الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

قاعدة الغــُرور

أدلة القاعدة

وهي من القواعد المسلّمة بين الفقهاء، وعليها إجماعهم القولي والعملي، وإن كانت هناك مناقشة ففي الصغريات.

ويدل عليها: ما رواه صاحب جامع المقاصد (قدس سره) عن النبي (ص): (المغرور يرجع إلى من غره).

واستدلّ به الجواهر وغيره، فعدم كونها في كتب الحديث غير ضارّ، إذ كثير من الروايات وجدت في كتب الفتاوى دونها، وذلك يكفي في الوثاقة التي هي المعيار في قبول الخبر، فإن كون الراوي ثقة لا خصوصية له.

ومن المحتمل ان المحقق الثاني (قدس سره) وجد الحديث في كتاب (مدينة العلم) للصدوق (قدس سره) مما لم نظفر به.

وجملة من الروايات المتفرقة الظاهرة فيها بعد إلغاء الخصوصية :

مثل ما رواه ابن محبوب، عن بعض أصحابه، عن الصادق (ع) (في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، ثم رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل؟ قال (ع): إن قال الرابع: أوهمت، ضُرب الحد وأغرم الدية، وإن قال: تعمّدتُ قُتِل)(1).

وحيث إن القاصر لا شيء عليه، فالمراد بالجملة الأولى: أنه لم يبال بالشهادة كما هي حقها، وبالجملة الثانية: التعمّد، كما أن القتل له إنما يكون مع طلب الورثة حسب موازين القصاص.

ورواية أبي عبيدة عن أبي جعفر (ع) قال: في رجل تزوّج امرأة من وليّها فوجد بها عيباً بعد ما دخل بها؟ قال: فقال (ع): (إذا دلّس العفلاء والبرصاء والمجنونة والمفضاة ومن كان بها زمانة ظاهرة فإنها تُردّ على أهلها من غير طلاق، ويأخذ الزوج المهر من وليّها الذي كان دلّسها...)(2).

وفي رواية: (ويرجع بالمهر على من غرّه بها)(3).

وفي رواية أخرى: (لأنه دلّسها)(4).

وفي رواية ـ بالنسبة إلى المهر ـ: (ويكون الذي ساق الرجل إليها على الذي زوّجها لم يبيّن)(5).

وفي رواية: (يرجع به على الذي غرّه).

وفي رواية: يرجع بالمهر على من غرّه.

لكنّهما عن طريق العامّة مرويتان عن علي (ع).

وفي رواية: (وعلى الذي زوّجه قيمة ثمن الولد يؤتيه إلى مَوالى الوليدة كما غرّ الرجل وخدعه)(6).

إلى غيرها من الروايات المتعدّدة في بابي النكاح والشهادة بالباطل وغيرهما، كما يجدها المتتبّع في الوسائل والمستدرك والبحار.

هذا بالإضافة إلى بناء العقلاء الذي لم يردعه الشارع في المتلفات، وأدلّة الضمان مثل (من أتلف) وغيره.

والإشكال في ذلك: بأن المفاد ليس الجزء الأخير من العلة فلا صغرى، وكون السبب أقوى من المباشر ـ الذي هو الميزان في الضمان غير حاصل هنا، فلا كبرى ـ غير وارد، لأن المعيار هو النسبة وهي حاصلة في المقام، ولذا يضمن الطبيب إلاّ إذا استبرأ، نصاً وإجماعاً، ويضمن حافر البئر فيما لو سقط فيه إنسان أو نحوه، بالإضافة إلى الصغريات السابقة في الروايات.

ولذا اختار الشيخ المرتضى (قدس سره) رجوع المغرور إلى الغار فيما إذا كان المشتري عن الفضولي جاهلاً بأن البائع فضولي وليس بمالك، فتضرّر، وقد جعل التلف مدركاً لهذه القاعدة.

وكيف كان.. ففي المذكورات كفاية، وإن كان بعضها محلّ تأمّل، إطلاقاً أو في الجملة.

المعيار رؤية العرف

وقد ذكرنا في بعض المباحث: أن المعيار رؤية العرف في النسبة لا اقوائية السبب والمباشر فقط، ولذا لم نستبعد أنه لو أعطى سيّارته لمن لا يُحسن القيادة، وهو يعرف ذلك، فاصطدمت بإنسان أو حيوان أو مال كان الضمان على كليهما، لأن العرف ينسبه إليهما معاً، وقد جرت بذلك بعض القوانين العالمية.

ولذا ينسب قتل الأئمّة المعصومين الحسن والحسين وموسى والكاظم والرضا والجواد (ع) إلى كل من المباشر والسبب.

وفي الحديث: (إن يزيد قاتل الحسين (ع))(7).

ثم إذا كان الطرفان ـ السبب والمباشر، المحرّض والفاعل ـ عالَمْين بالضرر، فليس هناك غارّ ومغرور، وإن كان قد يطلق عليهما توسّعاً، بل الضمان ونحوه على الفاعل، وإن كان التعزير على السبب ـ في بعض الأحيان ـ لأمره بالمنكر.

