الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

كيف نعيد الحياة للإسلام ؟

فإذا أردنا أن نعيد الإسلام إلـى الوجود مجدّداً ، فإننا بحاجة إلـى أمرين اثنين ـ إضافة إلـى ما سبق من إيجاد الوعي وتحقيق الأخوة ، والأمّة الواحدة والحرّية والشورى ـ هما :(المبدأ) و(المعاد) كما فعل القرآن الكريم والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الأطهار ذلك .

علينا أن لا نعتبر هذا أمراً هيناً ، فإنّ معنى الاعتقاد الجازم ب‍(المبدأ والمعاد) يعني أن يشعر الإنسان فـي قرارة نفسه بأنّه مراقب في كلّ لحظة من حياته مراقبة دقيقة ، أن يشعر بوجود الملائكة الـتي تسجِّل كلّ سكناته وحركاته ؟

(مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إلاَّ لَدَيه رَقيبٌ عَتِيدٌ) (1). (كرَاماً كَاتِبينَ  يَعلَمُونَ ما تَفعَلُونَ) (2). ومن وراء الكرام الكاتبين الخالق العظيم الذي (لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَومٌ ) (3). وإنّ هـؤلاء المراقبين لا يسقطون حقاً ولا يثبتون باطلاً(4) .

وإنّ الإنسان محاسب فـي هذه الدنيا قبل الآخـرة : (وَأنَّ سَعيَهُ سَوفَ يُرَى ثمّ يجزَاهُ الجَزَاءَ الأَوفَى) (5) ، ثمّ يتحسّس الإنسان المسلم وهو في الدنيا حساب الآخـرة ، وكأنّه سيأخذ إلـى الحساب على رؤوس الإشهـاد ، (فَمَن يَعمَل مثقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ وَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ شرَّاً يَرَهُ) (6). فالإنسان مجزى بعمله إنّ خـيراً فخيراً وإنّ شراً فشراً ، ثمّ (يُجزَاهُ الجَزَاءَ الأَوفَى) (7). وإنّهُ لا فـرق فـي هذا الجزاء بين العقيدة والعمل والنية .

عظم المسؤولية

قال سبحانه : (وإن تُبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ يُحاسَبكُم بهِ اللهُ …)(8). ولقد عاقب الله سبحانه وتعالى قوم صالح عندما فعل بعضهم المنكـر  (وهو عقر الناقة) وبعضهم تعاون مع الفاعلين وبعضهم سكت ، فشملهم العذاب بأجمعهم .

وقد ورد في الزيارة : (ولَعَنَ اللهُ أمةً سَمِعَت بذلكَ فَرَضِيتِ بهِ) (9).

إنّ الذوبان في فكـرة (المبدأ والمعاد) تُشعر الإنسان بأنّه بين الجنّة بدرجاتها المتصاعدة وبين النار بدركاتها المتنازلة .

وقد رأيت فـي عمري المحدود أناساً تلمح عليهم آثار خوف الله سبحانه ويتجلّى ذلك في وجناتهم وحركاتهم وسكناتهم .

وقـد عاشرت السيد حسين القمـي والسيد الوالد وغيرهما من المراجع ، ورأيتهما إذا سئلا عن مسألة لا يتذكرانها قالا : لا أتذكر .

وكانا يقولان ذلك في محضر من الناس .

وشاهدت السيد عبـد الهادي الشيرازي (رحمة الله) كيف كان يخشى من توجيه الناس إليه لتقليده في الأمور الشرعية بعد السيد أبو الحسن الأصفهاني ، كما يخاف أحدنا من هجوم أسدٍ عليه .

وسمعت إنّ واحداً من طلبة العلوم الدينيّة دعـى الله سبحانه بكلّ جدٍّ ، عند حرم الإمام علي (عليه السلام) : إنّه ان لم يكن من المقدّر له أن يبقى حتى يـدرك زمان الإمام المهـدي (عجل الله تعالى فرجه) فليعجِّل الله في موته ، وقد أخذته الحمى عقيب دعائه مباشرة ولم يبق إلاّ ثلاثة أيّام ، حتى التحق بالرفيق الأعلى .

وشاهدت عميّ السيد جعفر وقـد كانت الآخـرة عنده كغَدِهِ ، فعندما كان يودِّع صديقه كان يَعِدَهُ أن يجتمع به غداً فـي الآخرة ، كما يَعِدُ أحدنا الآخر بأنً يلتقي معه غداً .

