الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

قاعدة اليد

أدلة القاعدة

(قاعدة اليد): وقد استدل بها الفقهاء في مختلف أبواب المعاملات وغيرها.

والدليل عليها ـ قبل الإجماع المقطوع به في كلامهم، وإن كان يستشكل بأنه محتمل الإستناد، والسيرة المستمرّة، وبناء العقلاء، وقد وردا على لسان الشرع حيث قال سبحانه: (يتّبع غير سبيل المؤمنين)(1). والسيرة معناها: سبيل المؤمنين. وفي الروايات: (لو لم يجز هذا لما قام للمسلمين سوق)(2) كما في رواية حفص. (ومن استولى على شيء منه فهو له(3) كما في رواية يونس، إلى غيرها ـ :

جملة من الروايات:

كرواية حفص المروية في الكتب الثلاثة عن الصادق (ع): (أرأيت إذا رأيتُ شيئاً في يد رجل أيجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال (ع): نعم، فقال الرجل: أشهد أنه في يده ولا أشهد أنه له فلعله لغيره؟ فقال أبو عبد الله (ع): أفيحلّ الشراء منه؟ قال: نعم، فقال أبو عبد الله (ع): فلعلّه لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك، ثم تقول بعد الملك: هو لي وتحلف عليه، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك؟ ثم قال أبو عبد الله (ع): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق)(4).

أقول: المسألة لها صور متعدّدة:

1 ـ قد يكون في يده ويقول: أنه ملكه، ولا إشكال فيه.

2 ـ وقد يقول أنه ليس ملكه، ولا إشكال.

3 ـ وقد لا يعلم ذلك وهو لا يصرّح بالملكية أو عدمها مع صلاحيته للقول، وهذا لا دليل على أن نتصرف فيه تصرف من يحق له ذلك بالنسبة إلى أملاك الناس، مثل التصرف في بيت من تضمنته الآية(5).

والرواية المذكورة لا تشمله، لأن الإمام (ع) ذكر مثال (تشتريه) وهو في ادعائه الملكية، إذ لا يحتاج الأمر إلى اللفظ، بل يكفي قرائن الملك ولو بالبيع والهبة ونحوهما، فلا إطلاق للرواية ليشمل المورد المذكور، خصوصاً ولا سيرة ولا بناء للعقلاء في مثل ذلك.

4 ـ وقد يكون بلا صلاحية للقول، وذلك لمن صار مجنوناً أو مات أو ما أشبه، ولا يبعد أن يشمل الدليل ذلك.

فإذا وجدنا في صندوقه أموالاً، أو في بيته، أو كان جالساً في البيت ولم نقطع بأنها ليست له، قسَّمناه بين ورثته، كما نجعل ما تحت يد المجنون له في تصرف الولي فيه تصرف ما ملكه المجنون.

وبذلك تبيّن حال ما تحت يد الصغير كما ذكره الفقهاء في كتاب اللقطة(6).

ورواية مسعدة عن الصادق (ع) قال: سمعته يقول: (كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك وقد اشتريته ولعلّه سرقة، والمملوك عندك لعله حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهراً، وامرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة)(7).

وقد ذكرنا في (الفقه) أن الاستبانة عرفية، وهي تحصل بالثقة، كما هي عادة العرف في كافة شؤونهم، فإنّ ركّاب الطائرة يسلّمون أنفسهم وأموالهم إلى الطيّار، وكذا الملاّح والسائق، مع أنه واحد، ويضع المريض جسمه تحت تصرّف الطبيب لإجراء العملية الجراحية وهكذا.

أمّا قيام البيّنة [التي هي عبارة عن شاهدين ـ كما ادعى القطع عليه جماعة ـ اصطلاحاً وإن كان خلاف اللغة والمستعمل في القرآن الحكيم (حتى تأتيهم البيّنة)(8) وغيره ] فإن الحاجة إليها في مقام الشهادة فقط، إذ لا دليل على أكثر من ذلك.

والإشكال في الرواية بأنها لا تدل على قاعدة اليد غير سديد، فإن من أظهر ما تدل عليه بالملاك القطعي أو الإطلاق هو ذلك، فإن الإنسان إنما يعتمد على بائع الثوب والمملوك وعلى قول المرأة ونحوها.

والمروي عن الصادق (ع) في قصة فدك: أنّ مولانا أمير المؤمنين (ع) قال لأبي بكر: (أتحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى في المسلمين؟ قال: لا، قال: فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ادعيت أنا فيه من تسأل البيّنة؟ قال: إياك كنت أسأل البيّنة على ما تدعيه على المسلمين، قال (ع): فإذا كان في يدي شيء فادعى فيه المسلمون تسألني البينة على ما في يدي وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) وبعده، ولم تسأل المؤمنين البينة على ما ادعوا عليّ كما سألتني البينة على ما ادعيت عليهم؟ إلى أن قال: وقد قال رسول الله (ص): البينة على من ادعى واليمين على من أنكر)(9).

فإن الرواية صريحة في حجية اليد وهي تدل على الملك، وأن المدَّعي، عليه إقامة الدليل.

قضية فدك

ولا يخفى أن قضية (فدك) كانت واضحة وإنما السلطة هي التي أرادت أن تمنح الشرعية للخليفة كما هو دأب الحكومات دائماً، ولذا نرى في التاريخ أن خلفاء الجور ردوا فدك تارة وغصبوها أخرى، إلى أربع عشرة مرة أو أكثر.

وأما أن الإمام (ع) لم يسترد فدكاً عند تسلّمه السلطة، فلما أشار إليه في نهج البلاغة، ولعلّ السرّ الواقعي هو أن الإمام (ع) أراد شيئين :

الأول: إبقاء الظلامة حتى تكون دليلاً على اغتصاب الخلافة.

الثاني: انه قضية مهمّة، إلاّ أن الأهم هو قضية الخلافة، فإن العقلاء دائماً يتركون المهم لصالح الأهم، حتى لا ينشغلوا عن الأمر الأهم، لقاعدة (الأهم والمهم).

ورواية حمزة بن حمران: (أدخـــل السوق فأريــــد أن أشتري جارية تقول: أني حرّة ؟ فقال (ع): اشترها إلاّ أن يكون لها بيّنة)(10).

فإن (اليد) لو لم تكن حجّة كان اللازم على البائع أن يأتي بالبيّنة، والمراد بالبينة في الرواية :

إما العلم من القرائن، إذ ربما تدل القرائن على ذلك، مثلاً يحقق الحاكم من البائع عن وقت تملّكها وبأي سبب وما أشبه، ثم يسأله ثانياً، ليرى التطابق بين الجواب الأول والثاني، وما أشبه ذلك، ليظهر زيف ادعائه.