وهكذا فيما إذا كان الفاعل عالماً والمحرّض جاهلاً، لعدم صدق التغرير مع علمه، أما إذا كان الغار عالماً والمغرور جاهلاً فهو مصداق القاعدة.

نعم اختلفوا في الصورة الرابعة، وهي جهلهما معاً.

والظاهر: صدق التغرير، لأن العلم ليس له مدخلية في الصدق، إذ التغرير عبارة عن ترغيب شخص إلى فعل يترتّب عليه الضرر أو فوت المنفعة، وإن كان المرغّب جاهلاً بالغرر بل كان قاطعاً بالنفع، أو لم يكن له علم بأحدهما.

وإن كان ربما يقال: بعدم صدق عنوان الغار على مثله خصوصاً في الصورة الثانية، لكنه غير تام عرفاً.

وعلى هذا فكل ما يغرمه الشخص الجاهل ـ كلاً أو بعضاً ـ بسبب الغارّ، يكون عليه، سواء كان الغار عالماً أو جاهلاً، قاطعاً بالعدم أو شاكاً.

مصاديق القاعدة

وقد أكثر الفقهاء ـ من أول الفقه إلى آخره ـ من ذكر المصاديق، ونحن نذكر بعضها وبعض الأمثلة الأخر مما يمكن جريان القاعدة فيها.

مثل أنه لو غرّه بأن الماء لا يضرّه، فتوضأ أو اغتسل فمات أو عطب له عضو أو قوّة، فإن الغار ضامن، سواء كان طبيباً أو غيره، ولذا قال الرسول (ص) (قتلوه قتلهم الله)(8) فنسب القتل إليهم، لكن في كون الرواية ممّا نحن فيه تأمّل.

ومثل ما ذكره الشيخ المرتضى (قدس سره) وغيره في باب بيع الفضولي: ان المشتري إذا لم يخبره الفضول ان هذا مال الغير موهماً أنه ماله ثم تبيّن الخلاف بعد ذلك، فأخذ المالك المال وغرمه أجرة السَكَن ونحوه، كان له الرجوع فيهما إلى الغار.

ومثل ما إذا أعطاه مال الغير بعنوان الهدية فاستعمله بما أوجب عليه خسارة الأصل فيما صرفه كالماء شربه، أو الأجرة ونحوها كسكنى الدار وركوب الدابّة، كان على المُهدي التدارك.

بل ومثل ما إذا أعطاه دجاجة هدية بما لو علم المهدى إليه أنها ليست له لما أكلها، فإنه يكون ضامناً، لقاعدة الغرور، كما أفتى به بعض الفقهاء.

ومثل رجوع الزوج إلى الزوجة المدلّسة أو وليها المدلّس، وإن لم يكن ولياً شرعياً، كما دل عليه النص والفتوى، وقد أشرنا إلى بعض النصوص في أول البحث.

ومثل رجوع المتضرّر جسماً أو مالاً إلى شاهد الزور، وقد تضرّر بسبب شهادته، سواء كان الشاهد عامداً أو لا، كما دلّ عليه النص والفتوى، وقد تقدّم الإلماع إليه.

ومثل ما إذا غُرّ الزوج بأن فلانة زوجته فدخل بها ـ وهي ظانة ذلك ـ حيث إن المهر لها، ويكون المتحمل الغار.

ومثل ما إذا قدّم الغاصب طعاماً إلى شخص لضيافته، أو أسكنه في دار باعتبار أنها داره أو هو متوليها، أو اركبه دابة الغير كذلك، فإذا رجع المالك الأصيل أو الجهة المرتبطة بالوقف على المتصرّف، رجع إلى الغار.

ومثل ما إذا أشار إلى الصيّاد بأنه صيد مباح فأراده وتبيّن أنه مال الغير، فإنه يضمن الغار.

ومثله ما لو غره بأنه صيد فرماه وتبيّن انه إنسان فإنّ دية القتل أو الجرح على الغار.

لا يقال: فماذا بمسألة السبب والمباشر؟ وماذا بمسألة ان الخطأ على العاقلة؟

لأنه يقال: السبب هنا أقوى لأنه الغار المشمول لقاعدته، وليس ذلك من الخطأ الذي على العاقلة.

ومثل ما إذا قال للخيّاط: إن كان يكفي هذا القماش فاقطعه، فقال: يكفي، وقطعه فلم يكف وسقط عن القيمة أو قلّت قيمته، فيرجع صاحب الثوب إلى الخيّاط بما غرّه.

ومثل رجوع المستعير والمستأجر إلى المعير والمؤجر فيما إذا تبيّن له أنّه مال الغير فغرم له، أو كانت الإجارة بالأقل وكانت تساوي الأكثر، فإن التفاوت على الغار.

ومثل ما إذا ذكر له، ان الطريق آمن، فذهب وأصيب في نفسه أو ماله، حيث تشمله القاعدة.

