فهرس القسم الاول

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

حكمة وجوب النظافة واستحبابها

مسألة: الإسلام قرر النظافة مطلقاً وفي كل الأمور كما ذكرنا بعض مصاديقها في المسألة السابقة، إلا أنها لم تكن بأجمعها من الإلزاميات، فإنه ضيق دائرة الوجوب والإلزام ببعضها كنظافة الأكل والشرب في الجملة والصلاة والطواف وبعض الأمور السياسية والاقتصادية وما أشبه، حيث لا يصح الإطلاق في الأمر بالاجتناب، وذلك من جهة أن الناس عادة لا يتحملون كثرة الأحكام الاقتضائية، كما أشرنا إلى ذلك في بعض كتبنا(1) وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم…)(2) إلى غيرها من الروايات، وما ذكرناه هو حكمة وجوب بعض النظافات وحكمة استحباب بعضها الآخر، بحسب المصلحة الواقعية.

 

النظافة والقانون العام

مسألة: هناك بعض الأمور مما ورد في هذا الباب قد لا يكون من جهة النظافة في خصوص المورد وان كان بالنظر إلى كليه وإنما هو من جهة القانون العام، أو من جهة أخرى، مثل الجنابة بسبب الدخول بلا إنزال، فإن الغسل حينئذ نظافة، وقد يكون هذا وقاية عن الإفراط، فإن كثيراً من الناس إذا لم يكن عليهم الغسل يفرطون في الأمر، مما يضر بصحتهم وأمورهم المعاشية والمعادية حيث إن الاتصال الجنسي يؤدي إلى جهود عضلية وما أشبه وقد ذكر الأطباء لزوم إزالة تبعات هذا الجهد بالاستحمام والرياضة البدنية وما أشبه، ليعود للجسم نشاطه، ولتبقى قدرته، هذا بالاضافة إلى ان الملامسة مقترنة بالانفعالات النفسية، وللغسل التأثير الإيجابي في ذلك مما لا يكون في الغَسل ـ بالفتح ـ أو الرياضة أو ما أشبه، كما إن الملامسة تؤثر على الدورة الدموية في جسم الإنسان فاللازم الغسل كما أمر به الشرع لعلمه بالحقائق الكونية.

 

أقسام النظافة

مسألة: من الواضح أن النظافة نوعان:

1: نظافة مادية ترتبط بالحياة المادية والجسمية، كالمأكل والمشرب والمسكن والمنكح والشارع ووسائل النقل وغيرها من الماديات.

2: ونظافة معنوية ترتبط بالحياة المعنوية والروحية، كسلامة الروح، وطهارة القلب، وصفاء النفس، وغير ذلك من المعنويات.

أما النظافة المادية: فهي شرعاً عبارة عن توجيه الإسلام للانسان في نقاء جسده، وطعامه، وشرابه، ومجلسه، وأثاثه، من الأوساخ والأقذار والنجاسات، وهكذا بالنسبة إلى سائر ما يرتبط به من المسكن والمعمل وما أشبه.

وأما النظافة المعنوية: فهي شرعاً عبارة عن توجيه الإسلام للإنسان في نقاء القلب، وصفاء النفس، ونزاهة الروح من فساد النية والكبر والحسد والحقد والأنانية والرياء وسوء الظن والشح والجبن والخرق وغير ذلك، مما سنتعرض لها باذن الله سبحانه وتعالى في الفصل الثاني من هذا الكتاب.

هذا وقد ورد في الآيات المباركات وفي كلمات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) جملة كبيرة من الأمور المربوطة بالنظافتين، كما سبق.

مثل قوله تعالى: (وإذا مرضت فهو يشفين)(3).

وقوله سبحانه: (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس)(4).

وقوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين)(5).

وقوله سبحانه: (وان كنتم جنباً فاطهروا)(6).

وقوله تعالى: (ويشف صدور قوم مؤمنين)(7).

وقوله سبحانه: (وشفاء لما في الصدور)(8) .