أو خصوص الشاهدين، ولكنه من باب المثال الغالب.

وقد كشف أمير المؤمنين (ع) صدق مدّعي السيادة في قصة مشهورة ادعى كل منهما انه السيد والآخر العبد.

ومثل الرواية السابقة: صحيحة العيص (عن مملوك ادعى أنه حرّ ولم يأت ببيّنة على ذلك، أشتريه؟ قال (ع): نعم)(11).

ولا يخفى أنه لو علم حريته وأنه غصب أو ما أشبه، كان له أن يعمل حسب الواقع من الهروب ونحوه.

وموثقة يونس في المرأة تموت قبل الرجل أو رجل يموت قبل المرأة، قال (ع): (ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شيء منه فهو له(12).

ولا يخفى أنه لو كان من متاعهما أو لم يكن من متاعهما أو متاع الطفل كان اللازم إعمال قاعدة (العدل) إذا لم يكن بيّنة ونحوها.

وقد ذكرنا تفصيل هذه المسألة في (الفقه)، والمراد هنا أن الإستيلاء دليل الملك، فيأتي في شريكين في محلّ تجاري أو في غرفة المدرسة، مثلاً كان أحدهما يدرس شرح اللمعة والآخر يدرس الكفاية فلكل منهما ما يدرس فيه، أما إذا كان مثل كتاب اللغة حيث تعمّ الحاجة إليه، أو لم تكن لأحدهما إليه حاجة، فهو لهما، إلى غير ذلك.

ورواية العباس بن هلال عن الرضا (ع): (ذكر أنه لو أفضى إليه الحكم لأقر الناس على ما في أيديهم ولم ينظر في شيء إلاّ بما حديث في سلطانه، وذكر أن النبي (ص) لم ينظر في حدث أحدثوه وهم مشركون وأن من أسلم أقرّ على ما في يده(13).

والظاهر أنها أعم ممّا في الـــيد، بل المراد انطباق حديث (الجب)(14) عليهم كما ذكرناه في كتاب (الفقه: الدولة)(15) وغيره.

المراد من (اليد)

ثم المراد من (اليد) ـ في الروايات وكلام الفقهاء ـ: ما كان تحت السلطة، سواء سلطة نفسه أو وكيله كالودعي والمستأجر والمستعير والمضارب ونحوهم بعد اعترافهم بأنه لأولئك، وإن كان الشيء في يد آخر لا يعلم بأنه لمن، كما إذا كان بستان أو دار تحت سلطة زيد، وكان الساكن فيهما جاهلاً بالمالك.

وقد ذكرنا في (الفقه) في مسألة (على اليد ما أخذت)(16) أنه يشمل السيطرة كما إذا غصب الظالم أملاك الناس وسجّلها باسمه بحيث صارت تحت سلطته وإن كان أربابها الواقعيّون ساكنين فيها فإن يدهم ضعيفة ويشمل (على اليد) يد الغاصب كما هي العادة لدى الحكومات الظالمة.

وإذا كان هناك استيلاءان ـ أي يدان على شيء ـ فهو لهما بصورة متساوية، أو مختلفة، كما إذا كانت الدار ذات طوابق واثنتان في يد أحدهما وواحدة في يد ثان.

وكذلك إذا كان الإستيلاء على البستان على نحو التثليث أو التربيع أو ما أشبه.

وإذا لم نعلم أن حصة الإثنين متساوية أو مختلفة فالأصل الأول.

وإذا ادعى أحدهما الأكثر فعليه البيّنة.

وإذا كانت هناك يدان أو أكثر إلاّ أن الملكية ظاهرة لأحدهما كان له، كما إذا جلس في السيارة السائق والركاب فالظاهر أنها له دونهم، وكذلك حال السائق ومعاونه، وقد ذكر الفقهاء مسألة الراكب وآخذ الزمام والسائق للدابة.

وإذا تبادل اثنان قيادة السيارة مثـــلاً كان بينهما أيـــضاً، إلاّ أن يقيم أحدهما الدليل على أنها أو أكثرها له ـ على موازين الدعوى ـ.

وكذلك لو أخذا طرفي الحبل يتنازعان فهو بينهما كذلك.

ولو ترتّبت الأيدي كان للاّحق، إلاّ أن يقيم السابق البينة على الكل أو البعض.

ولا فرق في ما ذكر بين مسلمَيْن وكافرَيْن، رجلَيْن أو امرأتيْن، أو بالإختلاف، وكذلك حال غير البالغَيْن المميّزَيْن فيما لو قلنا بكراهة معاملتهما ـ كما ذكره في الشرائع ـ حيث إن يد الطفل تكون حجة حينئذ بخلاف المجنونَيْن.

والحاصل: أن حال الفردَيْن هو كالفرد الواحد، وبعض الكلام مذكور في كتاب (اللقطة).

إطلاق أدلة اليد

ولا فرق في حجية اليد بين من غلب عليه الغصب ـ كالسارق والظالم ـ أو لا، لإطلاق الأدلة، وليس الإعتبار بالظن حتّى يقال: لا ظن في الأولين.

ثم لو كانت يده عادية وبعد ذلك شك في أنها هل صارت شرعية أو أمانة مالكية كان الإستصحاب محكّماً، لأنه يوسع دائرة الموضوع.

فلا يقال: أن اليد أمارة والإستصحاب أصل وهي مقدمة عليه كما نبه على مثل ذلك الشيخ (قدس سره) في بعض مباحث الرسائل.

وسيرة العقلاء أيضاً على ذلك فمن عرفوه بأنه غصب دار زيد ـ ثم احتملوا شراءها منه أو ما أشبه ـ يحكمون بالغصبية حتى يقيم الدليل.

وكذلك الحكم بالنسبة إلى حال سائر المحرمات، مثلاً: لو علمنا أن الدار وقف ثم رأيناه يبيعها، فإننا لا نقول أن موجب بيع الوقف قد حصل له.

أو علمنا أنه صحيح الجسم حاضر ثم رأيناه يفطر مما احتملنا مرضه أو سفره، أو رأيناه يشرب الخمر، وكما إذا علمناها متزوّجة ثم رأيناها مع إنسان آخر يباشرها واحتملنا أن الأول لم يدخل بها وطلّقها قبل ساعة وتزوّجها الثاني حتى تكون المباشرة شرعية، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.

لا يقال: فلماذا لا تحكمون بالإستصحاب فيما إذا رأيتم امرأة مع رجل، أو شخصاً يبيع فاكهة ولا بستان له، أو رأيتم ميتاً دفن ولم تعلموا بغسله، فالإستصحاب يقتضي عدم الحلية في الأولين وعدم جواز الثالث؟

لأنه يقال: في كل مورد جرت (السيرة) ونحوها فنقول بخلاف الإستصحاب، وإلاّ كان الإستصحاب محكّماً، وقد ألمعوا إلى مثل ذلك في الأراضي المفتوحة عنوة حيث رأينا المسلم يعاملها معاملة الملك.

