الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

قاعدة القرعة

أدلة القاعدة

وهذه القاعدة متواترة سنداً ـ كما لا يخفى على من راجع الوسائل والمستدرك باب الحكم بالقرعة في القضايا المشكلة في كتاب القضاء وباب تحريم البهيمة الموطوءة، وفي غيرهما، وفي البحار وغيره متفرّقاً ـ.

كما أن عليها الإجماع القطعي قولاً وعملاً.

وقبلها يدل عليها الكتاب في قوله سبحانه: (فساهم فكان من المدحضين)(1) حيث إن الله سبحانه لم يرده فإنه كان عمل أهل السفينة لا عمل النبي (ع)، ويحتمل أن يكون عمل النبي (ع) حيث قال: (فساهم).

وعلى أيّ حال ففيه دليل على كلا الإحتمالين.

وقال تعالى: (إذ يلقون أقلامهم أيّهم يكفل مريم)(2) وكان من جملتهم زكريّا النبيّ، وقد ذكرنا في (الأصول) أنّ قول الأنبياء (ع) وفعلهم وتقريرهم حجّة إلاّ إذا عُلم النسخ، وهذا ليس من الإستثناء، بالإضافة إلى تقرير الأئمة (ع) للقصّتين.

كما ورد أن موسى (ع) أيضاً أقرع في كشف ذلك النمّام.

ويدل عليه من العقل: أنه طريق العقلاء في كشف الموضوع إذا لم يكن بدّ منها، في غير مثل الأمور المالية التي تقسم، لقاعدة العدل، أو قاعدة المهاياة، كما إذا كان هناك محلّ تجاري صغير ولا نعلم أنه لأيهما ولا يمكن البيع ولا الإيجار ولا التراضي على أن ينفرد كل واحد منهما به شهراً ـ مثلاً ـ.

مورد القرعة

وحيث إن موارد قاعدة القرعة هي الموضوعات لا الأحكام، فهي قرينة على إنصراف الإطلاقات إليها فلا تجري في الأحكام، بالإضافة إلى إمكان استفادة ذلك من بعض القرائن الواردة في بعض الروايات حيث إنها تدلّ على عدم المشكل في الكتاب والسنّة، بضميمة أنه ليس شيء إلاّ في أحدهما بنحو الكلية أو الجزئية.

فعن عبد الرحمن القصير عن أبي جعفر (ع): (كان علي (ع) إذا ورد أمر ما نزل به كتاب ولا سنّة قال: رجم (أي: اقرع) فأصاب، قال أبو جعفر (ع): وهي المعضلات).

وفي رواية أخرى مثلها، إلاّ أنّ في آخرها: وتلك (المعضلات)(3).

وبذلك يظهر أنها ليست في الشبهة البدوية أيضاً حيث إن الأدلة الشرعية تشمل الشبهة البدوية فليست بمعضلة.

وبهذه القرينة وما ذكرناه ـ بالإضافة إلى الإجماع القولي والعملي من الفقهاء ـ تخصّ القرعة بما ذكرناه، من غير فرق بين أن يكون المورد من المخاصمات أو غيرها، للإطلاق ولروايات خاصة.

فمن الأول: ما عن رسول الله (ص) أنه قال: (ليس من قوم تنازعوا ثمّ فوَّضوا أمرهم إلى الله إلاّ خرج سهم المحق)(4).

وفي رواية أبي بصير عن الباقر (ع) نحوه، إلاّ أنّه قال: (تقارعوا)(5) بدل تنازعوا.

ومن الثاني: ما رواه محمد بن عيسى عن الرجل (ع) أنه سئل عن رجل نظر إلى راع نزا على شاة قال: (إن عرفها ذبحها وأحرقها وإن لم يعرفها قسّمها نصفين أبداً حتى يقع السهم بها فتذبح وتحرق وقد نجت سائرها)(6).

أقول: ولا يبعد جريان الإحراق إن علم بذلك بعد ذبحها وكذلك إذا ذبح البعض وبقي البعض حيث يقرع بينها.

والظاهر أنّ فائدة الحرق هي شدّة التنفير والترهيب وإلاّ فالظاهر أن الحيوان لم يتلوّث بالجراثيم التي توجب الأمراض كما في ميّت الفارة حيث توجد في ميتها جرثومة الطاعون بكثرة ـ على ما ذكروا ـ.