 

بين النظافة الجسدية والروحية

مسألة: قد ربط الإسلام بين النظافتين الجسدية والروحية والمادية والمعنوية، وأكد عليهما معاً لأمرين:

حسن الاهتمام بالجسد

الأمر الأول: لأن الإسلام دين كامل متوازن يجمع بين مصالح الإنسان البدنية والروحية، الأخروية والدنيوية، وليس كالمادية المبتدعة التي تهتم ببعض جوانب الجسد فقط كنظرية فرويد(9) ومن أشبهه، ولا كالرهبانية المخترعة التي تهتم ببعض جوانب الروح فقط كمرتاضي الهند ومن أشبههم.

وذلك كي يصبح الإنسان قوياً وسليماً، صحيحاً ومعافىً، وذا مظهر حسن حيث قال عز وجل: (ولقد كرمنا بني آدم)(10)، وهذا من ضروريات الدين الذي يعرفه كل مسلم له إلمام بأوليات الإسلام، وحينئذ يكون مهيئاً للحياة السعيدة في الدارين.

التأثير بين الروح والجسد

الأمر الثاني: لأن كلاً من الجسد والروح يؤثر في الآخر بما قد لا نعرف الوجه في ذلك، أو لا نعلم تفاصيله، وإنما يعلمه الله سبحانه وتعالى، فنحن نعرف الآثار فحسب.

مثلا: إذا كان الروح قلقاً أو ما أشبه، فإنه يؤثر ذلك على جسمه، فيبيت محموماً لا ينام الليل، وكذلك الذي يحكم عليه بالسجن والإعدام، أو التهجير والتبعيد، أو ما أشبه ذلك، فإنك تراه قلقاً مضطرباً لا ينام طول الليل حتى إذا كان في أفخم أثاث وأحسن صحة وأكبر متعة.

وكذلك العكس فإذا كان الجسد مريضاً أو ما أشبه، فإنه يؤثر ذلك في روحه فيصبح مهموماً مغموماً، قلقاً مضطرباً، ولذا قالوا: (العقل السليم في الجسم السليم) ومن هنا جاء الإسلام ليعتني بالأمرين معاً اعتناءً متوازناً يكمل أحدهما الآخر.

فالإسلام يؤكد على سلامة الطبع وتطهير القلب وتزكية النفس وحسن الخلق وملازمة الآداب العامة، والترقي في السلوك إلى المستوى المطلوب، وحسن الظن بالله وبالناس، وحتى بالنفس في الجملة(11) وترك المعاصي وملازمة التقوى وخدمة الناس وغير ذلك من الفضائل.

كما ينهى عن كل ما يقابل تلك من الرذائل، ولعل ما قاله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب)(12) إشارة إلى ذلك.

وقد قال سبحانه: (إلا من أتى الله بقلب سليم)(13).

 

من آثار عدم النظافة

مسألة: لقد حصن الإسلام المسلمين بل البشرية جمعاء من الأمراض والأعراض وما أشبه، شريطة امتثال أوامره في قواعد النظافة التي عمت كل شيء، وفي قواعد الطهارة في جملة من الأمور.

كما إنه دعا إلى تجسيدهما ـ مضافاً إلى ما فيهما من الجمال والصحة ـ في الواقع العملي والخارجي في الوضوء والغسل والتطهير والتيمم والتنظيف.

كما إنه أمر بالنظافة في الأطعمة والأشربة وغير ذلك.

وقد ثبت صحياً في العلم الحديث حتى عند الذين لا يؤمنون بالإسلام: إن ارتكاب ما نهى عنه الإسلام من المحرمات أو المكروهات يوجب الأمراض والأوبئة والمشاكل الفردية والاجتماعية، ونحن نجد اليوم كثرة الأمراض التي أخذت تغزو المجتمعات الغربية التي لا تطبق التعاليم الإسلامية في الأطعمة والأشربة والمعاشرات الفردية والاجتماعية، فإن الغربيين حين انزلقوا إلى مهاوي الرذيلة شهدوا الأمراض الكثيرة مما لم يسبق لها نظير، من الإيدز وما أشبه ذلك حيث إنه اليوم أخذ يفتك بملايين من البشر(14) ممن خالفوا قواعد الإسلام في الصحة والنظافة، وتعاليمه في الوقاية والمناعة، حتى أصبح المرض لا يقض مضاجع المرضى وحدهم بل المجتمع بكامله.

