الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

قاعدة نفي السبيل

أدلة القاعدة

وهي قاعدة دلّ عليها الكتاب بقوله سبحانه: (لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)(1).

والسُنَّة: حيث رأينا أن الكافر لا يرث المسلم ولا يحجبه إلى غير ذلك.

فقد روى الصدوق في الفقـــيه عن النبي (ص): (الإســـلام يعلو ولا يُعلى عليه والكفّار بمنزلة الموتى لا يحجبون ولا يورثون)(2).

وقالت الصدّيقة الطاهرة عليها السلام: (أهل ملّتين لا يتوارثان) والمراد: أن الكافر لا يرث المسلم وإلاّ ففي الإرث يؤخذ بما التزموا به، ولذا ترث زوجة المجوسي ـ وهي بنته أو أمّه أو أخته أو ما أشبه ـ ميراثين، وكذلك الزوج عن زوجته إلى غير ذلك.

ومن المعلوم أن الآية والرواية في مقام التشريع لا التكوين، لوضوح أن الكفار أحياناً يغلبون المسلمين ويعلون عليهم علوّاً مادّياً كما (علا فرعون في الأرض)(3) وكما قال تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الأيّام نداولها بين الناس)(4) وقال تعالى: (وأنتم أذلّة)(5) إلى غير ذلك.

أما رواية الطبري: قال لعلي (ع) رجل: يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)(6) وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون؟ قال له علي (ع): (فالله يحكم بينهم يوم القيامة، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً يوم القيامة) فهو :

أولاً: ضعيف السند.

وثانياً: ـ على فرض صحّة الحديث ـ فهو بيان مصداق، لأنه إما تشريع أو تكوين في الدنيا، أو حجّة في الآخرة أو حجّة في الدنيا، وحيث خرج التكوين قطعاً بقي الثلاثة الاُخر، فالإمام (ع) ـ بعد الغض عن ضعف السند ـ كان في مقام ردّ المتصوّر أنه بالتكوين وكفى ذكره مصداقاً من المصاديق.

فالمراد: أمّا أن الإسلام يعلو تشريعاً وحجة وآخرة، وأما تكويناً في الدنيا فلا، إلاّ أن يراد بالآية والرواية تكويناً أيضاً في زمان المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) حيث قال سبحانه: (ليُظهِرَه على الدّين كلّه)(7).

والإجماع القطعي قولاً وعملاً: فإن الفقهاء ـ بالإضافة إلى دعواهم القاعدة مستدلّين بالإجماع ـ عملوا بها في موارد كثيرة من الفقه من غير خلاف، بل بعضهم تعدّى إلى التكوين فقالوا: بأنّه لا يسمح للكافر بأن يعلو بيته على بيت المسلم، إلى غير ذلك فتأمّل.

والعقل: فإن رفعة الإسلام وعزّه وشرفه تمنع من تشريع حكم يجعل المسلم أذلّ من الكافر أو مساوياً له، فلا يبقى إلاّ كونه أرفع، قال سبحانه: (ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين ولكنّ المنافقين لا يعلمون)(8) وبذلك ظهر أن آية (وأنتم أذلّة)(9) لا تنافي هذه الآية بل قال سبحانه: (حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)(10).

لا يقال: فكيف جعل الله سبحانه الكفّار أخوة للأنبياء كما قال: (وإلى عاد أخاهم هوداً)(11) و (إخوان لوط)(12) إلى غيرهما.

وكيف قال (ع): (إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)(13)؟

لأنه يقال: (صاغر) بمعنى أصغر، لأنه من مادته، فإن المحكوم صاغر أمام الحاكم، وإلاّ لم يقصد بذلك إهانة الكفّار، ولذا قال (ع): (لكلّ كبد حرّى أجر)(14)، وأعطى علي (ع) والحسين (ع) الماء لمن جاء لقتله، إلى غير ذلك.

وعلى هذا فهذه القاعدة مقدمة على العمومات والمطلقات مثل: (يوصيكم الله في أولادكم للذّكر مثلُ حظّ الأنثَيَيْن)(15)، (ولا يغتب بعضكم بعضاً)(16) إلى غير ذلك.

موارد القاعدة

ثم إن موارد هذه القاعدة ـ حسب ما ذكرها الفقهاء ـ كثيرة، ونحن نكتفي ببعضها بإيجاز إلماعاً :

فإن الكافر إذا التقط طفل المسلم أو مجنونه لا يقرّ يده عليهما، لأنه من السبيل والعلوّ.

