الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

مواكبة العصر

ثم انه حيث ان الزمان يتبدل، والمفاهيم تتغير، فالحكام القدامى، إذا لم يتمكنوا من التوفيق بين أنفسهم وبين المفاهيم العالمية الجديدة، ابتدأ التصادم، فالقدامى يتمسكون بالمفاهيم السابقة، بينما الطلائع الجديدة، يتمسكون بـ (العدالة الاجتماعية) و(الاشتراك في الرأي) و(الحرية) و(كون العلم والمال والحكم، مباحاً للجميع، حسب الكفاءات) الى غير ذلك من المفاهيم الكامنة في نفس كل إنسان بالفطرة.

وإذا وقع التصادم، لابد وان ينتهي الى النهضة، وإسقاط الحكام، ومجيء حكام جدد الى سدة الحكم، ويشرع التصادم من جديد، لما ذكرناه آنفاً ، حيث مفاهيم الثوار غير المفاهيم القديمة السائدة والتي اعتادها الشعب.

الحوار الحر

والمهم على الناهضين ان شاءوا البقاء، ولم تأخذهم نشوة النصر، ان يفتحوا الحوار المتواضع مع الناس دائماً، حتى ينتهي الى الحلول الوسطى.. فانه لا شك في كون بعض الحق مع الناهضين، في المفاهيم الجديدة وكيفية التطبيق، كما أنه لا شك في كون الحق مع الشعب في جملة من الأمور، فـ :

1 : فإذا فتح الناهضون الحوار المفتوح بكل تواضع.

2 : وجنحوا الى الواقعية، لا التزوير والمؤامرة والخداع.

3 : واستمروا بالسلم والرفق.

انتهى الأمر ولو بعد عقد من الزمن الى سيادة المفاهيم الجديدة الواقعية، وتقبل الأمة لها، ومرور النهضة من المشكلة بسلام.

أما إذا لم يفتحوا الحوار المفتوح والتفاهم الدائم، وجنحوا الى العنف والديكتاتورية والمؤامرة ضد الشعب (والثلاثة متلازمة عادة) وقع الثوار والشعب في شقاق، فالثوار لا يستعدون لسماع النقد من الشعب، ومن إصلاح الفاسد، والشعب لا يستعد لتقبل الصحيح من الثوار، لأنهم ينظرون الى الثوار بنظر الحقد والإزدراء، فان صحيح الثوار يطمس بسبب ما أتوه من الباطل، وقد قال (عليه السلام): (ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم)(1) وهنا تكن المشكلة.. فالكارثة.

ثم انه في البلاد الإسلامية مشكلة عند السنة ومشكلة عند الشيعة، وقد استفاد الاستعمار منها لغزو بلاد الإسلام.

اما مشكلة السنة: فهي انهم يرون إطاعة الحاكم (مهما كان) في عداد طاعة الله ورسوله، لان الحاكم حسب نظرهم من (أولي الأمر) ولذا فالمصلحون والناهضون لا يجدون آذانا صاغية من الجماهير المتأثرة بهذه الفكرة.

وأما المشكلة لدى الشيعة: فهي ان عند الــفقهاء رأييــن، رأي يقول بولاية الفقيه في شؤون الحكم، ورأي يقول بعدم ولاية الفقيه كذلك، والتابــعون للرأي الأول يـــميلون الى النهضة وأخذ الفقهاء بأزمة الأمور، والتابعون للرأي الثاني يقولون بعدمها، ومن الطبيعي انه مع انقسام الأمة لا يمكن الوصول الى نتيجة مطلوبة.

واني.. وان كنت أرى ولاية الفقيه(2)، تبعا لجماعة من الفقهاء، إلا ان من الضروري ان يقع حوار مفتوح بين الجانبين، لعله ينتهي الى توحيد الآراء او تقريبها، بإذن الله تعالى.

كما اني أرى انه من الضروري انتزاع فكرة إطاعة الحاكم، مهما كان، عن أذهان السنة، كي لا يقتطف الاستعمار ثماره.

اتصاف الحركة والدولة بالواقعية

يلزم على الحركة الإسلامية، التي تريد الوصول الى دولة إسلامية ذات ألف مليون مسلم(3)، وتريد إنقاذ البلاد والعباد (حتى الكفار) عن أيدي الظالمين، ان تتصف بالواقعية، وكذلك في الحكومة الإسلامية التي هي ثمرة الحركة الإسلامية العالمية، فان عدم الواقعية لا ينتهي الى نتيجة مطلوبة، فان النتيجة دائماً تكون من سنخ المقدمات(4)، وعلى قول المنطقيين (النتيجة تابعة لأخس المقدمتين).

وفي الشعر:

 لا يجتني الجاني من الشوك العنب     ولا من الحنظل يجتنى الرطب

ولذا ورد في الحديث: (لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، والناهين عن المنكر العاملين به)(5).

وفي القرآن الحكيم : (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون)(6) الى غيرهما من الآيات والروايات.

ثم ان الاتصاف بغير الواقعية، وان كان فيه مسرة وقتية، إلا أنها تأتي بالثمرة المرة، لان الأمر ينكشف بعد قليل، وبذلك ينقلب الأمر على الإنسان غير الواقعي، قال سبحانه:(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)(7).