وقد ثبت علمياً أن الزنا والشذوذ الجنسي وما أشبه ذلك من المفاسد الخلقية، والأمور الخلاعية، وإشاعة الفحشاء في القضايا الشهوية من أهم أسباب هذا المرض الذي لم يزل مستعصيا علاجه على عالم الطب الحديث، مع تعاون كافة الجهات الدولية للتغلب عليه فإنه إلى الآن بقي بلا جدوى، فصدق سبحانه حيث قال: (لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلاً)(15).

وذلك بعد أن حدّد الطرق المشروعة للإشباع ومدح الملتزمين بها بقوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين)(16).

إلى غيرهما من الآيات والروايات التي وردت بهذا الصدد.

 

الإسلام دين النظافة والطهارة والجمال

مسألة: الإسلام دين طهارة ونظافة وجمال، وكما أمر بهما أمر به أيضا في الأمور المادية والمعنوية، والبحث الآن: عما يرتبط بالماديات من الأمور الثلاثة.

أما النظافة: فقد وجه الإسلام عناية كبيرة إليها، وذلك لأن النظافة بالإضافة إلى كونها طهارة وجمالاً، وصحة وعافية، توجب انشراح النفس، والنفس المنشرحة مبعث كل خير، بخلاف النفس المنقبضة التي هي سبب كل تأخر وتقلص، وانهزام ورجعية، كما ثبت ذلك في علم النفس(17).

وأما الطهارة: فإنها من أوجب الواجبات العبادية في الصلاة والطواف وما أشبه، ومن البين التأكيد على الطهارة المائية أو الترابية وضوءاً أو غسلاً أو تيمماً كل في مورده، ومن الواضح أن ذلك غير النظافة المفروضة على الجسد كله وجوباً أو استحباباً.

وأما التجمل: فلا جناح على الإنسان أن يجمل بيته أو دكانه أو سائر ما يرتبط به بأنواع التجمل سواء من النباتات أو الحيوانات أو النقوش أو ما أشبه ذلك، مما يوجب المنظر البهي والرائحة الطيبة.

لكن الإسلام لا يحب الغلو فيها إفراطاً كما لا يحبه تفريطاً، فاللازم أن لا يشتمل بيت الإنسان أو محله أو ما أشبه ذلك على مظاهر الترف والسرف، والتبذير والتشويه، فإن الإسلام دين وسط في كل شيء لا يُقرّ زيادة ولا نقيصة حتى في العبادة، فقد رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنساناً أوغل في العبادة فنهاه عن ذلك قائلاً له: (إن الراكب المنبت لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى)(18).

وقد أعطى (صلى الله عليه وآله وسلم) قاعدة عامة قبل هذه الكلمة المباركة بقوله: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق)(19).

كما أن قصة علي أمير المؤمنين (عليه السلام) مع علاء في البصرة مشهورة وفي نهج البلاغة مذكورة(20).

 

بين النظافة والجمال

مسألة: النظافة والطهارة شيء والجمال شيء، فكما أمر الإسلام بالطهارة والنظافة المادية والمعنوية وجوباً أو ندباً، كذلك أمر بالجمال في كل الأمور، من الجمال المعنوي والجمال المادي في الملابس والبدن والأثاث والمتاع، وفي كل شيء، وذلك لإطلاق المتعلق في الروايات، ومن الواضح أن إطلاق المتعلق أو حذفه يفيد العموم، ففي حديث الأربعمائة الذي بينه علي (عليه السلام) فيما يصلح للمؤمن في دينه ودنياه قال (عليه السلام): (إن الله عز وجل جميل يحب الجمال ويحب أن يرى أثر نعمته)(21).

وفي رواية أنه (عليه السلام)(تلا قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)(22)وقال: فالبس وتجمل فإن الله يحب الجمال وليكن من حلال)(23).

وفي بعض الروايات إن حكمة بعض مستحبات النظافة الجمال، ففي رواية عن علي (عليه السلام) قال: (قال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ليأخذ أحدكم من شاربه وينتف شعر أنفه فإن ذلك يزيد في جماله)(24).