كما أنه لا حقّ في القصاص له على المسلم، فلو قتل المسلم مسلماً عمداً وكان للمقتول ولد كافر أو نحوه لم يحقّ له القصاص، وإنما هو حق وارثه المسلم إن كان وإلاّ فالحاكم الشرعي الذي هو وليّ القاصر، ومثل القتل الجروح.

وكذلك لا يحقّ له أن يكون جلاّد الحاكم على المسلمين، وإن جاز كونه جلاّده على الكافرين.

كما لا يحق للرجل الكافر أن يبقى زوجاً للمسلمة فإذا كانان كافرَيْن وأسلمت ولم يسلم الزوج في العدّة انفسخ النكاح، على التفصيل الذي ذكر في كتاب (النكاح).

ولا يصح له أن يكون مصدقاً، لأنه نوع تسّلط على أرباب الزكاة، ويصح كونه آخذ الجزية من الكفّار.

وعدم ثبوت حقّ الشفعة إذا كان المشتري مسلماً ولو كان البائع كافراً، لأنه يستلزم حقّه في انتزاع ملك المشتري المسلم من يده قهراً عليه.

وهذا لازمه أن لا يكون له حقّ التقاص من المسلم، نعم للحاكم أن يقتصّ من المسلم ويعطيه للكافر.

ولا يصح أن يكون متولّياً على أوقاف المسلمين: كالمدارس على أقسامها والمساجد والحسينيّات والمكتبات والمستوصفات والمستشفيات وما أشبه ذلك، لأنه سبيل على المسلمين.

نعم يصحّ كونه متولّياً على هذه المؤسّسات من الكافرين وعليهم، وهكذا حال مدارس الأطفال ونحوها.

وإذا كان جميعهم كفاراً فأسلموا وبقي على كفره خرج عن يده، لظهور إطلاق الآية(17) في الوضع والتكليف معاً، من غير فرق بين أن يكون الواقف مسلماً أو كافراً بل وإن كان هو بنفسه الواقف.

وكذلك حال جعله ناظراً على أمثال هذه المؤسّسات وإن لم تكن موقوفة.

أما كونه متاجراً أو نحوه على البنوك وطبيباً ومحامياً للكافر على الكافر أو للمسلم على الكافر فلا بأس به لأنه ليس سيطرة وسبيلاً.

ولا يبعد أن يكون من الممنوع كونه شرطياً ولو شُرطي المرور أو نحوه أو ما أشبه لأنه سبيل عرفاً، أما أن يكون محاسب القاضي ونحوه فلا بأس لأنه ليس بسبيل عرفاً وليس علوّاً على المسلم.

ولا يتوقّف صحّة نذر الولد على إذن أبيه الكافر بناءً على توقّف صحة نذر الولد المسلم على إذن أبيه، أما إذا قلنا: بأن النذر لا يتوقف وإنما له فكّه فلا يبعد أن يكون للأب الكافر ذلك لأنه ليس بسبيل بل هو مثل حق الكافر في الخيار إذا أشترى من المسلم.

أما إذا كان الأب مسلماً والولد كافراً فهل يتمكّن من فكّ نذره؟ الإطلاق يقتضي ذلك إلاّ إذا كان من دين الكافر العدم، لقاعدة الإلزام.

ولا يصح جعله قيّماً على الأولاد الصغار والمجانين المسلمين لأنه سبيل، وإذا مات المسلم وله ولد كافر أو قريب آخر ممّا كان له ولاية تجهيزه فلا ولاية هنا لأنه من السبيل.

كما لا يصح أن يكون إمام الحاج.

ثم قد ذكر الفقهاء: مسألة العبد المسلم تحت سلطة الكافر بتفصيل، لكن حيث لا يكون في الحال الحاضر محل الإبتلاء نكتفي من البحث بما ذكرناه.

المراد بالمسلم

والمراد بالمسلم الأعم حتّى من المنافق ـ على ما تقدّم ـ وذلك لأن الإيمان كما يعرف من إطلاقاته في الآيات والأخبار يقال :

على وجه العموم الشامل لهم، ولذا قرأ النبي (ص) آية المؤمنات على هند، وكان يعاشر بعض نسائه المنافقات، إلى غير ذلك.

وعلى وجه الخصوص في قبال النفاق الشامل للخلاف أيضاً، ولذا تصح ذبائحهم ويجوز نكاح نسائهم، إلى غير ذلك.

وعلى وجه الأخص في قبال الخلاف في مثل أدلة الشهادة والقضاء ومرجع التقليد والإمامة ونحوها.

