الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

لا للسطحية

أما ان الإنسان يرى رواية لا يفهم معناها، أو ينقل من مصدر ضعيف رواية ضعيفة، أو تاريخاً ضعيفاً، أو شيئاً شاذاً، كبعض ما ورد في كتب العامة أو غيرهم، ويظن أن ما جاء في هذا الكتاب هو الصحيح والواقع، ثم يتحدث به، أو يبني عليه. فهذا مما لا يطابق الدقة والتعمق العلمي.

هذا وقد رأيت شخصاً يخطب في مجلس وهو يتحدث للناس ويقول بكل صراحة وجرأة: إن عندي إشكالين على نبيين، يقول هذا وهو يخطب الناس على منبر رسول الله (ص) فإنه مع الأسف وإن كان ذلك الخطيب يجلس في هذا المقام العالي، ويتربع في هذا المجلس الرفيع. إلا أنه كان يبدو غافلاً عن معنى العصمة التي يتصف بها أنبياء الله الكرام، الذين لا يعصون الله ما أمرهم وهم بأمره يعملون، والذين لا يتصرفون من عند أنفسهم، وإنما تكون تصرفاتهم بإذن الله تعالى، وبرخصة منه عزوجل،وحسب مصالح خاصة، وقد تكون لرفع درجاتهم، أو لتأسي الناس بهم، أو لأخذ العبرة من قصصهم، أو غير ذلك، وهم الذين لا ينطقون عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

وهذه الغفلة المشينة وأشباهها ناجمة عادة عن السطحية، وعدم التعمق العلمي، المصحوبة بالكسل، وقد نهى الإسلام عن الكسل، وحذر منه قائلاً: «اتقوا الله ولا تملوا من الخير، ولا تكسلوا، فإن الله عزوجل ورسوله (ص) غنيان عنكم وعن أعمالكم، وأنتم الفقراء إلى الله عزوجل، وإنما أراد الله عزوجل بلطفه سبباً يدخلكم به الجنة»(1).

وقال(ع): «إياكم والكسل، فإنه من كسل لم يؤد حق الله عزوجل»(2).

وقال(ع): «إياك وخصلتين: الضجر والكسل، فإنك إن ضجرت لم تصبر على حق، وإن كسلت لم تؤد حقّاً»(3).

وقال(ع): «إن كان الثواب من الله، فالكسل لماذا؟»(4).

وقال (ع): «العجز مهانة»(5).

وقال (ع): «إياك والاتكال على المنى، فإنها بضائع النوكى»(6). وإلا فإن المتعمق المجد في طلب العلم والعمل، لا يقع في مثل هذه الغفلات، ولا يسفّ إلى مثل هذه الهفوات، وإني أظن أن ذلك الخطيب كان مستواه العلمي لا يتجاوز فهم كتاب «المعالم» ولذلك كان يقول ما يقول.

السطحية وبعض نماذجها

نعم إن ذلك الخطيب كان قد رقى المنبر وكان يواصل خطابه مع الناس حول ما يزعمه من إشكالين على نبيين ويقول: إن لي إشكالاً على النبي يعقوب إسرائيل الله، وإشكالاً على النبي يوسف الصديق!

أما الإشكال على النبي يعقوب (ع) فهو ــ حسب قوله ــ: يا يعقوب إنك كنت تعلم أن ولدك حيّ، ومع علمك بحياته فما هذا البكاء الكثير الذي أدى إلى أن تبيض عيناك من الحزن؟

ثم كان يواصل كلامه ويقول: ولا نتمكن أن نحمله إلا على أنه قد شاخ وكبر، علماً بأن معنى شاخ وكبر هو: أن الرجل ليهذي ويهجر، يعني: قد خرُف والعياذ بالله.

ثم كان يواصل كلامه ويقول: وأما إشكالي على النبي يوسف(ع) فهو: يا يوسف إنك كنت تعلم أن أباك قد قلق عليك وآلمه فراقك، ومع علمك بذلك فلماذا لم تكتب إليه رسالة تخبره فيها بأنك حي ترزق في مصر، حتى لا يبكي عليك أبوك هذا البكاء المر، مع أن المسافة بين مصر وكنعان لم تكن كثيرة؟

وهذان الإشكالان وأمثالهما لا يخطران إلا في ذهن من لم يفقه تعاليم القرآن، ولا يجريان إلا على لسان من لم يعرف ثقافة أهل البيت (ع)، ولا يفوه بها إلا من لم يطلع على حضارة الإسلام العلمية والعملية، وكذلك حضارة الأنبياء (ع)، حتى وإن عد نفسه خطيباً يخطب الناس، أو إماماً يؤم الجماهير، كيف وقد هتف بنا رسول الله (ص) والأئمة من أهل بيته (ع) قائلين:

بأن الكمال كل الكمال التفقه في الدين.

