الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

دلائل السقوط الدنيوي

ولقد سقط المسلمون دنيوياً :

والدليل : إنّ نظرة واحدة إلى واقع المسلمين اليوم تنكشف لنا هذه الحقيقة . فالمسلمون اليوم فـي العراق والعديد من الدول الأخرى لا يستطيعون بناء مسجد في المدن المقدّسة من أمثال النجف وكربلاء ، بل لا يستطيعون حتى الصلاة في المسجد ، فأكثر المساجد هنـاك أمّا مغلقة أو مهدّمة أو لا يجرأ أحد على الاقتراب منها ، لأنّه سيعرِّض نفسه لعلامات الاستفهام أو في الكثير من الدول الأخرى ، نجد بناء المسجد يخضع لضوابط وتعقيدات ومقرّرات وما إلى ذلك . وبنظرة لعامّة بلاد الإسلام : هل بمقدور أحد أن يبني بيتاً بدون ترخيص ؟

وهل بمقدور أحد أن يُعرب عن مكنون ضميره وعن آرائه ومعتقداته؟

وهل بمقدور أحد أن ينتقل بين البلدان الإسلامية بدون جواز ؟

وهل باستطاعة أحد أن ينتقل من نقطتين الفاصل بينهما عدّة أمتار أو نهر، كما هو الحال بـين العراق وإيران ، حيث لا يفصل بينهما سوى نهر ، وحيث يعيش على أطرافي النهر عشيرة واحدة لا تستطيع أن تنتقل إلى الضفة الأخرى بسبب القوانين الجائرة كالإجازة والجنسية.

وسفر الحج (الذي جَعَلناه للناس سواءٌ العاكِفُ فيهِ والبادِ)(1)، و(قياماً للنّاس )(2)، أصبح أيضاً من الأمور العسيرة .

ففي السابق كان سفر الحج متاحاً للناس بكامل الحرية ، أما اليوم فلابد من ترخيص وجواز . أصبـح المسلمون الــيـوم مكبّلين بأغـــلال القوانين الوضعية حـتى مَن يريد أن يختن مولوده .

ومن يريد أن يزوج بنته ، بل حتى من يريد أن يدفن ميّته !

ومن يريد أن ينتقل من بيته إلى بيت آخر

ومن يريد أن يحتجم

ومن يريد أن يبنّي بيتاً

ومن يريد أن يرمّم داراً

كل عمل من هذا القبيل لا يتمّ إلاّ عبر وسائط وضوابط وقوانين ما أنزل الله بها من سلطان .

أمّا لو أراد أحد المسلمين أن يؤسّس مركـزاً أو مصنعاً أو يزرع أرضاً فإن أكثر من معوّق سيواجهه .

والسبب في ذلك : إنّ هناك من يخشى تـحرّر المسلمين وتقدمهم فأكثر الحكام الذيـن وصلوا إلـى الحكم ، جـاءوا ( بقطار انكلو أمريكي )(3)، أي بقرار من الاستعمار الغربي .

وأخذ الاستعمار يتدخّل في كلّ شيء مـن شؤون المسلمين عبر هؤلاء الحكام وعبر القوانين الجائرة .

قال أحد الوزراء فـي عهد عبد السلام عارف(4): (إنّ عبد السلام أقل شأناً من خادمٍ عادي فـــي دارك وأوضـــح ذلك) بـ‍ (إذا قلت لخادمك : اسق الحديقة ، فـــإن عليك أن تــعطيه الحق أيضاً لأن يقول لك : لا تحتاج الحديقة إلى السقي لأنّي قد سقيتها من قبل) .

إلاّ إن الرئيس وهـو «عبد السلام عارف» إذا قـال له السفير الأمريكي أو السفير البريطاني أفعل كذا أو لا تفعل كذا ، فإنه لا يحقّ له أن يقول لا !

لأنّ «لا» تعني : الوداع مع السلطة والاستبدال بعميل آخر !