ولا يبعد جريان ذلك في غير الشاة من الحيوانات المحلّلة حتى الطيور، لفهم المناط.

نعم لا يجري في غير المأكول كالكلب، ولا في الدابّة الواطئة كما تفعله بعض النساء المنحرفات في الغرب حيث تنزو الدابّة عليها.

أما إذا كان البعض خارج محل الإبتلاء فلا يشمله الدليل بل تجري البراءة، كما ذكروا في باب العلم الإجمالي.

كما أن الشارع إذا جعل طريقاً فلا مجال للقرعة، كما في زوج وزان، حيث إن (الولد للفراش وللعاهر الحجر)(7)، وإنما تجري فيما إذا كان كلّهم زناة، أو كلهم وطأوا شبهة، أو الزوج والمشتبه.

ويدل عليه، بالإضافة إلى القاعدة الكلية:

ما رواه الشيخ بإسناده إلى الباقر (ع) قال: (بعث رسول الله (ص) عليّاً (ع) إلى اليمن فقال له ـ حين قَدِم ـ: حدّثني بأعجب ما ورد عليك! فقال: يا رسول الله أتاني قوم قد تبايعوا جارية فوطؤوها جميعاً في طهر واحد فولدت غلاماً واحتجّوا كلّهم يدعيه، فأسهمت بينهم فجعلته للّذي خرج سهمه وضمّنته نصيبهم، فقال رسول الله (ص): ليس من قوم تنازعوا ثمّ فوّضوا أمرهم إلى الله عزّ وجلّ إلاّ خرج سهم المحق)(8).

أقول: والظاهر أنّ خروج سهم المحق من باب أن الله جعل القرعة سبباً لأن يكون الحق لمن خرجت باسمه لا أنها تطابق الواقع أبداً، فكما أن قاعدة الطهارة والحلية وما أشبه حكم ثانوي لا أنها تطابق ـ دائماً ـ الحكم الأولي كذلك حال القرعة لكنها ليست توجب الموضوع، ولذا لو انكشف الخلاف عمل بالواقع كما في القاعدتين أيضاً.

ولا يخفى أن الواطي إنما يضمن الواحد فقط الذي خرجت القرعة باسمه، لأنّ الشارع عيّن ذلك بها كما إذا عيّن بالشاهد.

نعم لو لم ترد القرعة كان اللازم ضمان الكلّ كما إذا نجّس ماء الناس حيث علم إجمالاً بأنه أحدهما، فإن المنجّس يضمن كليهما بعد أمر الشارع بالإجتناب، وقد قال (ع): (يهريقهما ويتيمّم)(9) فإن الممنوع شرعاً كالممنوع عقلاً فيشمله دليل (لاضرر)(10) ونحوه.

نعم إذا أمكنت الإستفادة بما هو أقل من القيمة الواقعية كان الضمان بقدر الإتلاف لا بقدر الكلّ.

لكنا ذكرنا في بعض مباحث (الفقه): ان للمالك أن يضمن المتلف كلّ الشيء ويسلمه الباقي، كما إذا عمد إلى الرزّ الذي أعدّ لضيوفه فألقى فيه نجاسة بعد طبخه، بما يفيد في أكل الدوابّ بنصف القيمة، فللمالك أن يقول أعطني قيمة الكل واستعمله أنت حيث شئت.

ثمّ إنّ موارد القرعة في الروايات وكلمات الفقهاء متعدّدة، وقد ذكر القمي (قدس سره) في سفينة البحار جملة من مواردها الواردة في الروايات، ولا يهمّنا التعرض لها.

كيفيّة القرعة

وكيفيّة القرعة ليست خاصة بل هي كلّما صدقت عليه: من العبارة والكتابة في الأوراق وغير ذلك، لأن الموضوع موكول إلى العرف، وقد كان بعض الفقهاء يراها حتى بمرتفعات الأضرحة المقدّسة.

وإذا كان في أحد الجانبين استصحاب لم يكن موردها، لأنه ليس من عناوين الروايات حينئذ التي هي: المشكل والمعضل والملتبس والمجهول والمشتبه.

ولو كان إنسان عالماً بحقيقة أمر، والحاكم يجهلها، فالتجأ إلى القرعة، فخرجت على خلاف علم ذلك الإنسان كان العالم في سعة من الإلتزام بذلك الحكم، لأن الحكم ـ المستند إلى القرعة ـ لا يغيّر الواقع وليس له موضوعية كما هو الحال في سائر موارد الحكم إلاّ فيما إذا غيّر الحكم الواقعي كما ورد في أن (اليمين تذهب بالحقّ).