ورأيت الشيخ الطالقاني (رحـــمه الله) الذي قال عـنــد موته في محضر من العلماء ، وقد عرق جبينه وفتح عينه بعد غشوة : (لو أنّ المؤمن علم ما أعدّه الله سبحانه وتعـالى له فـي الآخرة : لم يبع دقيقة من الآخرة بكلّ الدنيا .

ورأيت السيد الطباطبائي (رحمه الله ) الـذي لم يسمح لنفسه أن يكذب كذبة واحدة ليربـح بسببها (تولية الوقف) تدِّرُ عليه أموالاً طائلة ، بالرغم من كونه هو المتولي الشرعي ، لكن إثبات التولية لدى الدولة ـ كانت تتطلب كذبة من السيد أمام الحاكم ـ لكنّه لم يفعل ذلك .

ورأيت أشياء أخرى(10).

وكلّ من عمّر مثلي رأى أمثال ذلك أيضاً :

رأى كيف كان الحجاب في العراق في مدينتي النجف وكربلاء وما إليهما ، وكيف كانت النساء يتسترن خلف الحجاب ، فلا يظهر من وجوههن حتى بمقدار الأنملة ، إلاّ بعـض النساء الريفيات ، وكنّ في أغلب الأحيان محجبات بالمقدار الشرعي .

ورأيت كيف كان الناس صادقين فـي معاملاتهم ، وكيف كان الواحد يساعد الآخر ، فكان أسوتهم فـي ذلك : (الدين المعاملة) و(الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا مَـن فـي الأرض يرحمكم مَن في السماء) (11).

وكيف أصبح المسلمون اليوم ؟

وكيف أمست أسواقهم ؟

وكيف أصبحن نساؤهن ؟

لقد تغيّر المسلمون فغيّر الله واقعهم إلى أسوء .

(إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيِّرُ ما بأنفسهم) (12).

الاتكال على الله وطلب التوفيق

إنّ الاعتقاد ب‍(المبدأ والمعاد) يُوجد فـي النفس الشعور بعظمة الله وإنّه هو كل شيء في هذا الوجود .

فما من جمال أو كمال وما من حاجة إلاّ وهي بيده ومنه .

لقد جاء جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الآيات، عندما عاد من الغار بعد نزول آية (اقرأ) ، وقـد أخذته الرجفة من هول المسؤولية ، نزل عليه جبرئيل : ( يَا أَيُّها المُدَّثِّر  قُم فَأَنذِر  وَرَبَّكَ فَكِبّر  وَثيِابَكَ فَطَّهّر  والرُّجزَ فَاهجُر وَلا تَمنُن تَستَكثِرُ) (13).

أجل وربك فكبر: أيّ استشعر عظمة الله وإنّه أعظم من كلّ شيء، وأكبر من كل سلطة .

إنّه أكبر من كلّ كيد .

وأكبر من كل قوّة .

فكلّما وجدت شيئاً كبيراً أو قوياً أو عظيماً ، فـإنّ الله أكبر منه وأقوى منه وأعظم منه .

وكلّما شاهدت جمالاً أو كمالاً فـإنّ الله أجمل منه واكمل ، فهو مصدر الجمال ومصدر الكمال .

وبيده كلّ الحاجات . وقد جعل من الدعاء مفتاحاً للحاجات .

وقال ربكم : (أُدعُوني أَستَجِب لَكُم ...) (14).

وقال أيضاً : (وإِذا سَئَلَكَ عِبادِي عَنّي فَإنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعَوةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ...) (15).

وقال عزّ من قائل : (قُل اللهُمَّ مَالِكَ المُلكِ تُؤتي المُلكَ مَن تَشَاءُ وَتَنـزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدكَ الخَيرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ) (16).

وقال أيضاً : (مَن كانَ يُريدُ العِزَّةَ فللّهِ العِزةُ جَميعاً) (17).

وفي يوم بدر وعندما أركب المشركون العزى وهُبل علـى الجِمال وكانوا يهتفون : (إنّ لنا العزّى ولا عزّى لكم) .

قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين قولوا في قِبالهم (الله مولانا ولا مولى لكم) (18) .

وعندما كانوا يهتفون : (اعلُ هُبل اعلُ هبل) .