مصير الكفاءات

حدثت هذه القصّة لأحد أصدقائنا في إحدى البلدان الإسلامية ، وهو تاجر مرمـوق إذٍ أراد هـذا التاجـر أن ينشأ مصنعاً لتجميع السيّارات المستوردة بعد استيراد مكائنها من الخارج .

قلت له : لا تـدخل الحلبـة فإنّهم لا يفسحون لك المجال ، لأنّ الصناعة فـي العالم الإسلامي ليست بأيدي المسلمين بل هي بأيدي المستعمرين .

وذكرتُ لهُ قصة ذلك المهندس العراقـي الذي استطاع أن يصنع «ساعة يدوية» دونما حاجة إلـى قطع الغيار الأجنـبي ، حيث كان مصيره الاختفاء .

وحكيتُ له قصّةً من إيران ، محمد رضا بهلوي الذي كان يريد أن يقلّد الغرب ، وكان يريد أن يفتح علـى إيران أبواب الحضارة على مصراعيها ـ على حدّ قوله ـ فقد استطاع أحد الأشخاص أن يصنع دولاباً يدور بالهواء ولم يمض عليه وقت طويل حـتى أُلحق بالمهندس العراقي !!

وقلت له : إنّ مصير الكفاءات فـي بلادنا إمّا القتل أو الهجرة أو العزلة ، فلم يقتنع بكلامي بادئ ذي بدء .

وانصرف صاحبنا للحصول على الترخيص .. وأمضى وقتاً طويلاً بين المكاتب ، مكتب هذا الوزير ، ومكتب هذا المدير ، ومكتب هذا المسؤول ، وبعد فترة طويلة من المماطلة والوعود الكاذبة ، قالوا له : أجِّل الأمر .

ومات صاحبنا ـ رحمه الله ـ قبل أن يحصل على الإجازة !

الاستبداد أداة التحطيم

ما هو الفرق بيننا وبين الهند التي استطاعت خلال فترة وجيزة وبإمكانات محدودة أن تتقدم صناعياً وتعتمد على نفسها في الصناعة بدء من الابرة وحتى القنبلة الذرية ؟

لماذا عجز المسلمون حتى عن صنع الابرة ؟ في قِبال الآخرين الذين لا يفوقونهم لا في الذكاء ولا في الإمكانات .

بل العكس استطاع من هـو دونهم فـي الكفاءات ودونهم فـي الإمكانات أن يتقدّم أشواطاً وأشواطاً ، بينما هم لازالوا واقفين على أوّل الطريق . ليس هناك فارقٌ إلاّ في جوهر الحكم .

فالحكم في الهند يقوم على مبادئ الشورى والأكثرية والانتخابات الحرّة والتعدّدية السياسية .

أمّا عندنا ـ في بلاد الإسلام ـ فلا شيء غير الاستبداد .

والاستبداد يحطِّم الكفاءات ويقضي على القدرات والإمكانات ، قال الله تعالى :  (لا إكراه في الدِّين )(5).

وقد ورد فـي القرآن الكريم : (وأمرُهُم شُورَى بَينهُم …)(6)، (وتشاورٍ…)(7)، (وَشَاوِرهُم في الأمرِ …)(8)، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستشير أصحـابه وكذلك الإمام علي (عليه السلام)، ويقول الإمام (عليه السلام) : (مَن استبد برأيه هلك ومن شـاور الرجال شاركها في عقولها) (9).

نموذجان من التبعية للغرب

1ـ قام (رضا خان)(10) البهلوي الأول أبان حكومته بردم (63) ألف قناة وجدول ، كانت تسقي الأراضي الزراعية فتحطمت الزراعة في إيران .

وعندما جاء ابنه (محمد رضا) إلى الحكم وضع برنامجاً للزراعة سمّاه (الإصلاح الزراعي) ممّا أدّى إلى إفساد الزراعة فـي إيران وجعلها محتاجة إلى الغرب حتى في القمح والحليب ومشتقّاته ، وأضحت إيران تابعة للغرب في كلّ شيء حتى لقمة العيش .