والمناط في هذه الرواية يشمل مثل أخذ الشعر من الأذن أو شعور النساء التي تنبت أحياناً في أذقانهن أو ما أشبه ذلك.

وعن الصادق (عليه السلام) قال: (أخذ الشعر من الأنف يحسن الوجه)(25).

وفي رواية أخرى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (ليأخذ أحدكم من شاربه وشعر أنفه وليتعاهد نفسه فإن ذلك يزيد في جماله، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) وكفى بالماء طيباً)(26).

 

الجمال في الروايات

مسألة: قد وردت مادة الجمال في كثير من الروايات نشير إلى بعضها، وهي تدل على لزوم الجمال والنظافة في العديد من جوانب الحياة في الجملة.

فعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (كان فيما ناجى الله عز وجل به موسى (عليه السلام): أكرم السائل ببذل يسير أو برد جميل)(27).

وفي رواية أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (لا يكمل المؤمن إيمانه حتى يحتوي على مائة وثلاث خصال ـ إلى قوله (عليه السلام) ـ أن يكون جوال الفكر جوهري الذكر، كثيراً علمه، عظيماً حلمه، جميل المنازعة، كريم المراجعة، أوسع الناس صدراً، وأذلهم نفساً)(28).

وعن علي (عليه السلام) أنه قال: (الصبر صبران صبر عند المصيبة حسن جميل…)(29).

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (الصبر صبران، صبر على البلاء حسن جميل، وأفضل الصبرين الورع عن المحارم)(30).

وفي رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (الحياء سبب إلى كل جميل وأوثق العرى التقوى)(31).

وقال جابر لعلي (عليه السلام) يوماً (كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام): وبنا من نعم الله ربنا ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه، فلا ندري ما نشكر، أجميل ما ينشر أم قبيح ما يستر)(32).

وفي حديث عنه (عليه السلام): (والذكر ذكران ذكر عند المصيبة حسن جميل وافضل من ذلك ذكر الله عند ما حرّم الله عليك فيكون ذلك حاجزاً)(33).

وعن خيثمة قال: (كان الحسن بن علي (عليه السلام) إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه، فقيل له: يا بن رسول الله لم تلبس أجود ثيابك؟ فقال: إن الله تعالى جميل يحب الجمال فأتجمل لربي وهو يقول: (خذوا زينتكم عند كل مسجد )(34) فأحب أن ألبس أجود ثيابي)(35).

وفي دعاء يوم الاثنين لعلي (عليه السلام): (إلهي أتقيمني مقام التهتك وأنت جميل الستر ـ إلى قوله (عليه السلام) ـ وليس من جميل امتنانك رد سائل مأسور ملهوف، ومضطر لانتظار خيرك المألوف)(36).

وفي دعاء البهاء في أسحار شهر رمضان: (اللهم إني أسألك من جمالك بأجمله وكل جمالك جميل، اللهم إني أسألك بجمالك كله…)(37).

ولا يخفى أن ما ذكر مما يرتبط بجمال الله سبحانه وتعالى من باب ما ورد من قوله (عليه السلام): (تخلقوا بأخلاق الله)(38).

وفي حديث: (نظر أبو عبد الله (عليه السلام) إلى غلام جميل فقال: ينبغي أن يكون أبو هذا الغلام أكل السفرجل)(39).

وقال (عليه السلام): (السفرجل يحسن الوجه ويجم الفؤاد)(40).

وفي شعر ابن الأعسم الذي هو مأخوذ من الروايات:

 وفي السفرجل الحديث قد ورد *** تأكله الحبلى فيحسن الولد (41)

وفي حديث قال الصادق(عليه السلام): (الخلق الحسن جمال في الدنيا ونزهة في الآخرة)(42).

وفي حديث عنه (عليه السلام): (حلق الرأس في غير حج ولا عمرة مثلة لأعدائكم وجمال لكم)(43)، وذلك لأن الإنسان في الحج يجب عليه الحلق أو التقصير، أما في غير الحج فلأن الأعداء كانوا قد اعتادوا وضع الشعر فيكون حلقها مثلة لهم، أما المؤمنون فحيث اعتادوا الحلق اتباعاً للسنة يكون لهم جمالاً.

