الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الوعي مفتاح النهوض

من أين نبدأ النهوض ؟

في المثل إذا عُرف السبب بَطُلَ العَجَب .

وعلـى رأي الحكماء : (إذا عرفت علة الضدّ تعرف علة ضدّه) وحيث إنّنا عرفنا أسباب السقوط سنتعرّف منها على أسباب النهضة .

وهي بالطبع الرجوع إلى أحكام القرآن ، وأوّلُ خطوةٍ نحو ذلك : التوعية الحيوية والتنظيم الصحيح .

والوعي على أنواع :

فهناك وعيٌ بالعقيدة

وهناك وعيٌ بالمعاملة

وهناك وعيٌ بالأخلاق والآداب

فكلّ ذلك صحيح وضروري ، لكن يجب إلى جوار ذلك كله : الوعي بأمور الحياة وفهم الحياة .

يقول الله سبحانه وتعالى : (إذَا دَعَاكُم لِمَا يُحييكُم ...)(1).

وهذا الذي لا يريده الغرب ولا يريده الذين سلّطهم الغرب على رقاب المسلمين من حكّام وظالمين .

إنهم يفتحون لنا المدارس ، ويفرضون علـى أبنائنا القراءة والكتابة ولكن تحت لواءهم ولتحقيق مآربهم ونزواتهم ونشر ثقافتهم .

يعلّموننا ركوب السيّارات ولكن لا يَدَعونا أن نتعلّم كيف نصنع السيّارات ؟

وكيف نصنع الطائرات ؟

وكيف نصنع الكمبيوتر ؟ وما أشبه ذلك .

إنّهم يعلّموننا كلّ شيء إلاّ (فن الحياة) .

و«فن الحياة» هو كيف تمتلك مقومات الحضارة ؟ وكيف تعيش سعيداً ؟ وكيف تعيش عزيزاً ذا كرامة ؟

إذن : طالما لا يريد الغرب لنا التقدّم ، فلنعمل بأنفسنا ولنحاول أن نتقدّم دون مدّ اليد إلى الغرب .

وطريقنا إلى ذلك هو : الحرّية والشورى والأمّة الواحدة والأخوة الإسلامية وجمع الكلمة ورجاء الله واليوم الآخر .

فـ‍ : (مَـن سمـع رجـلاً ينادي : يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم) (2).

(أحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك) (3).

(المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه) (4).

(المسلمون أخوة تتكافؤا دمائهم يسعى بذمتهم أدناهم) (5).

(فما آمن بي من بات شبعاناً وجاره المسلم جائع) (6).

إلى عشرات بل مئات من الأحـاديث والروايات التي تملأ كتب السيرة الطاهرة قولاً وعملاً وتقريراً .

عاملا النصر

هذه هي الثقافة الحقّة التي بواسطتها يستطيع المسلمون أن يشقّوا نصف الطريق ، ويبقى أمامهم النصف الثاني .

والنصف الثاني هو : (التنظيم الصحيح) .

والتنظيم بنفسه صعب إلاّ أنّه أصعب في البلاد المتخلِّفة ، لذا كان لابدّ من التحلّي بالصبر الطويل وبسعّة الصدر إلـى جانب مقدّمات أخرى عديدة(7).

ومنشأ الصعوبة في التنظيم إنّه يقوم علـى أذواق وأفكار وأمزجة مجموعة من الناس ، والتي هي بالطبع مختلفة ، فحتى الشخص النـزيه الذي لا يريد مالاً ولا جاهاً يختلف موقفه من التنظيم ومناهجه ومواقفه تبعاً لأفكاره وتصوّراته وعواطفه . فقـد خلق الله تبارك وتعالى نفوس الناس على أنماط مختلفة ـ كما خلق الناس على أشكال مختلفة ـ .

لذا كان مـن الطبيعي صعوبة جمع عـدد مـن الناس وتعاضدهم وتعاونهم نحو هدف معين خصوصاً والتنظيم بحاجة إلى التربية المستمرة، والتي تبدأ من الصفر حتى يصل المنظمون إلى مراحل النضج ، وهذا أمرٌ صعب التحقّق في البلدان الإسلامية ـ في الحال الحاضر ـ .

قال أحـد رؤساء فرنسا : (من يريد أن يحكم فرنسا لابدّ له أن يعرف حتى أقسام الجبن الموجود في هذا البلد) وأضاف (وهي ثلثمائة قسم) !!

وقد كان من علل صعوبة ذلك في بلاد الإسلام إنّها وقعت تحت فوضى العثمانيين(8) والقاجاريين ومن شابههما وسلوكهم الخاطئ في الحكم قروناً متمادية .

ومـن الطبيعي إنّ الأرضية الصالحة والطالحة والعادات المتوارثة وأفكار الآباء والأجداد ونمط العلاقات الاجتماعية والتربوية لها تأثيرها السلبي أو الإيجابي على الأجيال اللاحقة .

إنّ العديد من الأحزاب والحركات الإسلامية منها وغير الإسلامية ما وصل منها إلى الحكم وما لم يصل ، لم يزيدوا الطين إلاّ بلّه كما يقول المثل. فالتي وصلت حكمت البلاد بنفس الطريقة التي حكمها الآخرون، فبدل أن تكون عوناً للمسلمين أصبحت فرعوناً كما يقول المثل ، والتي لم تصل إلى الحكم ابتليت بداء العنجهية والاعتباطية والتشتت .