2ـ العـراق : فقد كان قبل ثلاثة أو أربعة عقود يصدِّر الحنطة والرُّز بالإضافة إلـى التمر والفواكه ، فقد كان يعيش حالة الاكتفاء الذاتي ، وعندما حدث الانقلاب العسكري في العراق عام 1377هـ ‍(11) أصبحت تبعية العراق للغرب مضاعفة .

فبعد إن كان تابعاً في الجانب السياسي ، أضحـى تابعاً له في كلّ الجوانب حتى في لقمة العيش .. وهذه هي التبعية المطلقة .

النهب المبرمج

خلال نصف قرن استطاع الغرب أن ينهب الكثير مـن خيرات وثروات البلاد الإسلامية وأن يستقطب الكفاءات .

وكنتُ أحرص على مراقبة هذا الأمر .

فقد بنى الغرب حضارته من ثروات المسلمين

بنى المصانع من نفط المسلمين

وصنـع الطائرات والسيّارات وما شابه ، من الحديـد والألمنيوم المستورد من البلاد الإسلامية .

حتى الأحجار التي استوردوها من بلادنا استخرجوا منها الفوسفات واستخدموها كسمادٍ للزراعة ثمّ أعادوها إلينا ، وباعوا لنا نتاج ثرواتنا من غذاء وآلات بأسعار مضاعفة جداً .

لقد كان من نتائج النهب المتواصل للبلاد الإسلامية هو إفقار هذه البلاد ، فخرج المسلمون من بلادهم يبحثون عن المأوى ولقمة العيش.

وفي تقرير نشرته إحدى الصحف التي تصدر فـي إحدى الدول الأوربية يذكر التقرير إنّ «90./» من مشردي العالم هم من المسلمين.

وهذه هي النتيجة الطبيعية للنهب الاستعماري واستبداد الحكام .

العامل الرئيسي للانهيار

كلّ ما تقدّم ذكره من المآسي والويلات والهزائم ما هو إلاّ نتيجة ترك المسلمين للقرآن والسيرة العطرة (ومَن أعرَضَ عن ذكري فإنَّ لهُ معيشةً ضنكاً)(12)، ولكي لا يكون الكلام عاماً ، ولمزيد من التحديد نقول : يعود السبب في انهيار الحضارة الإسلامية إلى ترك المسلمين للآيات الأربعة الواردة فـي القرآن الكريم : (إنّ هـذه أمّتُكُم أمّةً واحـدةً)(13)، (إنّما المؤمِنـوُن إخـوَةٌ)(14)، (ويضعَ عنهُم إصرهُم والأغلال التي كانت عليهم )(15)، (وأمرُهُم شُورى بينَهُم...) (16).

فترك الآية الأولى ، جعل من المسلمين أمّة ممزّقة متناثرة لا يشعر سائر الجسد بالحمى إذا اشتكى منه أحد الأعضاء .

وبترك الآية الثانية ، انهارت العلاقات الاجتماعية الصادقة القائمة على روح الأخوة والإخلاص ، وحلّت محلها العلاقات المادّية القائمة على الأنانية وحب الذات .     

وبترك الآية الثالثة والرابعـة : حـلّ الاستبـداد وانتهت الحرّيات واصبح المسلم قتيلاً ، أو سجيناً ، أو مطارداً أينما حل .

من هنا يتبين لنا أن ترك المسلمين للقرآن لا يعني إنهم تركوا قراءته أو تركوا تجويده وتحفيظه أو طبعه أو تدريسه .

فهناك الإذاعات التي خُصصّت للقرآن

وهناك المدارس الكثيرة التي تقوم بتعليم القرآن

وهناك عشرات المسابقات السنوية حول القرآن

وهناك الآلاف من حفظة القرآن ، وكلّ ذلك حسن وضروري ولا نعني بترك القرآن هـذه الأمور ، التي لازال المسلمون يعملون بها ، وفقهم الله إلى المزيد .

لكن ما نقصده هو : العمل بالقرآن ، حمل القرآن في القلوب وفي السلوك ؛ التبصّر بمفاهيم القرآن وقيمه حتى يصبح كلّ مسلم إنساناً قرآنياً .

 

1 ـ سورة الحج : الآية 25 .