وفي حديث: (لا جمال أحسن من العقل)(44).

وفي حديث آخر: (لا جمال أزين من العقل)(45).

وفي الرواية: (حسن الصورة جمال ظاهر وحسن العقل جمال باطن)(46).

وفي الدعاء عن الباقر (عليه السلام) عقيب صلاة الليل: (وأنت الله جمال السماوات والأرض)(47).

وعن غياث عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم)(48).

أقول: هذا كناية عن أن جمال المرأة مطلوب، كما أن عقل الرجل مطلوب، وإلا فالجمال فيهما جمال والعقل فيهما عقل كما هو واضح، ومن المعلوم أن الكلام ينظر إلى مقصده لا إلى لفظه، فإذا قيل: (فلان كثير الرماد) أريد منه الكناية عن كرمه، وإذا قيل: (أقطع لسان فلان) أريد منه أن أكرمه بشيء حتى لا يتكلم، إلى غير ذلك من الأمور التي ذكروها في علم البلاغة.

وفي من لا يحضره الفقيه: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل: احلق فإنه يزيد في جمالك)(49).

ورأيت حديثاً في غير كتبنا يقول: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا لإنسان أن يبقي الله جماله، فبقي شعره أسود إلى آخر عمره الطويل.

وفي حديث يخاطب الله سبحانه وتعالى ويقول: (وأنت البهي في جمالك وأنت العظيم في قدرتك)(50).

وفي حديث: (وعجزت العقول عن إدراك كنه جمالك)(51).

وفي حديث آخر: (وألبسني جمالاً في خلقك وزينة في عبادك)(52).

وعن الرضوي (عليه السلام): (إذا أردت التزويج فاستخر وامض ثم صل ركعتين وارفع يديك، وقل: اللهم إني أريد التزويج فسهل لي من النساء أحسنهن خَلقاً وخلقاً وأعفهن فرجاً وأحفظهن نفساً فيَّ وفي مالي، وأكملهن جمالاً وأكثرهن أولاداً)(53).

وعن محمد بن نصر عن الرضا (عليه السلام) قال، قال أبي: (ما تقول في اللباس الحسن، فقلت: بلغني أن الحسن (عليه السلام) كان يلبس، وأن جعفر بن محمد (عليه السلام) كان يأخذ الثوب الجديد فيأمر به فيغمس في الماء، فقال لي: البس وتجمل فإن علي بن الحسين (عليه السلام) كان يلبس الجبة الخز بخمسمائة درهم)(54).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين: (إن الله جميل يحب الجمال)(55).

وفي حديث آخر تحليل للأمر بالتجمل يقول: (لأنه جميل يحب الجمال)(56).

وعن علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) قال: (قال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ليأخذ أحدكم من شاربه وينتف شعر أنفه فإن ذلك يزيد في جماله)(57).

وفي حديث آخر عن علي (عليه السلام): (الجود جمال الفقير)(58).

وفي رواية في صفات المؤمن: (هو جميل المعاشرة طلق الوجه بساماً من غير ضحك)(59).

وعن سهل بن زياد رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (العقل غطاء ستير، والفضل جمال ظاهر، فاستر خلل خلقك بفضلك، وقاتل هواك بعقلك، تسلم لك المودة وتظهر لك المحبة)(60)

إلى غير ذلك من الروايات التي يجدها المتتبع في مصادرها وحتى في الأدعية وغيرها.

 

بين الإسلام والمسلمين

مسألة: إن انحراف بعض المسلمين عن تعاليم الإسلام، ومنها ما يرتبط بالنظافة بالمعنى الأعم، ليس معناه انحراف الإسلام وتأخره. بل معناه إنهم لم يأخذوا بالإسلام وإلا لتقدموا، وذلك مثل انحراف بعض الحكومات عن الديمقراطية، فإن ذلك ليس من مساوئ الديمقراطية بل من مساوئ الحكومات المنحرفة عنها.