وتحمل الإنسان مشكلة الواقع في الحاضر اسهل من تحمله مشكلة غير الواقع في المستقبل، لان المشكلة التي تتولد في المستقبل من غير الواقع أضعاف مشكلة الواقع في الحاضر.

ففرعون وهامان، ومعاوية وهارون، وستالين وهتلر، واضرابهم، أرادوا ان يحفظوا ماء وجههم، أرادوا الكبرياء بغير حق، فانقلب الأمر عليهم حيث صاروا لعنة التاريخ.

أهذا كان افضل؟.

او كان الأفضل الاتصاف بالحقيقة والواقعية ـ ولو بقدر ـ حتى لا يصلوا الى هذا المصير الأسود؟.

أسباب انعدام الواقعية

وعدم الواقعية يتجلى في أمور:

إخفاء الحق

1: إخفاء الحق، وإظهار ما ليس بحق حقاً، فان الحق لجميع أهل الحق، لا لفئة خاصة، فإذا أرادت فئة خاصة الاستئثار بأنها حق، وما عداها باطل، كان ذلك في ضررها في الخط البعيد، وان كان العاجل لها.

السباب

2: السباب، وهذا ما يعتاده من خف وزنه، بينما الله سبحانه يقول:(ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم)(8).

وقال علي (عليه السلام): (اني اكره لكم ان تكونوا سبابين)(9).

 أليس يمكن ان يقول الإنسان حقائق الأمر بدون سباب، وألا يكون ذلك أنفذ في القلوب، واقرب الى العقول؟.

التهريج

3 : التهريــج، وجمع الأضغاث في قــبال الحقائق، وهذا أيضاً عادة من خفت موازينه، أراد هضم حق الآخرين، فانه حيث لا تبر عنده لا بد ان ينفق من التبن، وقد قال المسيح(عليه السلام) : (كل ينفق مما عنده).

 والمهرج يريد النفوذ في القلوب بقدر حجم التهريج، بينما لا ينفذ حتى بقدر واقعه الضيئل ـ ان كان له واقع ـ وفي الحديث: (ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم)(10) كما سبق.

الاستهزاء بالآخرين

4: الاستهزاء بالطرف الآخر، وهو من شيمة ضعفاء النفس، فان الاستهزاء لا يولد إلا الاستهزاء، فلكل فعل رد فعل، وإذا كان لإنسان الحقائق فلماذا يتمسك بذيل الاستهزاء، قال الله تعالى:

 (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزئون، الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون )(11).

الشعارات الفارغة

5: إطلاق الشعارات وقطع الوعود، فانهما مما يضران ابلغ الضرر، فالشعار والوعد سهل لكن العمل بما تحت الشعار وبالموعود صعب، فإذا لم يعمل الإنسان بذلك، حمل كل أقواله وحركاته على السخف والهراء والباطل.

ان ضغط عدم الشعار والوعد بقدر الإمكان، كبير على النفس حالاً، لكن ضغط عدم العمل بالشعار وبالمواعيد اكبر في المستقبل، وما عاقل فر من المطر الى الميزاب، ومن الرمضاء الى النار.

العمل الوقتي

6: العمل الوقتي، فان ذلك قصير المدة، له عاقبة مرة، ولذا يجب ان يكون طرح الحركة وبعدها الدولة على الواقعية، ولو استوعبت وقتاً طويلاً.

هذا ولو ان أعداء الحركة والدولة، عملوا بالأمور الستة السابقة، فاللازم ضبط النفس والدفع بالتي هي احسن(12) ولكن (وما يلقاها الا ذو حظ عظيم)(13)، كما فصلناه في كتاب (الى حكومة ألف مليون مسلم) والله الموفق المستعان.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

قم المقدسة             

 1/ محرم الحرام / 1403هـ    

 محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي

 

1 ـ بحار الأنوار ج 2 ب 10 ص 41 ح2. والكافي ج 1 ص 36 ح1 والمستدرك ص 303 ح 13098: ابن المتوكل عن الحميري عن أبي الخطاب عن ابن محبوب عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (ع) يقول: (اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار وتواضعوا لمن تعلمونه العلم وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم).

2 ـ راجع موسوعة الفقه كتاب البيع ج4-5 فصل في ولاية الفقيه، للإمام المؤلف.

3 ـ عدد المسلمين حالياً مليارا مسلم (2,000,000,000)حسب الإحصاءات الأخيرة 1997 م. راجع كتاب (عند ما يحكم الإسلام) لعبد الله فهد النفيسي الصفحة الأخيرة.

4 ـ حسب قاعدة السنخية المذكورة في الحكمة.

5 ـ نهج البلاغة: الخطبة 129 / 8 . وبحار الأنوار ج 100 ب 2 ص 108ح.

6 ـ الصف / 2-3.

7 ـ التوبة /105.

8 ـ الأنعام / 108.

9 ـ نهج البلاغة الخطبة 206/2 وبحار الأنوار ج32 ص 561 ب 12 ح 466: ومن كلام له (ع) وقد سمع قوماً من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين: إني اكره لكم ان تكونوا سبابين.

10 ـ بحار الأنوار ج 2 ب 10 ص 41 ح2. والكافي ج 1 ص 36 ح1. ومستدرك الوسائل ص 303 ح 13098.

11 ـ البقرة / 14-15.

12 ـ اشارة الى قوله تعالى: (ادفع بالتي هي احسن ..) المؤمنون / 96.

13 ـ فصلت / 35.