمة الحكم الإسلامي القائم، وتكون الانتخابات لرئيس الجمهورية خلال كل فترة، مثلاً أربع سنوات أو اكثر من ذلك أو اقل، حسب ما يراه شورى الفقهاء المراجع، وذلك بكامل الحرية والانفتاح الصادق على الجماهير.

واما ما نراه اليوم في اكثر البلدان الإسلامية من بقاء الحاكم في الحكم، معتمداً على التزوير والتحوير، أو القمع والإرهاب من دون أن يفسح المجال للآخرين أو يتغيّر وينزاح من دفة الحكم فهو أمر غير جائز شرعاً.

 

1 ـالمؤمنون: 52.

2 ـ بحار النوار 75/251 ب23 ح108 بيروت.

3 ـ محمد:7.

4 ـ آل عمران: 160.

5 ـ النساء: 132.

6 ـ النساء: 87.

7 ـ الحجرات: 10.

8 ـ الأعراف: 157.

9 ـ راجع (الصياغة الجديدة) للمؤلف دام ظله.

10 ـ راجع موسوعة الفقه كتاب (القواعد الفقهية) للمؤلف (دام ظله).

11 ـ الشورى: 38.