2 ـ سورة المائدة : الآية 97 .

3 ـ على حدّ تعبير علي صالح السعدي نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية في وزارة البكر الأولى في عهد عبد السلام عارف .

4 ـ  عبد السلام عارف من مواليد سنة 1339هـ‍ (1921م) في مدينة الرمادي ، تخرّج من الكلية العسكرية سنة 1391هـ‍ (1942م) برتبة ملازم ثاني . كـان من أعضاء الضباط الأحرار ، وأصبح رئيسا للجمهورية بعد الإطاحة بنظام قاسم في 14 رمضان 1382هـ‍ (8شباط 1963م) . اتسم حكمه بالكبت والإرهاب والعنصرية ، واكترث بتعيين الأقارب وأبناء العشيرة والبلدة في إسناد المناصب بغض النظر عن المؤهلات والقابليات والكفاءات .

قُتل مع عدد من الوزراء في 23 ذي الحجة 1385هـ‍ (13/4/1966م) إثر سقوط طائرته في منطقة قرب البصرة بسبب هبوب عاصفة رملية .

5 ـ سورة البقرة : الآية 256 .

6 ـ سورة الشورى : الآية 38 .

7 ـ سورة البقرة : الآية 233 .

8 ـ سورة آل عمران : الآية 159 .

9 ـ نهج البلاغة ، قصار الحكم : 161 . ومن ملازمات الهلاك هو الإهلاك للآخرين، وقد تحدث الإمام المؤلف عن إلزامية الشورى والنصوص الواردة فيها في كتاب» الشورى في الإسلام«  .

10 ـ ارمني من منطقة كرجستان ، ولد سنة 1295هـ‍ (1878م) ثم هاجر إلى إيران في زمن القاجار ، وأصبح وزيراً للحربية في حكومة أحمد القاجاري ، واستلم الحكم في 11 شوال 1344هـ‍ (1925م) بعد انقلاب عسكري علـى دولـة القاجار ، واستمر في الحكم إلى 1391هـ‍ (1941م) . اتسم حكمه بإحياء القومية الفارسية ونشر المذهب البهائي والقضاء على المعالم الإسلامية وهـدم المساجـد والمدارس والحسينيات ، ومنع العلماء ورجال الدين من ممارسة أدوارهم في الحياة ، فقد قتل بعضهم وسجن وعذب البعض الآخر ، ونشر الخمر والزنى والقمار ومنع النساء من ارتداء الحجاب ، وحطّم اقتصاديات البلاد ، وقتل في انتفاضة مسجد (كوهرشاد) ما لا يقل عن ثلاثة آلاف إنسان .

أقصاه الإنجليز عـن الحكم بعـد أن نصبوا ولـده محمد رضا في رمضان 1360هـ‍ ، ونفي رضاخان إلى جزيرة موريس وقتل هناك في رجب 1363هـ .

11 ـ وكان بقيادة عبد الكريم قاسم والذي ولد في بغداد عام 1914م ، وحصل على رتبة زعيم ركن عام 1955م .

قام بانقلاب عسكري  صبيحة السابع والعشرين من ذي الحجة عام 1377ه‍ (14/7/1958م) وأطاح بالحكم الملكي وأعلن الحكم الجمهوري وشكّل مجلس السيادة لإدارة البلاد وترأس مجلس الوزراء إضافة إلى وزارة الدفاع ، وألغى المظاهر الديمقراطية كالبرلمان والتعددية الحزبية ما عدا الحزب الشيوعي الذي أضحى الحزب المحبّب للسلطة ، وألغى الحكم المدني وأعلن الأحكام العرفية ، وأستمر حكمه 1666يوماً عندما تعرض لانقلاب عسكري دبره عبد السلام عارف مع مجموعة من الضباط البعثيين .

12 ـ سورة طه : الآية 124 .

13 ـ سورة الأنبياء : الآية 92 .

14 ـ سورة الحجرات : الآية 10 .

15 ـ سورة الأعراف : الآية 157 .

16 ـ سورة الشورى : الآية 38 .