ويؤيّد المستثنى سؤال علي (ع) عمّن أفطروا في شهر رمضان.

والظاهر الفرق بين العلم الوجداني بأن الدار كانت لغيره ولا مدعي، حيث يحكم باليد بلا يمين ولا بيّنة، وذلك للسيرة القطعية وبناء العقلاء والروايات، لأن أكثر الدور والدكاكين والحمامات بل والمنقولات يُعلم أنها لم تكن لذي اليد سابقاً ومع ذلك إذا رأيناها عند إنسان يُحكم بصحة يده كما أشارت إلى ذلك الرواية السابقة.

وبين ما إذا كان مدع فإن من بيده يلزم عليه أن يحلف إذا لم يأت المدعي بالبينة وذلك لقوله (ص): (البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر)(17).

أمّا طلب أبي بكر من فاطمة عليها السلام البيّنة ـ إضافة إلى أنه خلاف مقتضى قاعدة اليد ـ فقد عرفت أنه كان ذريعة وعُذراً, كان الهدف هو الغصب بالقوّة، لا بالمنطق والبرهان، فإن فدك كانت ملكاً للرسول (ص).

وحينئذ فهي للزهراء عليها السلام، سواء أعطاها إياها هبةً ـ كما هو كذلك ـ أو تصرّفاً فقط لأنها حينئذٍ تصبح إرثاً على تفصيل ذكرناه في (الفقه)(18).

ولو فرضنا أنّ يده (ص) كانت يد ولاية فقط ـ فبالإضافة إلى النقض بسائر أموال الرسول (ص) وأنهم أقرّوا سائر الزوجات على مالكيتهنّ لحجرة الرسول إلى سائر أثاثه (ص) التي خلفها ـ أن الأصل عدم التصرّف الولائي وإلاّ لم يكن (ص) أُسوة كما ذكرناه في بعض مباحث (الفقه).

ومما تقدّم يعلم أنه لو أقرّ أن الدار كانت لغيره أو قامت بذلك البيّنة أو حكم بذلك الحاكم ولم يكن مدع، فعند ذلك يُقَرَُّ على أصالة صحة عمله في معاملته لها، وإن كان مدَّع فالكل سواء في احتياج ذي اليد إلى البيّنة.

نعم، إذا ادّعى مدع أن الدار التي ورثها زيد كانت قبل مائة سنة لجدّه وأنها كانت عارية بيد جد الوارث ولم يكن للوارث بينة الإنتقال، لم يسمع دعوى المدعي كي يقال للوارث: أقم البيّنة، بل المدعي يحتاج إليها، وذلك لعدم اعتبار مثل هذه الدعوى عند العقلاء فلا تشملها الأدلّة.

ومما تقدم ظهر أنه لا فرق في ادعاء المدعي على صاحب اليد أن يدعي كلاهما الملك أو الإجارة أو نحوها أو بالإختلاف بأن يقول الأول: أنها ملكه وصاحب اليد غاصب أو مستأجر أو وديعة أو عارية عنده أو ما أشبه، أو يكون العكس بأن يدعي الأول أن الدار لزيد وأنها في إجارته، وأن صاحب اليد غاصب أو نحوه، وذلك لوحدة الدليل والملاك في الجميع.

وكذا لا فرق فيما ذكر بين الأعيان والمنافع والحقوق مثل حق الرهانة وحق التولية وحق الاختصاص في مثل الميتة المحرمة إذا قلنا بأنها لا تباع وإنما له حق الإختصاص بحيث لا يحق لأحد مزاحمته.

وكذلك سائر النجاسات التي تتخذ للأسمدة في المزارع ونحوها، لكنا ذكرنا في (الفقه) عدم استبعادنا صحة بيعها، حتى الخمر تُتَّخذ لهدف قتل الديدان في البالوعة ـ مثلاً ـ وإن كان في الأخير تأمّل من جهة قوّة أدلّة المنع.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: بانصرافها إلى مثل الشرب والدواء لا مطلقاً.

شمولية قاعدة اليد

وكما تجري قاعدة اليد في الموارد المتقدمة تجري في النسب والأعراض كما إذا قال ذو اليد: أن المجنون أو الصبي ولده، وأن المرأة التي في بيته زوجته، فالمدعي يحتاج إلى البينة، وذلك للملاك وبناء العقلاء والسيرة من غير ردع.

ولا يبعد جريان قاعدة اليد بالنسبة إلى يد الإنسان نفسه فيما إذا لم يزاحمه مزاحم، كما إذا وجد في داره أو صندوقه أو دكانه مجهولاً يحتمل أن يكون له، احتمالاً عقلائياً، لا فيما إذا كان الناس يتراودون إلى ذلك المكان، أو كان مشتركاً، مما يضعف احتمال كونه له.

ويدل على المستثنى بالإضافة إلى السيرة وبناء العقلاء بعض الروايات المعمول بها عند المشهور :

كصحيحة جميل بن صالح عن الصادق (ع): رجل وجد في منزله ديناراً؟ قال (ع): يدخل منزله غيره؟ قلت: نعم كثير، قال (ع): هذا لقطة، قلت: فرجل وجد في صندوقه ديناراً، قال (ع): يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئاً؟ قلت: لا، قال: فهو له(19).

والمراد بـ (غيره) ـ في الحديث الشريف ـ: من يحتمل أن يكون له، لا إذا دخل داره من يقطع بأنه لا يرتبط بالمال الذي وجد فيها وكذلك حال الصندوق وغيرهما، فاليد في المستثنى قد سقطت عن الحجية باحتمال أنه لغيره، للداخلين والواضعين.

أما موثّقة إسحاق (عن رجل نزل في بعض بيوت مكّة فوجد فيها نحواً من سبعين درهماً مدفونة، فلم يزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع؟

قال (ع): يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها، قلت: فإن لم يعرفوها؟

قال (ع): يتصدّق بها)(20).

فإنها لا تعارض الصحيحة لأن ظاهرها علمه بأنها ليست له.

وما ذكرناه لا فرق فيه بين المسلم والكافر، إلاّ إذا كان لهم قانون غير ذلك، حيث يشمله قانون (الإلزام) حينئذ.

وقد ذكرنا في بعض مباحث (الفقه) أن هذا القانون ينطبق لهم وعليهم، ولهذا يزوّج المجوسي باُخته.

نعم، إذا تعارض مع مسلم قدِّم قانون الإسلام لأنه يعلو(21).

