الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

المشاكل التي تواجه النهضة

هذا ولا يخفى ان هناك مشاكل للنهضة الجديدة لا بأس بالتطرق إليها، فان النهضات الشعبية مهما كانت أسبابها؛ من دينية او وطنية او اقتصادية او غيرها، لابد وأن تأتي بمفاهيم جديدة قد لا يألفها الشعب في الزمان السابق.

 فان الشعب إنما ينهض لأجل الظلم والطغيان الذي يجدهما في الحكام السابقين وبرجاء تحسين الأوضاع، لكن النهضة لا تقف عند هذا الحد، بل تتعداه الى تطبيق مفاهيم خاصة، والآن يرى الشعب أشياء أخر قد لا يألفها فيقوم ضد التطبيقات الجديدة، وتقع المحاربة بين الشعب والناهضين مرة اخرى، تنتهي الى أحد أمرين:

1: سقوط النهضة، لان الشعب أقوى من النهضة والقائمين بها.

2: الديكتاتورية المطلقة عند الناهضين الحكام، بالقتل والمصادرة والسجن والكبت والإرهاب، فالأمر ينتهي لا محالة إما بسقوط النهضة او سقوط الناهضين.

وإذا انضم الى الشعب أناس من الخارج ينصرونه ضد الناهضين الحكام، كان سقوط أحد الأمرين اقرب، كما انه إذا انضم الى الناهضين استعمار من الخارج كان السقوط أيضا اقرب، لكن إذا انضم الخارج الى الناهضين كانت الديكتاتورية اشد، أما إذا انضم الخارج الى الشعب كان سقوط النهضة اقرب.

وفي هذا يكمن سقوط ثورة الدستور في إيران(1)، وثورة العشرين في العراق(2)، كما ان في عكس ذلك يكمن نجاح ثورة التنباك (التبغ)، فثورة التنباك، قام بها الميرزا المجدد الكبير(3) رحمه الله، لأجل قضية مهمة، وهي إخراج البريطانيين من إيران، الذين أرادوا استعماره تحت واجهة التنباك، وقد وفق لذلك اكبر توفيق، ولما تمكن رحمه الله من إخراجهم لم تكن هناك قضية اخرى، وتبديل البنى والمفاهيم، فلم يقع بين الشعب والنهضة تصادم، بل انتهى الأمر بسلام.

أما ثورة الدستور، فقد كانت موجهة ضد النظام القائم بتبديل الملكية الى الدستورية، فلما ان أزيل الاستبداد، وجاء أهل المجلس الى الحكم، وقع التصادم، لان الشعب اعتادوا الملكية، والدستور كان له مفاهيم جديدة لم يتحملها الشعب، فوقع التصادم، وسم قائد الثورة الآخوند(4) رحمه الله، فلم يكن هناك ربان يوصل سفينة الثورة الى الشاطئ بسلام وبقي التصادم، وتدخل الأجنبي، فاسقط النظام الجديد، وأتي بالديكتاتور البهلوي الذي كان عبداً مخلصاً للأجنبي، وانتهى الأمر بالأسوأ، مما سبب ان يظن الناس ان الملكية افضل من الدستورية، لان الملكية ظلم فقط، أما الدستورية فظلم واستعباد معاً ـ في نظرهم ـ.

وأما ثورة العشرين (الستين الهجرية) فقد ابتليت بنفس المشكلة حيث سم القائد الإمام(الشيخ محمد تقي) الشيرازي رحمه الله، ولم يتمكن اخلافه من القيادة المنتجة، للسير بالأمة الى الأمام بسلام..

ان القائد تمكن من ان ينتزع العراق ذات بضع ملايين، مع عدم جيش منظم، ولا سلاح ولا عتاد، من أنياب بريطانيا، وقد كان وراء بريطانيا أكثر من ألف مليون (الهند، الصين، مصر، و..) بأحدث جيش منظم مسلح، لكن القائد عمل في:

1: تحريك الحافز الديني بسبب العلماء.

2: تحريك عشائر العراق، بإيجاد النخوة الإسلامية فيهم، وصبّ المال المتوفر للمرجع الأعلى عليهم صباً ، وجعل رؤساء العشائر في حكومته التي شكلها في كربلاء المقدسة.