طلب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من المسلمين أن يهتفوا قائلين : (الله أعلى وأجل) (19).

هذه عن العظمة

أمّا عـن الجمال : فـ‍ (إنّ الله جميل يحب الجمال) (20) كما ورد في الحديث.

ومن يطلب العزّ والجمال والكمال فطريقه هو الله تبارك وتعالى . وذلك بنصر دينه والالتزام بمناهجه وقوانينه .

وقد قال سبحانه : (إن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُركُم وَيُثَبّت أَقدَامَكُم) (21).

وقال أيضاً : (إن يَنصُركُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُم.. ) (22).

الطريق إلى العزة

فمن خلال هذه الآيات .

ومن خلال الواقع التاريخي للمسلمين .

ومن خلال الواقع الشاهد على تردّي المسلمين .

ومن خلال جميـع هذه الأبعاد ، إذا أراد المسلمون السلطة والعزة والجمال والكمال وكلّ خـيرٍ ، فإنّ عليهم أن يلجؤا إلى الله سبحانه ليفيض عليهم منها ـ كما يشاء ـ ، (أمَّن يُجِيبُ المُضطرَّ إذَا دَعَاهُ ويَكشِفُ السُّوءَ) (23) ، ويجعلكـم خلفاء الأرض ، فيجب أن يستشعر كلّ واحد منّا خوف الله .

ويجب أن نستشعر إلى جانب الخوف الأمل والرجاء .

الأمل بالنصر

والرجاء بثوابه

وهذه هي الأسّس النفسيّة لأيّ انتصار: الخوف .. الأمل.. الرجاء.

يجب أن يكون كلّ واحـد منّا مستعداً لتحمّل المسؤولية و (تحت الخدمة) .

فكلّ قـول نقوله وكلّ فكـر نفكّره وكلّ عمل نقوم به ، يجب أن يكون تحت ظلّ القرآن والسنة .

يحب أن نكون في حضور دائم منقادين انقياداً تامّاً إلى الله سبحانه، مسلّمين أمرنا تسليماً كاملاً له .

وهذه هي كلمة البداية وإن جـاءت فـي النهاية . وإنّها هي أوّل شرط للنهوض ، فبالتسليم المطلق لله ، والذوبان في المبدأ والمعاد يحصل المسلمون على سيادتهم وعزّتهم .

صحيح إنّ الكثير من حكام المسلمين سابقاً كانوا فاسقين ويعملون بالفجور ومع ذلك كانت السيادة للمسلمين .

وصحيح أيضـاً إنّ حكّـام الغرب يرتكبـون المعاصي ويعملون المنكرات ومع ذلك فالتقدّم من نصيبهم .

هذا صحيح ، ولكن : ليس هذا هو المقياس .

المقياس هو العامّة وليس الخاصّة وهـو مختلف القوانين لا جانب واحد منها .

فصحيح إنّ الخلفاء كانـوا منحرفين لكـنّ الإطار العام للشعب وللقوانين الحيوية كان إسلامياً ، فالقوانين فـي مجال : حرّية التجارة والزراعة والسفر .. والسلوك ، المظاهر والبواطن إلاّ مَن شذّ وندر .

أمّا اليوم فقد تغيّر الأمران .

فالعامّة ترتكب المنكرات من شرب الخمور والسفور وتتعامل بالربا وتمارس البغاء والغناء وتستخدم أدوات الطرب واللهو .

والأحكـام الإلهية في الزراعة والصناعة والـدولة و... تغيّرت من قوانين إسلامية إلى قوانين فرنسية وبلجيكية .

أمّا الغرب فحسابهم يختلف تماماً .

فالأوّل : ليس مـن يعلم كمن لا يعلم ـ كمـا ورد في الحديث الشريف .

وثانياً : الغـرب استفاد مـن الإسلام الكثير ، ويمكننا أن نراجع الكتب الكثيرة التي كتبت في هذا المجال(24)، والمسلمون هم آباء العلم الحديث .

فالغرب أخذ من الإسلام الحرّية التجارية .

وأخذ منه قواعد استثمار الأرض في الزراعة .

وأخذ منه قاعدة المضاربة في تطوير الصناعة .

وأخذ منه بعـض الشورى وسماها بالديمقراطية ، لأنّ هناك فروق بين الشورى فـي الإسلام والديمقراطية الغربية ، ذكرناها فـي بعض كتبنا(25).