سوق المسلمين وأرضهم

ثم إنه لا إشكال في أن يد المسلم حجّة على الحليّة والتذكية، وكذلك سوق المسلمين وأرضهم ـ وقد ذكرنا روايات الأرض في كتاب (الفقه: اللقطة)(22) ـ لكن السوق أقوى ـ في الحجة ـ من الأرض، مثلاً: لو كان في بلد الكفر سوق للمسلمين، فإن السوق حاكم، وإذا كان سوق من الكفار في أرض الإسلام كان السوق أيضاً حاكماً.

نعم، إذا كان سوق في أرض الإسلام ولا نعلم هل هو للمسلم أو للكافر؟ حكم أنه للمسلم تبعاً للأرض، وفي عكسه: لو كان سوق في أرض الكفار ولا نعلم انه للكافر أو للمسلم؟ حُكِم أنه للكافر.

ولا يبعد القول بكفاية أحد ثلاثة أشياء ـ بالإضافة إلى (اليد) ـ :

1 ـ الأرض.

2 ـ والسوق، إذا كانا للمسلمين.

3 ـ وكذا إذا كان الحاكم مسلماً، وإن كانت الأكثرية كفاراً، فإنه أيضاً بلد الإسلام.

ويدلّ عليه، أن البلاد التي فتحت على أيدي المسلمين كانت الأكثرية فيها كفاراً، لأنهم ما كانوا يجبرون الناس على الإسلام، كما دلّ على ذلك تاريخ رسول الله (ص) حيث لم يجبر أهل مكة وأهل المدينة وأهل البحرين وأهل اليمن وغيرها على الإسلام.

بل أن ظاهر التواريخ يدل على أن أكثر أهل المدينة ـ في بداية هجرة رسول الله (ص) إليها ـ كانوا كفاراً، حيث ذكروا أنه لم يكن بيت إلاّ فيه مسلم أو مسلمة، ومع ذلك لا شك أنها كانت بلد الإسلام ولعلّ قانون (الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه)(23) يشمله.

ومنه يعلم حال الأرض والبلد والسوق الذي يتساوى فيها وجود المسلمين والكافرين حيث يحكم بأنه للإسلام، وإن كان الاحتياط اللزومي خلافه، لأن ظاهر الروايات أن يكون الأكثر مسلماً.

ففي رواية إسحاق بن عمار عن العبد الصالح (ع): (لا بأس في الصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فإن كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمون فلا بأس)(24).

اللّهمّ إلاّ أن يقال: أن المراد بالغالب غلبة الحكومة لا غلبة الأفراد فيكون دليلاً على كفاية كون الحاكم مسلماً وإن كان الغالب على الناس الكفر.

أمّا رواية إسماعيل بن موسى عن أبيه (قال: سألت أبا الحسن (ع) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل أيسأل عن ذكائه إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال (ع): عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه)(25).

فالظاهر أن المراد كفاية يد غير الشيعي، لأن (العارف) اصطلاح على الشيعي في لسانهم، كما يعرف من بعض الروايات الأُخر مثل: (لا توضع العارفة إلاّ عند العارف)(26).

وذكر (يصلّون) لأن ما باعه المسلم يصلّى فيه، فيد المسلم مطلقاً حجة، لا يد الكافر أيّ قسم كان، وذكر الشرك من باب المثال أو من جهة أن كل كافر مشرك، ولذا قال سبحانه: (فتعالى الله عمّا يُِشْركون)(27) فلا يحكم عليها بالصحّة إلاّ بعد الفحص، مثل أن يكون الكافر قد اشتراه من مسلم أو من سوقهم أو أرضهم أو أن ذابحه كان مسلماً.

وإذا سبقت يد الكافر على المسلم، فالظاهر عدم الاعتبار بيد المسلم لاستصحاب عدم التذكية، وفي عكسه الاعتبار لأصالة التذكية مما لا تضرها يد الكافر الحالية.

وإذا تواردت يدان لمسلم وكافر ولم نعلم أن أيتهما السابقة من اللاحقة، كان الأصل أيضاً عدم التذكية لعدم تحقق الموضوع، كما ذكر في توارد الوضوء والحدث، ولم يعلم السابق منهما.

وإذا كان الحيوان مثلاً في يدهما معاً فالأصل: الكفاية، لأنه في يد المسلم، ويد الكافر كالحجر إلى جانب الإنسان.

ومن ذلك يعرف حال ما لو كان هناك مسلم وتلاميذه كفّار، وبالعكس.

ولا فرق في ما ذكر بين أن تكون ذبيحة متكاملة بعضها في يد المسلم وبعضها في يد الكافر، أو ذبيحة شقّت نصفين نصف في يد هذا ونصف في يد ذاك ـ مثلاً ـ.

إذا عرفت هذا.. فهل أن يد الكافر أمارة عدم التذكية، كما أن يد المسلم أمارة التذكية؟

اختلف الفقهاء في ذلك، فعلى الأول يتعارض الاستصحابان، وعلى الثاني تكون يد المسلم أقوى لأن الاستصحاب الأصل محكوم بأمارة اليد.

والمسألة طويلة البحث، وقد ذكرها صاحب الجواهر والشيخ، وقد أشرنا إلى بعض المبحث في (الأصول).

وإن كان لا يبعد أن يد الكافر لا أمارية لها لا أنها أمارة العدم.

ولا فرق في الكافر بين أن يكون يذكر اسم الله عليه أو لا يذكر، ولا بين أن يكون موحداً أو مشركاً، إذ لا دلالة في قوله تعالى: (لم يُذكَر اسمُ الله عليه)(28) و (ذكر اسم الله عليه)(29) على ما نحن فيه.

كما لا فرق في المسلم بين المبالي وغير المبالي، ولا بين ما إذا علمنا انه لم يعمل بالشرائط أم لا، إذ الأمارة حجّة في باب الشك لا مطلقاً.

ولو كان مسلم وكافر شريكـــين في الأغنام، فإن كان البائع مسلماً كفى، وإن كان كافراً لم يكف شراكة المسلــم في الملك.

ولا فرق في المسلم بين المؤمــن والمخالف والمنافق لأنهم مسلمون ظاهراً أي في المعاملات الإسلامية كما عاملهم الرسول (ص) وعلي (ع) على ذلك.

قول ذي اليد

ثم الظاهر قبول قول ذي اليد في الطهارة والنجاسة، والحليّة والحرمة، والقبلة، والكريّة وعدمها، والملكية والغصبية، والرضاع والقرابة وغيرها.

وقد استدل لجملة منها بالإجماع، وفي الأوّلين قال صاحب الحدائق (قدس سره): ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه.