وكذلك الحال إذا كانت مورد الشبهة عند الحاكم أعمّ من موردها لدى بعض فأقرع في الواسع لم يكن ملزماً بالنسبة إلى غير الضيق عنده، مثلاً: الموطوء عنده منحصر بين خمسة البيض وعند الحاكم في ستّة لأن السادس من مصاديق الكبرى التي ذكرناها.

والقرعة وإن كانت في الموضوعات في مورد العلم الإجمالي، إلاّ أنه يستبعد كونها في مثل ما إذا تردّد الزوج بين زيد وعمرو أو الزوجة بين أحد الأختين وذلك لأن الأمثلة الواردة في الروايات تختلف عن هذه الموارد، فالإحتمال قويّ بالإنصراف عنها إلى غيرها.

ولو خرج بعض الأطراف عن محل الإبتلاء لم يستبعد بقاء القرعة، كما إذا ضاعت إحدى الشاتين المشتبه بهما أو نحوه، وذلك لإطلاق الأدلة.

والقرعة حاسمة حتى بالنسبة إلىاللوازم، فلو أقرع وخرجت الشاة الموطوءة، كانت نجسة أيضاً لأنّه الظاهر من الأدلة، إلاّ إذا كان نصّ أو إجماع على الخلاف كما في مورد الواطئين في الرواية المتقدمة حيث قال (ع): (وضمنته نصيبهم)(11).

المشكل

ولا فرق في (المشكل) بين كونه عندنا أو في الواقع أو لا يكون له واقع، كمن تزوّج إحداهنّ أو طلّقها إذا قلنا بصحّة ذلك فرضاً، حيث لا واقع فإنه يقرع لإخراج إحداهما.

وفي رواية عن الصادق (ع) (في رجل قال :أول مملوك أملكه فهو حُرّ فورث ثلاثة؟ قال: يقرع بينهم فمن أصابته القرعة أعتق(12).

ولا يخفى أن اقتراع عبد المطلب (ع) لإخراج أيّهما من الولد أو الإبل لم يكن إلاّ أمراً ظاهرياً، فليس من المشتبه في شيء، وذلك لأن قصته كقصّة إبراهيم وإسماعيل (ع) حيث كانت من أجل إلغاء عادة جاهلية بذبح الأولاد، لكن إلغاء الأمر أخرج بهذه الصورة المقبولة عند مجتمعهم، فالنذر من عبد المطلب أيضاً كان مقدمة لذلك، فإنه (ع) كان من أوصياء عيسى (ع) كما في الأحاديث، ولم يكن من الجاهلية في شيء، وهذا ما نستظهره وإن أمكن أن يكون له مخرج آخر.

والإلتزام باللوازم أيضاً هو مقتضى الأصل، إلاّ إذا ورد نصّ أو إجماع على الخلاف كما تقدّم في حديث علي (ع) في اليمن فيمن وطؤوا جارية.

وكما ورد في مورد الحرّ والعبد فعن المختار قال: (دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (ع) فقال له أبو عبد الله (ع): ما تقول في بيت سقط على قوم وبقي منهم صبيان أحدهما حرّ والآخر مملوك لصاحبه فلم يعرف الحرّ من العبد؟ فقال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا ويعتق نصف هذا. فقال أبو عبد الله (ع): ليس كذلك ولكنه يقرع بينهما فمن أصابته القرعة فهو الحرّ ويعتق هذا فيجعل مولى لهذا(13).

وفي رواية أخرى عنه (ع) قال: قضى أمير المؤمنين (ع) باليمن في قوم انهدمت عليهم دار لهم فبقي صبيان أحدهما مملوك والآخر حرّ فأسهم أمير المؤمنين (ع) بينهما فخرج السهم على أحدهما فجعل المال له وأعتق الآخر(14).

نعم إذا ظهر بغير القرعة لم يحتج إلى العتق كما استكشف الإمام (ع) الحرّ من العبد بإحداث ثقبين في حائط المسجد، في قصّة مذكورة.

هل تحتاج القرعة إلى عمل الفقهاء؟

والمشهور بين الفقهاء أن القرعة تحتاج إلى عمل الفقهاء، إما لضعف رواياتها، أو لأنه لو عُمل بها مطلقاً لزم تأسيس فقه جديد.