روي في الكافي عن حمران عن الباقر (ع) قال: سمعته يقول: (الإيمان ما استقرّ في القلب وأفضى به إلى الله عزّ وجلّ وصدقه العمل بالطاعة لله والتسليم لأمره، والإسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذي عليه جماعة المسلمين من الفرق كلها، وبه حُقنت الدماء وعليه جرت المواريث، وجاز النكاح، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج، فخرجوا بذلك من الكفر واضيفوا إلى الإيمان ـ إلى أن قال ـ: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل والأحكام وغير ذلك؟ فقال: لا هما يجريان في ذلك مجرى واحد)(18) الحديث.

نعم الإسلام الكيدي أو المصلحي والإنتهازي أي أسلم ليتزوّج بنتاً أو يدخل حرم الأئمة (ع) أو ما أشبه ذلك ممّا لا يستعد بالعمل بشيء من الإسلام فليس بإسلام، إذ المنافق أيضاً كان مستعداً لتطبيق الإسلام على نفسه كما أشار إليه الإمام (ع).

فروع

ولا يخفى أن السائق والطيّار والملاح ليس من السلطة حتى يكون ممنوعاً في الكافر على المسلم.

كما لا يمنع الأجير للكافر ولذا امتحى علي (ع) الماء لليهودي.

وكذلك ليس منه ما لو استأجر الكافر المسلم لتعليمه لغةً أو صنعة، حيث إن المسلم الأعلى لا الكافر.

ولكن فيه للفقهاء أقوال، كما لا يخفى على من راجع المفصّلات.

وكذلك حال رهن المسلم داره مثلاً للكافر، إذ ليس هو من العلوّ والسبيل عرفاً.

وهكذا لو اشترى المسلم من الكافر في ذمّته فلا يقال: إنه سبيل على ذمّة المسلم، ولذا اقترض الرسول (ص) من اليهودي ورهن عنده درعه(19) ـ بناءاً على صحّة الحديث ـ.

وكون الكافر مضيفاً للمسلم ليس من السبيل والعلوّ، ولذا ذهبت الزهراء عليها السلام إلى عرس اليهود(20).

وكذلك حال استئجار المسلم لهم لبناء دار أو ما أشبه.

نعم استئجارهم لبناء المسجد وحرم الأئمة (ع) لا يصحّ، لأن نجاستهم ـ على المشهور ـ تمنع من ذلك.

وهكذا يمنع تولّيهم رئاسة بيت المال لأنه يستلزم الأمر والنهي والتقريب والتبعيد وهو سلطة.

ولا دليل على عدم حقهم في اللباس الحسن أو المركوب كذلك، أو بناء دارهم أرفع من دار المسلمين وما أشبه ذلك، لأنه ليس من السبيل عرفاً، فما كان يفعله بعض العثمانيين من أشباه ذلك خال عن الدليل.

لا يقال: أن عدم السبيل يستلزم التفرقة بين الناس، أليس من الأفضل عدم التفرقة كما فعله الغرب؟

لأنه يقال: إن التفرقة عند الغرب أسوء، فتراهم يفرّقون بين الأسود والأبيض، مع العلم أنهما من بلد واحد، ولغة واحدة، ودين واحد، وإنما كان أسوء لأن التفرقة المذكورة ـ عندنا ـ بحجّة ودليل وهي الأدلة العقلية القائمة على أصول الدين، بالإضافة إلى أنها توجب جلب المنحرف عقيدة إلى الاستقامة بينما التفرقة الغربية توجب المزيد من البغضاء والشحناء والحقد، فلا دليل لهم إطلاقاً.

 

1 ـ سورة النساء: 141.

2 ـ من لا يحضره الفقيه: ج 4، ص 243، ح 3.

3 ـ إشارة إلى قوله تعالى: (إن فرعون لعالٍ في الأرض)، يونس: 83.

4 ـ سورة آل عمران: 140.

5 ـ سورة آل عمران: 123.

6 ـ سورة النساء: 141.

7 ـ سورة الصف: 9.

8 ـ سورة المنافقون: 8.

9 ـ سورة آل عمران: 123.

10 ـ سورة التوبة: 29.

11 ـ سورة الأعراف: 65، وهود: 50.

12 ـ سورة ق: 13.

13 ـ نهج البلاغة: الكتاب، 53.

14 ـ بحار الأنوار: ج 71، ص 370، ح63 ب 23، ط بيروت.

15 ـ سورة النساء: 11.

16 ـ سورة الحجرات: 12.

17 ـ سورة النساء: 141.

18 ـ الكافي: ج 2، ص 26، ح5.

19 ـ بحار الأنوار: ج 43، ص 30، ح 37، ب 3.

20 ـ بحار الأنوار: ج 17، ص 297، ح 7، ب 2.