ويدل على الجميع: سيرة المتديّنين، وبناء العقلاء في كل الأمور المربوطة بإنسان لا ينازعه فيه منازع، وما نحن فيه منه، ولم نجد ردعاً من الشارع، بل الظاهر أنه من الاستبانة في رواية مسعدة(30)، وإن ذا اليد أهل خبرة وقولهم حجة كما تقدم، ولذا ترى الإنسان يسلم نفسه وعرضه وماله إليهم.

وفي المقام بعض الروايات كصحيح معاوية بن عمار (عن الرجل أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول: قد طبخ على الثلث، وأنا أعرفه أنه يشربه على النصف، فاشربه بقوله، وهو يشربه على النصف؟ فقال (ع): لا تشربه، قلت: رجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه أنه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف يخبر أن عنده بختجاً على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه؟

قال (ع): نعم)(31).

فإن تتمّة الخبر يدل على حجية قول ذي اليد، وإن لم يكن من أهل المعرفة.

وبذلك تبيّن أن الكافر كذلك أيضاً، لوحدة الملاك.

أما صدر الرواية فإن المسقط لحجية قول ذي اليد هو الإطمينان بكذبه، والعقلاء لا يعتمدون في مثل هذا، فمثلاً: إذا علمنا أن سائق السيّارة جاهل بالطريق، لامتنعنا من الركوب فيها معه، وهكذا في سائر الموارد.

ومثل الصحيح السابق صحيحة معاوية بن وهب (عن البختج إذا كان هو يخضب الإناء وقال صاحبه: قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه فاشربه)(32).

وخضب الإناء لأنه بدونه أمارة كذبه، والكلام فيما لا أمارة على خلاف قول ذي اليد.

وبذلك يظهر أن ما اشترط فيه شيئاً زائداً محمول على الأفضلية لصراحة الصحيحين السابقين، وعمل المشهور بهما، وجريان السيرة العملية على ذلك.

فعن عمار فيمن يأتـــي بالشراب ويقول: هو مطبوخ عــلـــى الثلث؟ فقال (ع): (إن كان مسلماً ورعاً مؤمناً فلا بأس أن يشرب)(33).

وفي خبر ابن جعفر: (لا يصدَّق إلاّ أن يكون مسلماً عارفاً).

ولذا نجدهم لا يشكّون إذا قال صاحب الدار أو صاحب الأثاث: انه ملكي أو انتفاعه لي بإجارة ونحوها، في انهم ينتفعون به، وإذا قال: انه غصب أو وقف ولست متولياً ولا مأذوناً، لا يمسّونه.

وكذا إذا قال: انه لحم ميتة، وفي عكسه بأن قال: انه مذكى.

ولا فرق بين القول والفعل بأن قدَّمه لضيوفه.

وهكذا حال الأم إذا قالت: أنا أرضعتك العدد المحرّم بشرائطه، أو قالت: إن الرضاع لم يكن بالشرائط.

أو قال صاحب المطعم: انه لحم غنم أو لحم أرنب، إلى غيرها من الموارد, بل ويأتي في كل ذلك قوله (ع): (لَما قام للمسلمين سوق)(34).

بل نراهم يعتمدون على الأوزان والموزونات والموادّ الغذائية المركّبة وما أشبه، كمن قال: انه رطل أو صاع أو وسق أو كر، أو من قال: إن المعدودات بقدر كذا، فيما يتعارف إعدادها مسبقاً للمشتري، وكذلك الحكم بالنسبة إلى الأدوية المركّبة مع أنها قد تكون خطراً على الجسم أو العضو، ـ فيما إذا كانت خلاف الواقع ـ أو مــركبات الأغذية مما للإنسان عناية بصحّتها.

وقد تقدم أن معنى (اليد) الاستيلاء لا أكثر من ذلك.

ولا فرق بين قول ذي اليد وفعله وتقريره لوحدة الملاك وإطلاق الأدلة في الجميع.

فروع في إقرار ذي اليد

ولو أقرّ ذو اليد لأحد المتنازعين حتى يكون الآخر مدّعياً ويكون المقر له ـ كنفس ذي اليد ـ منكراً، فالظاهر قبوله.

وقد تسالم الفقهاء على ذلك ولا محذور فيه، إلاّ أنه إقرار على الغير، والإقرار إنما يقبل على النفس.

وفيه :

أولاً: إن بناء العقلاء على ذلك حيث لم يزد المقر على بقاء المدعي على كونه مدعياً، وأيّ فرق بين أن يدعى عليه أو على المقر له.

وثانياً: إن الإقرار غالباً ـ إلاّ فيما إذا خرج بالدليل ـ إقرار على الغير، وانه وإن كان مصبه عليه إلاّ أنه له أيضاً، و (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز)(35) يشمل الثلاثة.

فلو أقرّ أنه ولده قُبِلَ فإذا كبر الولد وأثرى وافتقر الوالد كُلّف الولد بنفقته، وكان إقراراً على سائر ورثته حتى يشترك معهم أو يتقدّم عليهم ويختصّ بالحبوَة إن كانت.

كما انه إقرار على الولد بأنه لا يتمكّن أن يتزوّج بزوجة أبيه أو بنته أو ما أشبه ذلك.

ولو أقر أنها زوجته كان إقراراً على أمها بحرمة تزويجها له، وإقراراً على أختها وبنتها الربيبة والخامسة وما أشبه.

ولو أقر أنه قَتل فلاناً، كان إقراراً على الحاكم انه يجب عليه قتله إذا كان الوارث يريد ذلك، أو لم يكن له وارث وكان الحاكم يرى الصلاح في قتله.

نعم، فيما لو أقرّ انه قتله خطأً كان إقراراً على العاقلة بوجوب دفع الدية عليهم فهل يقولون بذلك؟ أم يوجبون الدية على نفسه لأنه القاتل كما إذا لم تكن له قرابة ولا بيت مال.

أم على بيت المال، لأنه المعد لمصالح المسلمين، وهذا منه، وإلاّ لذهب دم امرء مسلم هدراً.

ولو أقرّ بأنه مديون لزيد أو انه ابن سبيل كان إقراراً على بيت المال لنفع نفسه في الثاني وانه يستحق الأخذ منه إن كان فقيراً بدون هذا المال الذي يعطيه لدائنه.

ولو أقر أنه مستطيع كان إقراراً على وارثه أن يدافعوا من تركته بعد موته بقدر الحج.

ولو أقرّ بأنه مدين، صلاة وصياماً، كان إقراراً على ولده الأكبر بالقضاء.

ولو أقر بأنه وقف عام كان إقراراً على الحاكم بلزوم إدارته، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.

وإن شئت قلت: إن الإقرار ينفذ بلوازمه إلاّ فيما إذا عُلِم بالخروج عنه.

