الفهرس

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

ورّاث الحضارة

قال تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات)(1)، فقد قسمت الآية الكريمة وراث الحضارة السماوية إلى أقسام ثلاثة:

1: قسم منهم ظَلَمة، قد ظلموا أنفسهم بعدم تقديرهم ما ورثوه.

2: وقسم منهم متوسطين في ذلك.

3: وقسم منهم سابق بالخيرات.

ومن المعلوم عند العقل والشرع هو: تفوق قسم السابقين بالخيرات، وفوزهم على غيرهم، وتفوقهم لا يكون إلا نتيجة أتعابهم وجهدهم في العمل، وتدبرهم وتعمقهم في الأمور.

نعم إننا بحاجة ملحة لتحمل الأتعاب: تعب السؤال، وتعب المطالعة والمدارسة، وتعب الفهم، وتعب البحث والحوار الهادف، وتعب التعمق والتحقيق العلمي، وهكذا، وإلا لم نكن ورّاثاً للحضارة الإسلامية العظيمة باستحقاق، وذلك لأن الحضارة لا تنال بأشياء بسيطة مصحوبة بالكسل.

سؤال وجواب

ثم إنه لسائل أن يسأل: لماذا تحطمت الحضارة الإسلامية؟

وفي الجواب يمكن أن يقال: إنه من سوء تصرف الحكام، وهذا مما لا شك فيه.

ولكن إذا كان في مقابل هؤلاء الحكام، شعوب واعية تعتمد الثقافة العالية والتعددية البناءة، وعلماء أقوياء، يوجّهون الأمّة ويرشدونها، ويصدّون الحكام عن طغيانهم، ويكفّوهم عن سوء تصرفهم، لما استطاع الحكام أن يستبدوا بآرائهم وأن يفعلوا ما شاؤوا.

قال الإمام أمير المؤمنين (ع): «الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك»(2).

وهذا شيء طبيعي يوافق سنن الكون، فإن العلم هو الذي يأخذ بالزمام، ويوجّه الناس حكاماً ورعية نحو الخير والسلام، ولذا ترى أن تقدم الإنسان في المجال الصناعي وغيره، كله خاضع للعلم، وخانع بأيدي العلماء.

كما وترى الحكام ومن دار في فلكهم مؤتمرين بأوامر العلماء ومنقادين لهم، فالعلماء هم قمة المجتمع، رغم كون القوة العسكرية بأيدي رجال الحكم، ورغم كون القوة الاقتصادية بأيدي رجال المصارف والبنوك مثلاً، وذلك لأن العلم أقوى نفوذاً من نفوذ الصاروخ والذرة، وأمضى حداً من حدّ الاقتصاد والمال.

الحضارة وورّاثها الشرعيون

هذا هو دور العلم والعلماء في المجتمعات المتقدمة، وبعض مكانتهما أيضاً في الإسلام العظيم، فقد عد الإسلام العلماء المتقين ورثة الأنبياء (ع)، فهم على ذلك الورّاث الشرعيون لحضارة الإسلام، وهم المتعمقون في العلم، والمجدّون في العمل، والعارفون بطريقة تعميم الحضارة الإسلامية بين الناس، ونشرها في كل العالم، وإيصالها إلى المتعطشين إليها، والمحرومين منها.

نعم لا تنتشر الحضارة الإسلامية المباركة ولا تسود إلا بمقدمات وأسباب، ومن أهمها: تشكيل شورى الفقهاء المراجع كما قال تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)(3)، فإنه الطريق الأمثل في زمن غياب المعصومين (ع) لإدارة أمور العباد والبلاد.

وكيف كان: فإن الدنيا دار أسباب ومسببات، ومن عمل ظفر، ومن سار على الدرب وصل، وكما أن التجارة سبب للوصول إلى الدنيا، والزهادة سبب للفوز بالآخرة، فكذلك تكون الفقاهة سبباً للظفر بالدنيا والآخرة معاً، ولا تكون الفقاهة إلا بالتدبر والتعمق في العلم، والجدّ والمثابرة في العمل.

الأسلوب الأمثل في نشر الحضارة الإسلامية

ثم إن من أهم طرق نشر الحضارة الإسلامية المباركة في الأوساط الاجتماعية، وعلى المستوى العالمي، هو فتح مجال عام للحوار العلمي الهادف، والنقاش المنطقي غير المنحاز وغير المتعصب.

قال الإمام أمير المؤمنين (ع): «المؤمن هو الكيّس الفطن، بشره في وجهه، وحزنه في قلبه،أوسع شيء صدراً، وأذل شيء نفساً»(4).

وقال رســـول الله (ص) : « من كان في قـــلبه حبة من خردل مــــن عصبية، بعثه الله تعالى يوم القيامة مع أعراب الجاهلية»(5).

وقال الإمام الصادق (ع): «من تعصب أو تعصب له: فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وحشره الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية»(6).

وقال (ع) أيضاً: «من تعصب، عصّبه الله بعصابة من نار»(7).

وقال الإمام أمير المؤمنين (ع): «فإن كان لابد من العصبية، فليكن تعصبكم لمكارم الخصال، ومحامد الأفعال، ومحاسن الأمور…»(8).

وليكن ذلك بإعداد قاعات وصالات، ومراكز وقنوات، فيها رجال فكر، واسعو الصدر، طيّبو النفس، يحملون بين جوانحهم تعليمات القرآن الحكيم، وآداب الإسلام العظيم، وأخلاق الرسول الكريم (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع)، التي هي بمجموعها تشكل إطار الحضارة الإسلامية، ثم يعرضونها على كل العالم، ويحاورون فيها أصحاب الأفكار والآراء وحملة الأديان والمذاهب الأخرى، فإن الناس إذا عرفوا عظيم حضارة الإسلام، واطلعوا على دقيق حكمه ومعارفه، وصحته وصوابه، لأسرعوا إليه ولتهافتوا عليه فإن طريق الحوار الحر غير المتعصب، هو الذي دعا إليه الإسلام، وحرض عليه من يوم طلوع فجره، وبزوغ شمسه.

وقد طبق هذه الدعوة (دعوة الحوار الحر) رسول الإسلام الحبيب (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع) في كل المجالات، وعلى كافة المستويات، ومع رجال الفكر والعقيدة، وأصحاب الأديان والمذاهب، وقد أشار إلى بعضها القرآن الحكيم، وتعرضت لها الروايات الشريفة، وسجلها بين طياته تاريخ الإسلام المنير، مما بقيت مشرقة إلى يومنا هذا، وستبقى إلى أبد الدهر.

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا جميعاً لمعرفة الطريق إلى الحضارة الإسلامية المباركة والعمل لإرجاعها وإعادتها إلى الحياة إنه سميع الدعاء.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

الكويت                  

محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي

 

1 ـ سورة فاطر: 32. 

2 ـ نهج البلاغة: الكلمات القصار، الرقم 

3 ـ سورة الشورى: 38.

4 ـ راجع أعلام الدين: ص115، باب صفة المؤمن. 

5 ـ سفينة البحار: مادة (عصب). 

6 ـ اعلام الدين: ص401، باب ما جاء من عقاب الأعمال. 

7 ـ جامع الأخبار: ص162، الفصل 27. 

8 ـ نهج البلاغة: الخطبة 192، الرقم 76.