3: تحريك الهند، وهي درة تاج بريطانيا.. وسائر بلاد الإسلام كإيران وأفريقيا، فان بريطانيا رأت نفسها بين ان تسحق العراق سحقاً كاملاً (وكان بإمكانها ذلك) لكن الاضطرابات تقع في الهند بما لا يحمد عواقبها، وبين ان تخرج من العراق، حتى تتمكن في فرصة أخرى من ان تدخلها، فرأت ان الثاني افضل، ولذا خرجت.

4: تحريك (عصبة الأمم) لنفع العراق واستقلاله، وبهذه الأمور الأربعة تمكن القائد من فعل شبه المعجز.

لكن لما استشهد القائد (رحمه الله)، سقطت الثورة وعاد البريطانيون الى العراق، لان الشعب لم يتمكن من تكوين قيادة جديدة كفوءة، والثوار لم يتمكنوا من استقطاب الشعب، حيث كان التصادم بين الثوار وبعض الشعب ـ على ما ذكرناه ـ.

وهكذا سقطت الثورتان (الدستورية والاستقلالية).

 

1 ـ في النصف الثاني من القرن الثالث عشر ومطلع القرن الرابع عشر الهجري تزايد الظلم والاستبداد والجور في إيران في عهد الملك القاجاري ناصر الدين شاه، وبلغ هذا الظلم والاستبداد ذروتهما في عهد الملك القاجاري محمد علي شاه ابن الملك مظفر الدين شاه، حيث تردّت الأوضاع الاجتماعية في ظل هؤلاء الملوك وتفشت الأمراض وانتشر الفقر حتى آل الأمر الى هجرة أعداد كبيرة من الناس الى البلاد الروسية والعثمانية طلباً للنجاة او بحثاً عن لقمة العيش، هذا الى جانب تصاعد الصراع الروسي البريطاني على النفوذ في إيران من جهة وتطور العلاقات الإيرانية الروسية في اتجاه خطير بحيث أصبحت روسيا القيصرية الممول الرئيسي وصاحب القروض الأولى للحكومة الإيرانية من جهة أخرى.

 عند ذلك قام الآخوند الخراساني (قده) مع جمع من العلماء بتقديم نصح للملك القاجاري محمد علي شاه بالعدول عن سياساته الخاطئة والظالمة، ولما لم يأبه الشاه بنصائحه واستمر في استبداده وتجاهله لحقوق الشعب، أيد الآخوند الخراساني ما اصطلح عليه يومئذ بالمشروطة (أي الملكية المقيدة بالمجلس النيابي أو الملكية الدستورية) بهدف تحديد سلطات الشاه ولأجل خضوع هذا المجلس للشريعة الإسلامية، وانطباق مقرراته على الموازين الدينية بعث الآخوند خمسة فقهاء الى هذا المجلس أبرزهم السيد حسن المدرس بهدف النظارة على نشاطه التشريعي، باعتبار ان هذا النمط من الحكم هو البديل الممكن لا البديل الحقيقي . راجع (كفاية الأصول) ص 13-14 ط مؤسسة النشر الإسلامي، قم المقدسة.

2 ـ الثورة التي قام بها آية الله العظمى الشيخ محمد تقي الشيرازي (قده) وجمع من العلماء في العراق سنة هـ ‎ م وطردوا الاستعمار البريطاني منها.

3 ـ آية الله مجدد المذهب الحاج ميرزا محمد حسن بن السيد ميرزا محمود ابن ميرزا إسماعيل الحسيني الشيرازي، راجع ترجمته في كتاب (الكنى والألقاب) ج 3 ص222-223.

4 ـ هو الشيخ محمد كاظم ابن المولى حسين الهروي الخراساني المعروف بـ (الآخوند الخراساني) ونسب الى هراة، ولد عام 1255هـ، ووافته منيته قبيل صباح يوم الثلاثاء في العشرين من شهر ذي الحجة عام 1329هـ. راجع (كفاية الأصول) ص5-17 ط مؤسسة النشر الإسلامي قم المقدسة. وراجع كتاب (الصياغة الجديدة) ص 706.