ولو شك في الخروج فاللازم العمل بالإقرار لبناء العقلاء على ذلك، ولذا لم أجد من خالفه إطلاقاً.

تطبيقات على القاعدة

ولو اعترف بأن ما في يده لزيد ولعمرو، كلاً بالاستقلال فالمشهور بينهم انه يخسر العين للأول والقيمة أو المثل للثاني لأنه بإقراره الأول فوَّت المال على الثاني فعليه تداركه، لكنا ذكرنا في (الفقه) أنه خلاف العلم الإجمالي إذ كيف يحكم الحاكم عليه ـ وهو يعلم أنه ليس مطلوباً إلاّ شيئاً واحداً ـ أن يعطي شيئين أو ثلاثة؟! بل ما ذكروه خلاف بناء العقلاء فاللازم التنصيف حسب قاعدة (العدل)، والتثليث إذا أقرّ لثلاثة.

ولو قال: هذا كله للأول ونصفه للثاني كان للأول ثلثان وللثاني ثلث، وهكذا

ولو قال: هذا لهما معاً، ولم يوضّح كيفية الاشتراك، وأنه بالتناصف أو التفاوت، كان مقتضى القاعدة الأول، من غير فرق فيما لو قال: هذا لزيد، ثم قال: لعمرو بأن يكون ذكر الثاني على نحو الإضراب أو العطف الدال على عدم الاشتراك.

نعم، إذا أمكن التداعي ونحوه كان منه كـــما ذكــره في الدروس فقول صاحب الجواهر (قدس سره): (مقتضى قوله (ع): (إقرار العقلاء)(36) نفوذ كلا الإقرارين فتعطى العين للأول والمثل أو القيمة للثاني) محل نظر.

ولو قال: زوّجت بنتي لزيد ثم قال: لعمرو، ولم يمكن الفحص عن الحقيقة، فاللازم إجبار الحاكم الشرعي إياهما بالطلاق ـ إن لم تصبر البنت على كونها معلقة ـ ثم تتزوّج بمن شاءت، وهذا من الإجبار الشـــرعي كما ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) مثله في باب الصلح في شبه هذه المسألة.

ولو قال: قتل ولدي زيد ثم قال: قتله عمرو ولم تُعرف حقيقة الحال، إلاّ أنّ المؤكّد أن القاتل أحدهــما، لا يكون قصاص، لـ (درء الحدود بالشبهات)(37) وحيث تبيّن انحصار الأمر فيهما جرت قاعدة العدل في تقسيم الدية بينهما.

هذا كلّه إن لم نقل في الموارد المذكورة بالقرعة، وإلاّ كان المجال لها.

ومثله لو قال: هذا ابني، لا بل هذا ـ وأشار إلى غيره ـ وتيقّن الحاكم أن أحدهما ابنه، فاللازم إجراء القاعدة في مثل إرثه وإرثهما، كما أن اللازم الاحتياط في مثل الفروج فلا يتزوّج أحدهما بنته لاحتمال كونها أخته.

ولو قيل بجريان البراءة في كل واحد منهما والبنت، أشكل بأن الحاكم كيف يفتي وهو عالم بأن أحد حكميه باطل؟ فإذا أفتى بتزويج زيد الأول لها، وبعد الطلاق أفتى بتزويج عمرو الثاني لها، قَطَع بأن فتواه أدّى إلى زواج الأخ بأخته.

ومثله في المنع: ما إذا جاءه رجلان وامرأتان وكل يريد الزواج بأحدهما، والحاكم يعلم بأن رجلاً وامرأة من هؤلاء أخ وأخت فهل يتمكن من زواجهما؟ أو زوَّجهما وهو يعلم انه زوَّج أخاً بأخته؟

ومثله لو كانت خنثيان وعلمنا بأن أحدهما ذكر والآخــر أنثى، أو أن الرجل الذي يريد الزواج لا يعلم إلاّ أن أحدهما ذكر والآخر أنثى فهل يتـــمكن من الزواج بهذه تارة وبذلك أُخرى؟

جواز الشهادة والحلف

والشهادة والحلف يجوزان مستنداً إلى اليد، لما تقدم من رواية حفص، فإن من المعلوم أن الإنسان إذا ورث من أبيه شيئاً ثم ادعاه مدّع حلف على عدم صحّة كلامه، مع أن ذلك لا يستند إلاّ إلى يد الأب، إلى غيره من الأمثلة، فإن أصل الملك وإن كان ابتداؤه بحيازة المباحات أما بعد ذلك يكون بالمعاملات ونحوها، وحيث إن الأب لم يكن الحائز الأول ـ فرضاً ـ ولم يجد الوارث الشيءَ إلاّ في يده أو في يد من باعه، يكون مستنده في حلفه ذلك.

وكذلك لو شهد لصديقه أن الشيء له وهو لا يعلم بذلك إلاّ يده، أو اشترى شيئاً ممّن يقطع بأنه ليس الحائز فرضاً.

وقد ذكرنا ـ في (الأصول) في باب حجّية القطع ـ أن الإمارات والأصول التنزيلية يقومان مقام القطع الطريقي.

هذا وربما يقال: إن (اليد) عند العقلاء كاشفة عن الملكية إذا لم يقم دليل على العدم، ولذا يرى الناس ما في يد الغير أنه ملكه إلاّ إذا قامت الحجّة على أنه غصب أو وقف أو إجارة أو ما أشبه، والشارع لم يغيّر هذه الطريقة بل أمضاها، ولذا فإن ما يوجد تحت يد الميّت يكون إرثاً للوارث حتى إذا كان الميت كثير المعاملة مع الناس، إلاّ إذا أقام المدعي دليلاً على العدم، أو علمنا به وجداناً وتنزيلاً.

ويؤيّده الأكل من بيوت من تضمنته الآية(38)، وإن احتمل أن الشيء لغيره وإنما كان في داره وديعة ونحوها، وهكذا الحكم بالنسبة إلى الأمتعة التي كانت تحت تصرفه.

وبذلك تبيَّن جواز الشهادة والحلف وترتيب سائر الآثار كالإرث والتقاص وما أشبه على ما تحت اليد ـ بالمعنى الذي ذكرناه سابقاً لليد ـ.

تعاقب الأيدي

وإذا تعدّدت الأيدي على شيء واحد بدون تفاوت في الاستيلاء ولا تقسيم بينهما ـ كأن تكون هناك دار وتفرّد أحدهما بغرفة وذاك بأخرى ـ كان بينهما على نحو الشركة مما يحتمل أن تكون قهرية أو اختيارية أو بالاختلاف.

