الفهرس

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

مواصفات الإسلام التقدمي

يتصف الإسلام التقدمي بكونه:

أ: إسلاماً ذا أمة واحدة وبلا حدود جغرافية، كما قال سبحانه:( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون)(1).

ب: وذا أخوة إسلامية حتى يكون كل فرد مسلم في كل قطر من أقطار البلاد الإسلامية أخاً للآخر في كل شيء، فلا يوجد عندنا في الإسلام فرق بين المواطن بالمعنى المصطلح في يومنا هذا وغيره.

قال سبحانه: (إنما المؤمنون إخوة) (2) ولا تفاضل إلا بالتقوى، كما قال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(3) وقال عزوجل: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)(4).

ج: وذا حريات واسعة في كل شيء سوى المحرم شرعا وهي قليلة، كما قال سبحانه: (يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(5).

د: إسلاماً جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مما هو مذكور في القرآن الكريم وفي كلماته الشريفة وسيرته الوضاءة، مثل:

قوله: (صلى الله عليه وآله وسلم): (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به)(6).

وقوله: (صلى الله عليه وآله وسلم): (فان الأرض لله ولمن عمرها)(7).

إلى كثير من أمثال ذلك، ونوضح طرق الوصول إلى هذه النظرة الإسلامية الشاملة من خلال الأمور التالية.

اللاعنف

ويجب أن يتصف هؤلاء جميعاً باللاعنف، وقد وردت عدة روايات بهذه اللفظة وما شابهها، ذكرنا بعضها في كتاب: (الآداب والسنن)(8).

فإن قوة الروح غالبة على قوة الجسد(9)، وما وصل إلينا من أحوال الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) كان كذلك (10) وهم (عليهم السلام) اسوة، كما قال عزوجل: (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة)(11).

واما قوله سبحانه: ( وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير) (12) وقوله تعالى: (ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله)(13)، فإنما كان ذلك القتال دفاعاً، ولاشك انه لولا الدفاع لأباد المفسدون المصلحين فلا يبقى معه للإصلاح موضوع، وهذا لا ينافي أن الأصل في الإسلام: السلم واللاعنف، كما هو واضح.

قال سبحانه: (ادخلوا في السلم كافة)(14).

وقال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(15).

وقال عزوجل: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم) (16) إلى غير ذلك.

بل نجد في القرآن الحكيم ان هابيل يقول لقاتله قابيل:(لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين)(17).

وعلى أي حال يقول الله عزمن قائل في قصه نوح (ع): (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً)(18) فانه (ع) عاش هذه المدة الطويلة بين قومه الذين عاندوه بشدة وسخروا منه وعذبوه، مع ذلك كله كان(ع) صبوراً ملتزماً بعدم القسوة في دعوته.

وهكذا كان موقف موسى (ع) مع فرعون الطاغية ومع بني إسرائيل، مع أنه كان مزوداً بأقوى قدرة إلهية، قال سبحانه: (اذهبا الى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى)(19).

وكذلك كان موقف عيسى (ع) مع أعدائه، وموقف المؤمنين به، متصفاً باللاعنف، حتى رفعه الله، مع أنه كان مزوداً بمعجزات خارقة، كل ذلك للدلالة على لزوم اتخاذ (اللاعنف) في سبيل الهداية.

فتجب أن تتصف هذه المنظمة العالمية بالمنطق والعقل فقط وفقط، وتلتزم باللاعنف، فانًّ العنف والإرهاب ـ مما اعتاده البعض في هذا اليوم ـ لا يولّد الا التأخر ويوجب تشويه سمعة الإسلام والمسلمين وهو محرم(20) وقد ذكرنا تفصيله في الفقه(21).

بين الإسلام الحقيقي وما نراه اليوم

انظر كم الفرق بين ما نراه من الإسلام في هذا اليوم وبين الذي مثّله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فانه إغتم ذات ليلة لأجل أنه بقي عنده أربعة دراهم من بيت مال المسلمين، فعن أبي ذر (رحمه الله) قال: أتذكر اذ رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حزيناً عشاء.. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): بقي عندي من فيء المسلمين أربعة دراهم لم أكن قسمتها، ثم قسمها(22).

وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (كلا إن القطيفة التي اخذها في خيبر لتشتعل عليه ناراً)(23).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (من خان جاره شبراً من الأرض جعله الله طوقاً في عنقه من تخوم الأرض السابعة حتى يلقى الله يوم القيامة مطوقأ الا ان يتوب ويرجع)(24) وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينم طوال تلك الليلة: لأن شخصاً من الأسرى كان يئن، وانه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في الغنيمة التي جاء بها المغيرة: هذا غدر والغدر لا خير فيه.

وانه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في قتيل قتل: (لو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على قتل مؤمن او رضوا به لأدخلهم الله في النار)(25) وقبل ذلك قال القرآن الحكيم: (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً)(26).

وقال وصيه الإمام علي امير المؤمنين(ع) : (والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته)(27).

و أنه (ع) لم يعط لأخيه صاعاً من البر، قائلاً: (وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه)(28) وإلى ألف قصة وقصة(29).

بينما يشاهد اليوم من أعمال المستعمرين والغافلين عن الله ورسوله واليوم الآخر ما لا يطابق هذا الإسلام ابداً، ومن الواضح أن الثقافة النافذة هي أول شرط في التغيير مما يحول انساناً عادياً من بني غفار إلى أبي ذر(رحمه الله) الذي قال فيه (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أراد أن ينظر إلى زهد عيسى (ع) فلينظر إلى زهد أبي ذر)(30).

الاستفادة من مختلف الوسائل

ليس معنى الاهتمام بالكتب ترك غيرها من الوسائل التعليمية كالإذاعة والتلفزة والصحف والإنترنت والأشرطة وما أشبهها من الوسائل الثقافية السمعية والبصرية، وحتى اللمسية بالنسبة إلى الأعمى، بل كل ذلك مهم، وإنما ذكرنا الكتب من باب أنها الأيسر الممكن في كل زمان ومكان ـ عادة ـ .

 

1- سورة المؤمنون: 52.

2- سورة الحجرات: 10.

3- سورة الحجرات: 13.

4- سورة المجادلة: 11.

5- سورة الأعراف: 157.

6- غوالي اللئالي ج3 ص480 باب إحياء الموات ح4.

7- وسائل الشيعة ج17 ص328 ب3 ح1.

8- ومنها ورد في كتاب (المقنعة) ص 255 باب الزيادات في الزكاة ح28: وروى حماد عن حريز عن بريد العجلي قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (بعث أمير المؤمنين(ع) مصدقاً من الكوفة الى باديتها فقال: يا عبد الله انطلق وعليك بتقوى الله ولا تؤثر دنياك على آخرتك، وكن حافظاً لما ايتمنتك عليه، راعياً لحق الله عزوجل حتى تاتي نادي بني فلان، فاذا قدمت فانزل بمائهم من غير ان تخالط بيوتهم ثم امض بسكينة ووقار حتى تقوم بينهم، فتسلم عليهم، ثم قل: يا عباد الله ارسلني اليكم ولي الله لآخذ منكم حق الله في أموالكم فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه الى وليه، فإن قال لك قائل: لا، فلا تراجعه، وان انعم لك منهم منعم، فانطلق معه من غير ان تخيفه او تعده الا خيراً، فاذا اتيت ماله فلا تدخله الا باذنه فان اكثره له، وقل: يا عبد الله أتأذن لي في دخول مالك فاذا اذن لك فلا تدخله دخول متسلط عليه ولا عنف به، فاصدع المال صدعين..). الحديث.

9- وملكة (اللاعنف) من صفات الروح التي تؤثر على سلوك الانسان وتصرفاته.

10- أي كانوا نموذجاً في (اللاعنف).

11- سورة الاحزاب : 21 .

12- سورة آل عمران: 146.

13- سورة البقرة: 246.

14- سورة البقرة: 208.

15- سورة النحل: 125.

16- سورة فصلت: 34-35.

17- سورة المائدة: 28.

18- سورة العنكبوت: 14.

19- سورة طه: 43 ـ 44.

20- راجع (منتخب المسائل الاسلامية) الطبعة الثانية ص319 المسألة 1561 وفيه: (لا يجوز فعل ما يوجب تشويه سمعة الاسلام أو المسلمين من أعمال العنف).