وكلاهما محلّ تأمّل، إذ قد عرفت تواتر الروايات بها ولو إجمالاً، ولا يُعرف لماذا يلزم تأسيس فقه جديد، فإنه إذا عمل بها ـ في غير الموارد التي فيها نص أو إجماع على غيرها ـ لا يلزم المحذور.

ولذا نرى الفقهاء يعملون بها حتى في الموارد التي لم يعمل بها من قبلهم كما لا يخفى على من راجع كتبهم.

قال المحقّق (قدس سره) في (الشرائع) في كتاب القضاء: (ولو كانت ـ أي العين المتنازع عليها ـ في يد ثالث، قضي بأرجح البيّنتين عدالة، فإن تساويا قضي لأكثرهما شهوداً، ومع التساوي عدداً وعدالة يقرع بينهما، الخ).

وفي خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (ع): (قال: كان علي (ع) إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء وعددهم، أقرع بينهم...)(15) الخ.

وفي خبر عبد الله بن سنان قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: ان رجلين اختصما في دابة إلى علي (ع) فزعم كل واحد منهما أنها نتجت عنده على مذوده، وأقام كل واحد منهما البيّنة سواء في العدد فأقرع بينهما)،الخ(16).

وفي موثقة سماعة قال: (إن رجلين اختصما إلى علي (ع) في دابة ـ إلى أن قال ـ: وأقام كل واحد منهما بيّنة سواء في العدد فأقرع بينهما، الخ)(17).

قال في الجواهر: وأصرح من ذلك المرسل عن أمير المؤمنين (ع) أيضاً في البينتين يختلفان في الشيء الواحد يدعيه الرجلان: إنه يقرع بينهما فيه إذا اعتدلت بيّنة كلّ واحد منهما.

الاستخارة

ولا يخفى أن من أقسام القرعة الاستخارة المتعارفة سواء بالقرآن الحكيم كما ورد أن الحسين (ع) تفأّل بالقرآن لمجيئه إلى العراق فخرجت سورة التوحيد، ولذا قال ابن عبّاس: إن هذه السورة علامة على قتله.

أو بالرقاع كما في ذات الرقاع.

أو بالسبحة كما دلّ على ذلك ما ذكره الجواهر من نسبتها إلى الإمام الحجّة (عجل الله تعالى فرجه)،إلى غير ذلك.

ولا يخفى أن هذه الاستخارة يختلف معناها عن طلب الخير من الله في ما يريد الإنسان العمل به، والتي فيها روايات متواترة لأن الثانية طلب الخير فقط والأولى الاستشارة للعمل فعلاً أو تركاً، وهي ـ بالإضافة إلى الشرعية ـ عقلية حيث إن المردّد في الأمر لا يُقدم في فعله أو تركه بجدّ لحالة التردّد، أما إذا ظهرت الخيرة على أحدهما كان جاداً في مفاده، والجدّية في الأمر من أسباب النجاح.

وبهذا تبيَّن أنها ليست من (الاستقسام بالأزلام) التي كانت في الجاهلية وهي نوع قمار، ومحرّمة، وتفصيله في التفاسير.

 

1 ـ سورة الصافات: 141.

2 ـ سورة آل عمران: 44.

3 ـ المستدرك: ج 17، ص 378، ح 21630، ب 11.

4 ـ وسائل الشيعة: ج 14، ص 567، ح 4.

5 ـ وسائل الشيعة: ج 18، ص 188، ح 6.

6 ـ وسائل الشيعة: ج 16، ص 436، ح 1.

7 ـ المستدرك: ج 15، ص 33، ح 17452، ب 38.

8 ـ وسائل الشيعة: ج 14، ص 567، ح 4.

9 ـ تهذيب الأحكام، ج 1، ص 249، ح 44.

10 ـ الوسائل: ج 12، ص 364، ح 23071.

11 ـ وسائل الشيعة: ج 14، ص 567، ح 4.

12 ـ وسائل الشيعة: ج 18، ص 187، ح 2.

13 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 592، ح 2.

14 ـ وسائل الشيعة: ج 17، ص 592، ح 1.

15 ـ الوسائل: كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، الباب 12، ح5.

16 ـ الوسائل: كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، الباب 12، ح 12.

17 ـ الوسائل: كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، الباب 12، ح12.