وباللسان العلمي الإشكال في الصغرى لا في الكبرى، فإن الإسلام سام في جميع أموره: عقائده وأحكامه، أخلاقه وآدابه، سننه وشرائعه، وما أشبه ذلك، فإنه (يعلو ولا يعلى عليه) كما ورد(61).

وسائر تعاليمه صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، وتعطي الثمار الطيبة، والنتائج الجميلة لكل من طبق الإسلام على نفسه أو أسرته، وجماعته أو دولته، أو غير ذلك.

 

المبالغة في النظافة إجمالا

مسألة: الظاهر استحباب إعفاء حتى الآثار التي هي للنجاسة وإن لم تكن نجساً كما يفهم من جملة من الأخبار، مثل خبر علي بن أبي حمزة عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: (سألته أم ولد لأبيه ـ إلى قوله: ـ قالت: أصاب ثوبي دم الحيض فغسلته فلم يذهب أثره، فقال: اصبغيه بمشق حتى يختلط ويذهب)(62).

وفي حديث ابن أبي منصور قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): (امرأة أصاب ثوبها من دم الحيض فغسلته فبقي أثر الدم في ثوبها، فقال: قل لها تصبغه بمشق حتى يختلط)(63).

كما يستحب غسل الثوب من دم البراغيث وأشباهه وإن لم تكن نجسة، فعن الباقر والصادق (عليهما السلام) : (رخصا (عليهما السلام) في النضح اليسير منه ومن سائر النجاسات مثل دم البراغيث وأشباهه) وقالا (عليهما السلام) : (فإذا تفاحش غسل)(64).

أما إنه لا وجوب، فلما رواه الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (سألته عن دم من البراغيث فقال: ليس به بأس وإن كثر)(65).

وكذلك يستحب الغسل لمن مس شيئاً نجساً يابساً غير متعدٍّ، ففي رواية عنهم (صلوات الله عليهم أجمعين): (رخصوا (عليهم السلام) في مس النجاسة اليابسة الثوب والجسد إذا لم يعلق بهما شيء منها كالعذرة اليابسة والكلب والخنزير والميتة)(66).

وعن الرضوي (عليه السلام): (وإن مسست ميتة فاغسل يديك)(67).

ومنها ما ورد في الحديث الشريف: عن مسعدة عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام)(إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لبعض نسائه: مُري نساء المؤمنين أن يستنجين بالماء وليبالغن فإنه مطهرة للحواشي ومذهبة للبواسير)(68).

ولا يخفى أن المبالغة حسنة ما لم تصل إلى حد الوسواس فإنه مكروه أو محرم حسب موارده.

 

الأنبياء (عليهم السلام) يدعون إلى النظافة

مسألة: من أهم ما يدعو إليه الأنبياء (عليهم السلام) النظافة بالمعنى الأخص والأعم، وقد ذكرنا في بعض كتبنا أن الأنبياء (عليهم السلام) يدعون إلى أمرين:

1ـ تنظيف العقيدة عن الأوهام والأباطيل والخرافة، ثم الاعتقاد بالحق والواقع.

2ـ تنظيف العمل عن الجور والرذيلة وما إليهما، والتعويض بالأعمال الصالحة والإرشاد نحو الحق والصراط المستقيم.

فإنا إذا نظرنا إلى العقائد التي كانت تسود العالم ولازالت بعضها كذلك، نراها من هذا القبيل:

ـ عبادة الأصنام والأوثان، الناشئة عن الاعتقاد بألوهيتها.

ـ عبادة الشمس والقمر والكواكب.

ـ عبادة النار.

ـ عبادة أفراد من البشر، كفرعون ونمرود.

ـ عبادة بعض الحيوانات.

ـ الاعتقاد بالنفع والضرر من أشياء موهومة.

ـ الاعتقاد بعدم الإله، والخالق.

ـ الاعتقاد بإلهين: إله للخير، وإله للشر.

ـ الاعتقاد بأن المسيح (عليه السلام) هو الله، أو ابن الله، أو كون (عزير) ابن الله.

ـ الاعتقاد بكون الإله جسماً، أو له بنات.