وبذلك أفتى الفقهاء، كما يجده المتتبّع في كتبهم، وذلك: لبناء العقلاء وإطلاق بعض الأدلة المتقدّمة ولو بالملاك.

واحتمال أن تكون الدار لأحدهما والآخر ضيف أو نحوه، أو هي بينهما بغير التساوي كاحتمال أن يكونا ضيفين مما لا يعبأ به العقلاء.

أما إذا كان الأمر بالتفاوت كما إذا انهدم السقف عليه فمات، ولم نعلم ملكيته، إلاّ أن أحدهما كان في صورة المالك، فهو لورثته دون من كان في صورة المشتري، ونحوهم.

وكذلك الحكم فيما لو مات الركاب بحادث سيارة حكمنا بالسيارة للسائق وهكذا.

وكذلك حال ما كان مقسماً بأن كان أحدهما جالساً في غرفة وآخر جالساً في غرفة أخرى حيث يختصّ كل مكان بجالسه.

ولذا لو كانا في دكان وباع أحدهما ثلثيه، فإن العرف يطالبه بالدليل على ملكية السدس الزائد على النصف واحتاج طرفه إلى الحلف.

وكما يُنفى التفاوت يُنفى الكلي في المعيّن بأن احتمل أن لأحدهما النصف على نحوه كما ذكروه في أطنان القصب.

وهل من التفاوت ما لو كانت حصة أحدهما في الرعاية أكثر؟ كما إذا كان أحدهما يجلس في الدكان في الأسبوع يومين والآخر بقية أيام الأسبوع، أو يرعى الأغنام كذلك؟ احتمالان: من أن كل واحد مستولي فلا فرق، ومن أن تفاوت الحصص في نظر العرف لتفاوت المحصص.

ضمان اليد

ثم إن (اليد) غير المأذونة من قبل الله ـ سواء مباشرة أو بواسطة من ملكه الله سبحانه ملك عين أو ملك اعتبار كمتولّي الوقف ـ ضامنة سُنةً حيث قال (ص): (على اليد ما أخذت حتى تؤدّي)(39) واشتهارها كاف عن البحث عن سندها.

وإجماعاً وعقلاً وسيرة.

وليس معنى (على) الاستعلاء حتى يقال: ماذا يعلو اليد، بل معناه الضرر، فإن الغالب انه بعكس اللام الذي للنفع، وقد يتعاكسان، مثل: (سلام عليك) و (فللعوام)(40) وليس المراد بالضرر إلاّ التكليف كما لا يخفى.

وحيث إن اليد هي الغالبة في الأخذ نسبت إليها، وإلاّ فعلى غير المأذون العهدة مثل: (لا تلقوا بأيديكم)(41) حيث إنها الغالبة في الضرب والرمي وما أشبه.

و (ما): أعم من الحق.

و (الأخذ): هو الاستيلاء فالسلطة إذا لم تمنع المالك من التصرّف في ملكه، ولكنها استخدمت معه أسلوب التهديد والإرعاب، عُدّت غاصبة وشملها الحديث، بل وحتّى إذا تركته يتصرّف لكنها كانت المستولية وجعلت المالك كالعبد الذي يتصرّف في ملك المولى.

و (الأداء): أعم من العين إن كانت سالمة، والمثل إذا كان لها بعد عدمها، والقيمة إذا لم يكن، وبالقيمة، إذا لم تكن القيمة أيضاً مثلاً لو غصب ماءاً ولا ماء له ولا له قيمته، وإنما له اللّبن فإنه يجب عليه أن يدفع ما يساوي قيمته منه.

وكل هذا أداء بنظر العقلاء مع الترتّب، نعم في المثل يكون الاختيار بيد المعطي إذا كان متعدداً، وكذلك القيمة، أما إذا لم يكونا، لم يستبعد أن يكون الاختيار بيد المغصوب منه إذا كان متعدداً، مثلاً كان للغاصب اللبن والفحم وأراد الأول فإنه لم يكن للغاصب اختيار الفحم.

وعلى هذا فالمال أو الحق ـ كالأرض المحجّرة على قول المشهور وإلاّ فقد رأينا أنها تُملك بسبب الحجر ـ الذي وقع تحت سلطة غير المأذون، عليه أن يؤديه، والفقهاء وإن ذكر أكثرهم (العادية) إلاّ أنه لا خصوصية لها بل كل غير مأذون كذلك، أو نقول: ان مرادهم العادية واقعاً أي التي تعدّت الواقع وإن كان قاصراً كمن زعم انه ملكه أوله حق الإنتفاع به.

و (العهدة) وإن كانت اعتباراً إلاّ أنّ العقلاء وتبعهم الشرع ـ إذ كان العقلاء يرون ذلك قبله ـ يرون تبدّل الخارج إليه ثم تبدله إلى الخارج من غير فرق بين العين والإعتبار في مثل الحق المستولى عليه.

ثم ان المشهور بين الفقهاء ـ في مسألة تعاقب الأيدي ـ: ضمان الجميع وإن كان استقرار الضمان على الأخير، ومعنى استقراره أنّ كل واحد إذا رُجع إليه رجع إلى الأخير المتلف ولا عكس، نعم هو أيضاً يرجع إلى الغارّ لو كان هناك غارّ، فإذا أهدى الغاصب زيداً شاة فذبحها وأكلها فرجع المغصوب منه إليه، حقَّ له أن يرجع إلى الغار لقاعدة (المغرور يرجع إلى من غرّه)(42).

فالمالك له أن يرجع إلى أيّ واحد منهم شاء، بالكل أو بالبعض، حسب اختياره، فله أن يرجع بالدينار المغصوب منه إلى زيد أو إلى زيد وعمرو، بالتساوي أو بالاختلاف، أيّ صور الإختلاف شاء وله أن يقول: ليعطه أحدكم على نحو الواجب الكفائي.

نعم إذا أعطاه أحدهم لم يكن له الحقّ في الرفض ولا أن يقول: أني أريده من الآخر، لأصالة العدم، كما أن الاختيار مع المدين لا الدائن.

وفي أخذ القيمة: الظاهر له قيمة اليوم لا قيمة وقت الأخذ، على تفصيل ذكرناه.

فلو غصب منه ألف دينار يوم كانت قوّته الشرائية عالية ثم يوم الرد قيمتها ألفان كان على الغاصب إعطاء الألفين، أو كانت قيمته ـ يوم الردّ ـ خمسمائة كان عليه إعطاء الخمسمائة، إذ النقد دلال يراد للقوّة الشرائية.

وكذلك يأتي الكلام في القرض والمهر والضمان وغيرها، لكن المشهور لا يقولون بذلك إطلاقاً، وإنما ذكروا مثيلاً له في الوصية والنذر والثلث، كما أشرنا إليه في بعض مباحث (الفقه).