وان طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

وان العلم ما لم يعاضده العمل ارتحل.

ورحم الله امرءاً عمل عملاً فأتمه وأتقنه.

وهذا الأخير يشمل جميع الأعمال والأفعال، والمهن والحرف، علماً بأن الجواب عن الشبهات ليست مهمة المنبر والخطيب فحسب بل هي مهمة المحراب والإمامة أيضاً بل وكل رجل دين، لأن إمام المحراب أيضاً معرض للأسئلة المهمة، ولذا على الخطيب في المنبر، والإمام في المحراب، وكذلك على الوكيل في وكالته، والمجتهد في اجتهاده، والمؤلف في تأليفه وتصنيفه، أن يلاحظ ماذا يقول؟ وماذا يكتب؟ وما يفتي؟ وكيف يجيب ويوجّه؟ حتى يتمكن الجميع وبسهولة من أن يفهم معنى هذه الرواية ومغزى تلك الرواية، وتفسير هذه الآية وتأويل تلك الآية.

أروع الحضارات وأشملها

نعم إن وراءنا حضارة رائعة، حضارة ما أضخمها وأعظمها، وأكملها وأشملها، فإن الحضارة الإسلامية ما رأت الدنيا مثلها، ولن ترى مثلها أبداً، ومن المعلوم: أن حضارة كهذه الحضارة الضخمة لا تستوعب بالتوافه والسطحية.

هذا وقد كنت أقرأ في كتاب أن جماعة من علماء الغرب الباحثين والمحققين أرادوا التحقيق والتعرف على مخّ انشتاين وذلك بعد موته، فإن هذا الرجل المعروف بالنظرية النسبية لما مات، استوهب علماء الغرب من أهله ومن الحكومة مخه ليقدموه للتحليل، حتى يلاحظوا هل أن في مخ هذا الرجل شيء يفوق مخ الآخرين أو لا؟

فلما استلموا مخه وهو في محلول طبي، اجتمع عليه جماعة من الأطباء البارعين من مختلف البلاد العالمية، وقاموا بتحليله وتجزأته وإجراء التجارب الطبية، والفحوصات العلمية الدقيقة عليه، وبعد كل ذلك قالوا: إنا لم نجد فرقاً ملموساً بين مخه وبين مخ غيره من الناس الآخرين، سوى تفاعل عشر الخلايا الموجودة في مخه، أما غيره فإن نسبة تفاعل الخلايا فيهم قليلة وضئيلة جداً.

نعم لقد استغرق هذا الأمر عدة سنوات، وعلى أيدي أطباء عديدين من ذوي التجربة والتخصص العالي، حتى تمكنوا من الاطلاع على ما خفي عنهم، والاكتشاف لما جهلوه، وعلى اثر هذا التعمق والجدّية، نرى أن الغربيين قد تقدموا رغم عدم وجود حضارة لهم إلا ما وصل إليهم من حضارة الإسلام الراقية، بينما نحن المسلمين أصحاب الحضارة وأهلها قد تأخرنا أثر السطحية والكسل، وقد خسرنا حضارتنا، وفقدنا خيرها وبركتها، فالخطيب منا غالباً يكتفي بمطالعة كتاب أو كتابين مطالعة عابرة، وإمام المحراب منا عادة لا يستفيد من تجارب وعقول الأئمة الآخرين، وهكذا وهلم جراً، وإذا لم يكن لخطيبنا وإمام محرابنا الدقة العلمية الكافية لمعرفة الصحيح من غير الصحيح، ولتمييز السليم من السقيم، فكيف بعامة الناس وغالبية المسلمين العاديين؟

 

1 ـ إرشاد القلوب: ص145.

2 ـ سفينة البحار: مادة (كسل).

3 ـ الأمالي للصدوق: ص543، المجلس 81.

4 ـ الأمالي للصدوق: ص7، المجلس2.

5 ـ الخصال: ص 505 ، ست عشرة خصلة من الحكم.

6 ـ أعلام الدين: ص286.