وما أشبه ذلك، وكلها خرافة وأوهام، فالأنبياء (عليهم السلام) كانوا يرشدون إلى لزوم النظافة من هذه الخرافات والأباطيل.

كما كانوا يرشدون إلى لزوم تنظيف العمل عن الجور، فإن بعض الأعمال التي تصدر عن الناس، فيها جور بالنسبة إلى المجتمع، أو إلى النفس، أو ما أشبه.

فمثلاً: القتل، والزنا، والربا، والرشوة، وأكل مال الناس بالباطل، والسرقة، والاحتكار، ونحوها، جور بالنسبة إلى المجتمع ..

وأكل لحم الخنزير، وشرب الخمر، والقمار، والانتحار، ونحوها، جور بالنسبة إلى النفس..

وعدم العبادة لله تعالى، وسوء الخلق، وعدم الاستقامة في البيع والشراء والنكاح والطلاق والإرث والقضاء، وغيرها، كلها أعمال جائرة..

والأنبياء (عليهم السلام) يدعون الناس إلى التنظيف من كل ذلك حتى تستقيم أخلاق الناس، وأعمالهم، وعباداتهم، وعقائدهم، وإذا راجعنا التاريخ نرى: ان كل عصر ساد فيه تعاليم الأنبياء (عليهم السلام) عاش الناس في خير ورفاه، وأمن وسلام، وغنى وصحة، وعلم وثقافة، وكل خير، وخير.

وبالعكس كل عصر سادت فيه قوانين الأرض، أو خرافة العقيدة، فإنه كان أتعس عصور التاريخ، وأكثرها ظلماً وجوراً، واستعبادا واستغلالا.

1ـ انظر (فقه القانون) للإمام الشيرازي.

2ـ وسائل الشيعة: ج1 ص354 ب3 ح4.

3ـ سورة الشعراء: الآية 80.

4ـ سورة النحل: الآية 69.

5ـ سورة المائدة: الآية 6.

6ـ سورة المائدة: الآية 6.

7ـ سورة التوبة: الآية 14.

8ـ سورة يونس: الآية 57.

9ـ فرويد (1856-1939م) طبيب أمراض عصبية، نمساوي، أكد على اثر اللاوعي والغريزة الجنسية في تكوين الشخصية، أصيب بالسرطان ومات به، أشهر آثاره: (دراسات في الهستيريا) stu bien ber hysteyie عام 1895م و(تأويل الأحلام) dile tyaumdeutung عام 1899م. للتفصيل راجع كتاب (نقد نظريات فرويد) للإمام الشيرازي دام ظله.

10ـ سورة الإسراء: الآية 70.

11ـ بالمعنى الذي ورد في الشعر المنسوب للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر.راجع ديوان الإمام علي (عليه السلام) :ص175.

12ـ بحار الأنوار: ج58 ص23 ب42، وغوالي اللئالي: ج4 ص7 ح8.

13ـ سورة الشعراء: الآية 89.

14ـ وإليك بعض الإحصاءات:

8500 شخص جديد يصابون بالإيدز كل يوم بينهم 1000 طفل تحت سن 15 عاماً.

اكثر من 8 ملايين طفل فقدوا أمهاتهم بسبب الإصابة بالإيدز.

مجلة (المجلة) العدد 905، القسم الملحق)

تتجاوز الحالات الجديدة المسجلة سنويا للأمراض المنقولة جنسيا 233 مليون إصابة بين الرجال والنساء وتنقل ما بين 30% و 70% من النساء المصابات هذه الأمراض إلى أطفالهن وتذكر الأكاديمية الأمريكية للعلوم من جهة ثانية أن هناك 22 مليون شخص في العالم يحملون فيروس الإيدز ويعيش 14 مليونا منهم في إفريقيا كما يسجل المرض انتشاراً متسارعاً في جنوب شرق آسيا.

مجلة (المجلة) العدد 948، القسم الملحق ص6

الإيدز داء العصر، وهو يعد أخطر عدوى فيروسية في تاريخ البشرية قاطبة، حيث يصيب هذا المرض الفتاك حالياً ما لا يقل عن 30 مليون شخص عبر العالم، أبرزهم في دول أفريقيا السوداء والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا.