وإذا تردّدنا في الأمر بين قولهم وقول علماء الاقتصاد الذي يؤيّده العرف فيشمله الدليل كان اللازم التصالح، وحيث أن المسألة معنونة في بابي (الغصب) و (المقبوض بالعقد الفاسد) نكتفي هنا بهذا القدر.

نعم، قد لا تشمل قاعدة اليد مورداً وان شمله (لا ضرر) أو الملاك فيها، كما إذا منعه عن حيازة المباحات مما سبّب ضرره عرفاً فإن (لا ضرر) يشمله، على ما ذكرناه في رسالتها.

فروع

ولو كان أحياناً يصيد ما قيمته مائة، وأحياناً ما قيمته خمسون، كان على المانع أن يعطيه النصف منهما لقاعدة العدل.

ولو كان أحياناً يصيد ما قيمته عشرة وأحياناً لا يصيد، فهل ينتفي الضمان لأصالة العدم أو يضمن المانع النصفَ لأنه مقتضى قاعدة العدل؟ لا يبعد الثاني ـ كما هو العقلائي ـ وإن كانت المسألة بحاجة إلى تتبّع أكثر.

ولو استولى إنسان على مباح بدون قصد الملكية بل بقصد النظر أو اللعب أو ما أشبه لم يملكه، ولا يشمله قوله (ص): (من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به) لأن المنصرف منه قصد التملّك.

وقد قال (ع): في موثقة يونس: (ومن استولى على شيء فهو له)(43) وهذا ليس استيلاءاً، ولذا لا يرى العرف الاستيلاء فيمن نزل في أرض يريد الذهاب منها بعد ساعة فهل يصدق أنها له؟

نعم إذا أخرجه إنسان من تلك الأرض مما سبَّب تفويت المنفعة عليه عرفاً كان على المخرج الضمان، بل قلنا في (الفقه): أن الضمان آت فيمن أخرج إنساناً من محله من المسجد أو المدرسة أو الحسينية أو ما أشبه ذلك من الأوقاف العامة والخاصة والمباحات التي أذن أصحابها لمن سكنها.

وروايات المسألة مذكورة في بابي (الإحياء) و (أمتعة البيت) حيث يستولي عليها الزوجان.

ولو كان لأحدهما يد ولم نعرف أنها لأيّهما؟ فالمحكّم قاعدة العدل.

ولا فرق في ضمان اليد بين أن يكونا كافرين أو مسلمين أو بالاختلاف، نعم إذا استولى المسلم على ما لا يرى الكافر ضمانه فلا ضمان، لقاعدة الإلزام.

ولو تخاصم مسلم وكافر فهو للمسلم، لقاعدة علوّ الإسلام.

ولو تخاصم إلينا كافران متحدان في الأحكام من مسلك واحد في فقههم ـ وإن كانا مختلفين في دينهم ـ حكمنا لهما وفق فقههم، أو فقهنا، أو نعرض عنهما كما ذُكر في كتاب القضاء، ولو كانا مختلفَيْن في الأحكام وإن كانا من دين واحد تخيَّرنا ـ إذا أردنا أن نحكم بحكمهم ـ بين هذا أو ذاك إذ لا أولويّة في المقام.

ولو تخاصم إلينا مسلمان من مذهبَيْن فإن كانا متّحدي الأحكام فالحكم وفق ذلك، وإن كانا مختلفي الأحكام سواء كانا من مذهبين أو مذهب واحد حكمنا وفق أيهما شئنا، إذ لا دليل على الترجيح ولا دليل على الأخذ برأي ثالث، كما ان القرعة في الموضوعات لا الأحكام.

ولو جاءنا مقلّدان مع وحدة المسلك حكمنا وفق مسلكهما إن لم نر الحكم على مسلك القاضي، ومع تعدّد المسلك حكمنا على رأينا وإن كان مخالفاً لكلا المسلكَيْن، والتفصيل في باب القضاء.

 

1 ـ النساء: 115.

2 ـ وسائل الشيعة: ج 18، ص 215، ح 2.

3 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 525، ح 3.

4 ـ وسائل الشيعة: ج 18، ص 215، ح 2.

5 ـ النور: 61.

6 ـ راجع موسوعة (الفقه) ج 81 كتاب اللقطة.

7 ـ وسائل الشيعة: ج 12، ص 60، ح 4.

8 ـ البينة: 1.

9 ـ وسائل الشيعة: ج 18، ص 215، ح 3.

10 ـ وسائل الشيعة: ج 13، ص 31، ح 2.

11 ـ وسائل الشيعة: ج 13، ص 30، ح 23606.

12 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 525، ح 3.

13 ـ وسائل الشيعة: ج 18، ص 214، ح1.

14 ـ المستدرك: ج 7، ص 448، ح 8625، ب 15.

15 ـ موسوعة (الفقه) ج101 و102 كتاب الدولة.

16 ـ عوالي اللئالي: ج 1 ، ص 224، ح 106.

17 ـ مستدرك الوسائل: ج 17، ص 368، ح 21601.

18 ـ راجع كتاب الفقه أحكام مستفادة من سيدة النساء (سلام الله عليها).

19 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 353، ح1.

20 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 355، ح 3.

21 ـ مستدرك الوسائل: ج 17، ص 142، ح 20985، ب 1: قال رسول الله (ص): (الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه).

22 ـ موسوعة (الفقه) ج 81 كتاب اللقطة.

23 ـ الوسائل: ج 17، ح 378، ح 32368.

24 ـ وسائل الشيعة: ج 3، ص 332، ح3.

25 ـ وسائل الشيعة: ج 2، ص 1072، ح 7.

26 ـ وسائل الشيعة: ج 14، ص 424، ح 5.

27 ـ سورة الأعراف: 190.

28 ـ الأنعام: 121.

29 ـ الأنعام: 119.

30 ـ وسائل الشيعة: ج 12، ص 60، ح 22050.

31 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 234، ح 31924.

32 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ح 31923 باختلاف يسير.

33 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 235، ح 6.

34 ـ وسائل الشيعة: ج 18، ص 215، ح 2.

35 ـ وسائل الشيعة: ج 16، ص 133، ح 2.

36 ـ وسائل الشيعة: ج 16، ص 133، ح 2.

37 ـ راجع مستدرك الوسائل: ج 18، ص 26، ح 21911، ب 21.

38 ـ النور: 61.

39 ـ عوالي اللئالي: ج1، ص 224، ح 106.

40 ـ وسائل الشيعة: ج 18، ص 94، ح 33385.

41 ـ البقرة: 195.

42 ـ راجع المستدرك: ج 15، ص 46، ح 17492، ب 1.

43 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 525، ح 3