التنظيم الشامل

وبعد تأسيس التنظيمات ، لابدّ مـن جمع التنظيمات المختلفة في جبهة واحدة ـ مع الاحتفاظ بقاعدة التعدّدية ـ ويكون كحكومة فدراليّة مثلاً ، فالتنظيم الواحد الشمولي لكلّ بلاد المسلمين يوفّر للأمّة عوامل التقـدّم ويكـون بمستوى الصراع العالمـي ، وعندما تكون التنظيمات متشتتة لا يجمعها جامع ولو كلّي وفـي الخطوط العريضة فإنّها لا تستطيع أن تقاوم الاستعمار .

لذا لم نجد طيلة هذا القرن حتى بلداً إسلامياً واحداً أخذ بأسباب النهوض ، فالنهضة لا تأتي بالمعجزة .

صحيحٌ إن الله تبارك وتعالى ينصر المؤمنين لكن ينصـرهم عندما ينصرون دينه ( إِن تَنصُرُوا اللهَ ينَصُركُم)(9).

لقد غاب عن أذهان الكثير مـن المسلمين ، أنهم يواجهون ألف مليون إنسان منظّم في أوربا وأمريكا لا يريدون للمسلمين أن يتقدّموا، وأنّهم يحاربون أية خطوة يخطوها المسلمون نحـو الأمام ، فهم أعداء المسلمين التقليديون .

لقـد فهم الغرب إنّ أيّ تقـدّم معناه كساد الأسواق الغربية ، ووقوف معاملهم عن الإنتاج ، ومعناه أيضاً هزيمتهم فكرياً ومعنوياً ، ومعناه أيضاً انهزامهم في مناهج الإدارة والتقنين .

إنّهم يفهمون أن تقدّم المسلمين يعني مناصفة السيادة في العالم بينهم وبين غيرهم .

أي أن يتبقى لهم من السيادة نصفها ويكون نصفها الآخر للإسلام، وهذا ما لا يطيقوا تصوّره .

إنّهم لا يقبلون حتى بمناصفة السيادة بل بنسب أقلّ من ذلك بكثير مع البوذيين والهندوك ، فكيـف بالمسلمين الذي يعتبرونهم أعداءهم الحقيقيين .

معرفة العدو

لقد بذل الغربيون خلال نصف قرن «ألف مليار دولار» لمحاربة الشيوعية حتى أسقطوها وجعلوها في خبر كان .

وقد صرفوا هذه المبالغ على القدرات العلمية وعلى الحرب النفسية وعلى الإنفاق العسكري وعلى الجواسيس وعلى ...

وفي ظن الغرب أنّهم يعيشون اليوم نشوة الانتصار ، فهل سيدَعون للمسلمين فرصة لأن يكونوا قوة عظمى تنافسهم ؟

لكن على رغم محاولات الغرب لنسف أيّ تقدّم إسلامي «لابدّ من صنعا وإن طال السفر» كما جرى المثل الشائع .

فسنة الله التي كانت إلى جانب المسلمين يوم بنوا حضارتهم ـ عبر الالتزام بمناهج الإسلام ـ ستكون إلى جانبهم متى شاؤا ذلك .

وقد قال تعالى في كتابه : ( وَتِلكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَينَ النَّاسِ)(10).

وقد وعد الله بنصر المؤمنين إن عاجلاً أو آجلاً : ( إن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُركُم وَيُثَبّت أَقدَامَكـم )(11)، ( وإِن ينَصُركُمُ اللهُ فَـلا غَالِبَ لَكُم...) (12).

ومن الواضح إن هنالك محاور خاصّة فـي الغرب تعادي الإسلام والمسلمين ، وليس العداء طابعاً عاماً بل هنالك الكثير مـن طبقات الشعب ومن المفكّرين من لا يحمل ذلك العداء بل إنه على استعداد ، فيما لو عُرض الإسلام بصورته الصحيحة ، لتقبّله ولاستجاب لمبادئه الإلهية(13) .

 

 

1 ـ سورة الأنفال : الآية 24 .

2 ـ الكافي ( أصول ) : ج 2 ، ص 164 ، ح 5 .

3 ـ الكافي ( أصول ) : ج 2 ، ص 170 ، ح 5 .

4 ـ وسائل الشيعة : ج 8 ، ص 597 ، ح 1 .

5 ـ وسائل الشيعة : ج 6 ، ص 366 ، ح 4 .

6 ـ وسائل الشيعة : ج 6 ، ص 32 ، ح 16 .

7 ـ راجع السبيل إلى إنهاض المسلمين ، والوصول إلـى حكومة واحدة إسلامية ، للإمام المؤلّف (دام ظله) .

8 ـ بلغ عدد سلاطين العثمانيين 37 ، أولهم عثمان الأول بن أرطغرك الذي مسك بزمام الأمور سنة 724هـ‍ (1334م) وآخرهم عبد المجيد الثاني الذي بـدأ حكمه سنة 1341هـ‍ (1922م) ، وأشار الإمام المؤلف إليهم في كتابه موجز عن الدولة العثمانية .

9 ـ سورة محمد : الآية 7 .

10 ـ سورة آل عمران : الآية 140 .

11 ـ سورة محمّد : الآية 7 .

12 ـ سورة آل عمران : الآية 160 .

13 ـ للتفصيل راجع كتاب (الغرب يتغيّر) للإمام المؤلّف (دام ظله) .