21- أشار الامام المؤلف الى بحث اللاعنف والسلم في عدة كتب فقهيه منها (الفقه: السلام)، (الفقه: السياسة)، (الفقه: طريق النجاة).

وفي موسوعة الفقه كتاب الدولة الاسلامية ج102 ص66 : من أهم ما يجب على الدولة الاسلامية المرتقبة (ان شاء الله تعالى) والتيّار الاسلامي من قبلها: التزام حالة اللاعنف، فقد ورد في جملة من الروايات كما في (وسائل الشيعة) و(المستدرك) ذم العنف، كما ورد انّ العنف من جملة جنود الجهل وهناك روايات تمدح الرفق وهو ضد العنف .. فالواجب على التيّار الاسلامي والدولة الاسلامية اختيار (اللاعنف) في الوصول الى مآربهما، وهي إقامة الدولة الاسلاميّة بالنسبة الى التيّار، وإبقائها بالنسبة الى الدولة القائمة، حتى تتسع وتطرد في بعدي الكم والكيف، والمراد باللاعنف الذي يحب أن يجعله الانسان شعاراً: اللاعنف الملكي (نسبة الى الملكة) لا القسري، فانّ اللاعنف على ثلاثة اقسام.

الأوّل: اللاعنف الملكي، أى تكون نفسيته ذلك بحيث تظهر على الجوارح عن ملكة، كما انّ الشجاعة والكرم والعفّة والعدالة واشباهها كذلك.

الثاني: اللاعنف القسري الخارجي، أى انّ الضعف أوجب ذلك، فان الضعيف ـ عادة ـ يلتجىء الى اللاعنف للوصول الى هدفه، فاذا صفعه ظالم جبّار لم يتمكن أن يقابله بالمثل يصبر، وهذا أسوء أقسام اللاعنف، فهو كالانسان الذي يعفو عن مقابلة السب بالسب لأنه أبكم.

الثالث: اللاعنف القسري العقلائي، أي أن يرجّح اللاعنف على العنف من باب الأهم والمهم، وهو قادر على العنف، لا كسابقه، وهذا لاينبع اللاعنف فيه عن ضمير فضيلة، وانمّا يرجّحه حيث انّه يراه طريقاً للوصول الى هدفه، مثلاً يرى انّه اذا عنف مع شريكه اضطّر الى الانفصال عنه، أو عنف في درسه تفرّق طلاّبه أو ما أشبه ذلك، لذا يرجّح اللاعنف الى العنف. انتهى.

22- قصص الانبياء للراوندي ص306 الحديث 375.

23- ذكر الامام الشيرازي هذه القصة في كتاب (من قصص التاريخ) القصة رقم 57 وهي: عندما فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حرب خيبر ذهب إلى (وادي القرى) وحاصرها، وأثناء المحاصرة قتل (مدعم) وهو الغلام الذي حرره الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال المسلمون هنيئا لك الجنة.

فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): لا، والذي نفس محمد بيده، إن العباءة التي أخذها في خيبر لتشتعل عليه ناراً.

ثم جاء رجل آخر وقال: يا رسول الله! أخذت شسعي الحذاء من الغنيمة.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): قد صنعت من النار.

24-وسائل الشيعة ج 17 ص 309 ب 1 ح 2 في حديث المناهي .

25- الأمالي للشيخ المفيد ص 216 المجلس 25 الحديث3، وفيه: (عن أبي سعيد الخدري قال: وجد قتيل على عهد رسول الله (ص) فخرج مغضباً ورقي المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال: يقتل رجل من المسلمين لا يدرى من قتله، والذي نفسي بيده لو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على قتل مؤمن أو رضوا به لأدخلهم الله في النار، الحديث.

26- سورة المائدة: 32.

27- نهج البلاغة : الخطبة 244 المقطع 11.

28- نهج البلاغة : الخطبة244 المقطع 8.

29- للتفصيل الاكثر راجع كتاب (حكومة الرسول والإمام امير المؤمنين عليهما السلام) للإمام المؤلف (دام ظله).

30- روضة الواعظين ص 285.