ومثل ما إذا ذكر له: ان فلانة لا زوج لها فتزوّجها وهي لا تعلم ـ حتى لا تكون زانية ـ فإن المهر على الغار، وكذا لو غرّه بأنها ليست أخت زوجته أو ما أشبه وهي لا تعلم أنه متزوّج بأختها، إلى غير ذلك.

ومثل ما إذا غرّه بأن ترك الطعام الفلاني أو الدواء الفلاني لا يضره، أو بأن ترك الذهاب لا يضرّه، فضرّه الترك أو البقاء من جهة أسد ونحوه.

بل يحتمل أن تشمل القاعدة فيما لو قال له: ان الطريق غير آمن فلم يذهب، مما سبب ضرره حتى خسر في تجارته بالبقاء، وما أشبه ذلك، لأن العرف يرى انه الضار وانه الغار.

ومثل أن يصف البنت بالجمال، فأمهرها بما يمهر البنت الجميلة بينما كانت قبيحة تستحق دون ذلك المهر.

ومثل أن قال له: ان البضاعة تساوي كذا، وبعد الشراء والتلف، تبيّن أنّ قيمتها دون ذلك.

ومثل أن شهدوا ان الجراح ديته أكثر، فتبيّن أقل، حيث على الشاهد التفاوت، إلى غيرها من الأمثلة الكثيرة.

فروع

ولو غرّه اثنان فالخسارة عليهما بالسويّة، أما لو كان التغرير بالتفاوت بأن كان أحدهما أكثر من الآخر، فهل يلزم بالتفاوت أو بالتساوي كما ذكروا في الجنايات والجنات؟

لا يبعد الثاني، وإن كان مقتضى السببية الأول، والمثال خرج بالدليل، وإلاّ فإذا رماه أحدهما بسهمين والآخر بسهم مما اشترك الثلاثة في قتله بأن كان لكل ثلث، كان مقتضى العرف والعقلاء التثليث، كما لو أحرق داره اثنان كان لأحدهما نصيب الثلث وللآخر نصيب الثلثين وهكذا.

ثم اللازم استناد الغرور إليه وبدونه لا خسارة عليه، كما إذا مدح بنتاً بالصحة الجيّدة، فتزوّجها بعد مدة حيث انقلبت الصحة إلى المرض، وكذلك البكارة إلى الثيبوبة، فأخذها استناداً إليه باستصحاب السابق، لم يكن عليه شيء لعدم الاستناد عرفاً.

ومثله ما لو أسكنه المالك، ثم انتقل الملك إلى غيره واستمرّ هو في السكنى، فإنه ليس بغار حتى يلزم عليه التدارك، إلى غير ذلك.

ولو شكّ في مورد انه من مصاديق القاعدة، فاللازم العمل حسب الموازين الأولية، إذ الحكم إنما يترتّب بعد تحقّق الموضوع والفرض انه مشكوك.

ولو غرّه أحد اثنين، أو في أحد شيئين، أو غرّ أحدهما إنساناً، فاللازم إعمال قاعدة (العدل) كما ذكرنا مثله في بعض المسائل السابقة.

ولو غرّه في شيء فاشتبه وعمل بآخر لم يكن على الغار، كما إذا دلّس فتاةً اسمها هند بنت زيد، فاشتبه وتزوّج بهند بنت عمرو، مما لو دلّسه فيها كان على الغار، لم يكن عليه شيء، لأنه ليس غاراً بالنسبة إليه، إذ ما غُرّ فيه لم يكن، وما كان، لم يغر فيه.

ولو علم بأنه غرّ أحداً بما فيه المال ولم يعرفه كان عليه المظالم ولو لم يعلم هل كان فيه المال أم لا؟ فالأصل البراءة.

ومثله ما لو غرّه في أحد اثنين والآخر ليس غروراً ولم يعلم هـــل أنه فعل ما فيه الغرور أو الثاني؟ كان كذلك، لأصالة البراءة.

وهل الحكم تكليفي حتى لا يكون على الصبي الغار، أو وضعيّ حتى يكون عليه؟

الظاهر الثاني، لأنه من قبيل (من أتلف) ونحوه، خصوصاً إذا كان الغرور بالتلف، لأنه حينئذ يكون من مصاديقه.

ولو غرّه في زمان فعمل في زمان آخر لا غرور فيه، كان الحكم بالثاني، لأنه ليس حينئذ بمغرور.

 

1 ـ الوسائل: ج 18، ص 240، ح 1.

2 ـ الكافي: ج 5، ص 408، ح 14.

3 ـ المستدرك: ج 15، ص 46، ح 17492، ب 1.

4 ـ المستدرك: ج 15، ص 45، ح 17490، ب 1.

5 ـ الوسائل: ج 14، ص 597، ح 7.

6 ـ الوسائل: ج 14، ص 602، ح 1.

7 ـ بحار الأنوار: ج 44، ص 244، ح 43.

8 ـ المستدرك: ج 2، ص 528، ح 2631، ب 4.