أمّا التزام الغرب ـ فـي حدود معيّنة ـ بقضية حقوق الإنسان واحترامه للكفاءات والتزامه بالنظافة والنظام وبالتكافل الاجتماعي ، فهي من مزايا الحكم الإسلامي .

وما ترى من مثالب الغرب وطغيانه وتعدية على حقوق الآخرين ، فإنما هـو نتيجة تركـه للالتزام بكامل القوانـين الإسلامية الحيوية من حيث يشعر أو لا يشعر ، وكان تقـدّمه رهين بهـذا القدر الذي تمسك به .

لقد استفاد الغرب منها بعد أن تركها المسلمون ، ولقد قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : (الله الله في القرآن لا يسبقنكم بالعمل به غيركم)(26).

وهذا هو الخسران الأكبر ، أن يربح أعداءنا على حساب ما نملك، ولو استفاد الغرب مـن كلّ قوانين الإسلام فـي الاقتصاد والسياسة والأخلاق و..لتحولت الدنيا إلى جنة …

ولولا بقايا لطف الله بالمسلمين ، لكان الأمر عليهم أشدّ وأسوء ، كما قال تعالى في الحديث القدسي : (لصببتُ عليكم العذاب صبّا).

نسأل الله العزيز أن يعـود علينا بوجهه الكريم وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وهو المستعان .

سبحان ربّك ربّ العزة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربِّ العالمين .

 

15 محرم 1415 هـ

قم المقدّسة      

محمّد الشيرازي   

 

1 ـ سورة ق : الآية 18 .

2 ـ سورة الانفطار : الآية 11ـ12 .

3 ـ سورة البقرة : الآية 255 .

4 ـ وإنّما هناك أمور لله سبحانه يخفيها عنهم فلا يكتبوها ، فقد ورد في دعاء الإمام علي (عليه السلام) لكميل : (وكُنتَ أنتَ الرَّقيبَ عليَّ من ورائِهم والشاهِدَ لما خَفِيَ عَنهُم وبرحَمتِكَ أَخفَيتَهُ وبفَضلِك سترته) الدعاء والزيارة : ص127 .

5 ـ سورة النجم : الآية 40 .

6 ـ سورة الزلزلة : الآية 7-8 .

7 ـ سورة النجم : الآية 41 .

8 ـ سورة البقرة : الآية 284 .

9 ـ مفاتيح الجنان : ص430 ، زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) .

10 ـ تطرق الإمام المؤلّف إلى أشباه هذه القصص في كتاب (حقائق من تأريخ العلماء) و(من أخلاق العلماء) .

11 ـ غوالي اللئالي : ج1 ص361 .

12 ـ سورة الرعد : الآية 11 .

13 ـ سورة المدثر : الآية 1-6 .

14 ـ سورة غافر : الآية 60 .

15 ـ سورة البقرة : الآية 186 .

16 ـ سورة آل عمران : الآية 26 .

17 ـ سورة فاطر : الآية 10 .

18 ـ بحار الأنوار : ج 44 ص 76 ح 1 .

19 ـ بحار الأنوار : ج 20 ص 91 ح 20 .

20 ـ وسائل الشيعة : ج 3 ص 331 ح64 . 

21 ـ سورة محمد : الآية 7 .

22 ـ سورة آل عمران :160 .

23 ـ سورة النمل : الآية 62 .

24 ـ من هذه الكتب (شمس الحضـارة الإسلامية تسطع على الغرب) وراجع ، حول هذا المبحث كتاب : الصياغة الجديدة وكتاب من التمدّن الإسلامي وغيرهما للإمام المؤلف .

25 ـ تطرق الإمام المؤلّف إلـى الفرق بين الشورى والديمقراطية في طيّات الكتب التالية : (الشورى في الإسلام) و(الصياغة الجديدة) و(السبيل إلى إنهاض المسلمين) و(الفقه الحكومة العالمية الواحدة) كما لا يخفى إنّ الشورى في الإسلام مباينة للديمقراطية التي جاء بها اليونان في عصور ما قبل الميلاد . وإنّ ديمقراطية الغرب أشبه بالشورى من الديمقراطية اليونانية والرومانية .

26 ـ نهج البلاغة : كتاب 47 .