مجلة (المجلة) العدد 982 ص 18-25 تاريخ 6/12/1998م.

15ـ سورة الإسراء: الآية 32.

16ـ سورة (المؤمنون): الآية 5 ـ 6.

17ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب (علم النفس).

18ـ وسائل الشيعة: ج1 ص83 ب26 ح6.

19ـ وسائل الشيعة: ج1 ص83 ب26 ح6.

20ـ راجع نهج البلاغة: الخطبة 209.

21ـ الكافي: ج6 ص438 ح1، وسائل الشيعة: ج3 ص362 ب19 ح4.

22ـ سورة الأعراف: الآية 32.

23ـ راجع الكافي: ج6 ص442 ح7.

24ـ الجعفريات: ص156 باب السنة في ملف الشعر.

25ـ غوالي اللئالي: ج4 ص14 ح31.

26ـ قرب الإسناد: ص32.

27ـ الكافي: ج4 ص15 ح3.

28ـ مستدرك الوسائل: ج11 ص178 ب4 ح12686.

29ـ وسائل الشيعة: ج11 ص187 ب19 ح2.

30ـ الكافي: ج2 ص91 ح14.

31ـ تحف العقول: ص84.

32ـ بحار الأنوار: ج75 ص48 ب16 ح64.

33ـ بحار الأنوار: ج75 ص55 ب16 ح110.

34ـ سورة الأعراف: الآية 31.

35ـ مستدرك الوسائل: ج3 ص226 ب36 ح3438.

36ـ بحار الأنوار: ج87 ص171 ب9 ح19.

37ـ بحار الأنوار: ج94 ص370 ب3 ح1.

38ـ بحار الأنوار: ج58 ص129 ب42.

39ـ وسائل الشيعة: ج17 ص131 ب93 ح12.

40ـ وسائل الشيعة: ج17 ص131 ب93 ح12.

41- راجع مستدرك الوسائل: ج15 ص135 ب23 ح17772، وفيه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (أطعموا حبالاكم السفرجل فأنه يحسن أخلاق أولادكم).

42ـ بحار الأنوار: ج68 ص393 ب92 ح61.

43ـ من لا يحضره الفقيه: ج1 ص124 ح288.

44ـ بحار الأنوار: ج74 ص282 ب14 ح1.

45ـ الكافي: ج8 ص19 ح4.

46ـ بحار الأنوار: ج1 ص95 ب1 ح27.

47ـ بحار الأنوار: ج84 ص203 ب12 ح11.

48ـ أمالي الشيخ الصدوق: ص228 ح9.

49ـ من لا يحضره الفقيه: ج1 ص124 ح287.

50ـ الإقبال: ص629، الدعاء بعد أول ليلة من شهر رجب.

51ـ بحار الأنوار: ج91 ص150 ب32 ح21.

52ـ بحار الأنوار: ج73 ص116 ب14 ح17.

53ـ فقه الرضا (عليه السلام): ص234.

54ـ وسائل الشيعة: ج3 ص341 ب1 ح8.

55ـ وسائل الشيعة: ج3 ص340 ب1 ح2. وفيه عن أبي بصير.

56ـ وسائل الشيعة: ج3 ص340 ب1 ح3.

57ـ مستدرك الوسائل: ج1 ص407 ب41 ح1006.

58ـ مستدرك الوسائل: ج11 ص175 ب4 ح12677.

59ـ وسائل الشيعة: ج3 ص377 ب29 ح6.

60ـ وسائل الشيعة: ج11 ص162 ب8 ح8.

61ـ إشارة إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ). مستدرك الوسائل: ج17 ص142 ب1 ح20985.

62ـ الكافي: ج3 ص59 ح6.

63ـ تهذيب الأحكام: ج1 ص272 ب12 ح88.

64ـ مستدرك الوسائل: ج2 ص565 ب15 ح2740.

65ـ مستدرك الوسائل: ج2 ص566 ب15 ح2741.

66ـ مستدرك الوسائل: ج2 ص568 ب19 ح2747.

67ـ مستدرك الوسائل: ج2 ص568 ب19 ح2748.

68ـ الكافي: ج3 ص18 ح12.