الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

قاعدة الإتلاف

أدلة القاعدة

لا إشكال في هذه القاعدة، والآيات والروايات بها متواترة.

قال سبحانه: (فمن اعتدى عليكم...)(1).

وقال تعالى: (وإن عاقبتم..)(2).

وقال عزّ شأنه: (وجزاء سيئة سيئة)(3).

ومن الروايات: (من أتلف مال الغير فهو له ضامن) حيث ذكر بعضهم أنه رواية.

ورواية: (على اليد ما أخذت حتّى تؤدي)(4).

وفي رواية أخرى: (تؤديه) إلى غيرهما من متواتر الروايات المذكورة في أبواب الضمان والحدود والديات والقصاص وضمان الأجير وشاهد الزور والعارية والرهن والزكاة وغيرها، مما يقرب من مائة رواية مذكورة في الوسائل والمستدرك والبحار وغيرها.

وعليه الإجماع القولي والفتوائي، وبناء العقلاء كافة، والسيرة، والمركوز في أذهان المتشرّعة.

والمعيار صدق العناوين الواردة في الكتاب والسنّة، مثل (الاعتداء) و(السيئة) و(الإتلاف)، ولا يهم بعد ذلك صدق المباشرة والتسبيب وإيجاد الشرط والمعدّ ورفع المانع.

مثلاً: كان هناك أسد يريد أن يفترس إنساناً، يمنعه عن ذلك باب، فإذا فتح الباب فافترسه، كان من السبب عرفاً، وإن كان من رفع المانع اصطلاحاً.

ولا فرق في المباشرة بين عدم وجود الآلة كإتلافه بيده أو رجله أو نفخه في الهواء أو نحوها، أو وجودها كالقتل بالرصاص أو السم أو النار أو ما أشبه، للصدق على ما عرفت.

كما لا فرق بين العلم والجهل والاختيار والإلجاء والإكراه مما لم يكن دليل آخر على العدم، ولذا ورد ضمان الضّئر لو انقلبت على الطفل في حال نومها فمات.

وكذلك أفتوا بالضمان إذا كان التلف بيده أو رجله ـ في حال النوم ـ فكسر الإناء مثلاً.

ومثله لو اضطرّ إلى السير على لَبِِن الغير إلى النهر لإنقاذ ولده فإنه ضامن لخرابها، أو اكره، لكن يلاحظ هنا أنّ أيهما أقوى السبب أم المباشر؟ لأنه المسند إليه القتل والكسر ونحوهما، لا لدليل خاص يفرق بينهما.

وما ذكره بعض المعاصرين من عدم ضمان النائم إذا انقلب وأتلف نفساً أو طرفاً لا في ماله ولا على عاقلته لم يظهر له مدرك.

وإن قيل: ان ظاهر الفعل الاختيار.

قلنا: مناسبة الحكم والموضوع ينفي هذا الظاهر فأيّ فرق بين النائم والغافل والسكران وعدم القاصد وأشباههم؟ ولذا ذكروا: أنه لو ارتضع من النائمة نشر الحرمة.

وقد ذكرنا في بعض المباحث: انه إذا لم ير العرف اقوائية أحدهما كان عليهما، كمن يسلم سيارته إلى من لا يحسن القيادة فيصيب بها إنساناً فيقضي عليه، فإن العرف يرى تقصيرهما، وانه لا اقوائية لأحدهما على الآخر.

نعم ذكر الشارع ـ في أبواب الحدود والديات والقصاص ـ: ما يفرّق بين العمد وغيره، فمن جرح إنساناً من غير عمد لا حدّ عليه ولا قصاص، وإنما الدية على عاقلته على تفصيل مذكور هناك.

كما لا فرق بين الإسلام والكفر إلاّ إذا استثنى بدليل الإلزام ونحوه، كما إذا كانت عقيدة الكفّار أنّ من أتلف شيئاً منهم لا شيء على المتلف، أو ان التلف على شركة التأمين، فيما كان مؤمّناً فليس كإتلاف المسلم المؤمّن حيث إنه أولاً وبالذات على المتلف وإنما تدفعه الشركة حسب الشرط، ولذا لو لم تدفع حق للمتلَف عليه الرجوع إلى المتِلف.

المال والمالية

ثم إن التلف أعم من المال أو المالية، وإن كان الأصل موجوداً بشرط أن لا يكون الشارع حرّمه، فتلف المال إحراق الخشب مثلاً، والمالية جعل الثلج ماءاً فيما لا مالية له أو له مالية ناقصة حيث يضمن التفاوت، كما أن منه حفظ الثلج إلى الشتاء حيث لا مالية له إطلاقاً، أو الذهاب بالماء إلى النهر كذلك.

أما لو تبدّلت المالية للشيء الفلاني إلى شيء آخر كالتمر يصبح خلا، وفُرض أنهما يتساويان في المالية فإنّ صاحبه له الحقّ في مطالبة التمر، فإن الأدلة تشمله.

بل ذكرنا في (الفقه): أنه لو حفظ التمر حتى صار بالياً أو حامضاً، فله الحق في مطالبة مثله وإن كان له قيمة، إذ هو لا يريده، ولا وجه لإعطائه مع التفاوت وإلزامه بأن يبيعه.

وكذلك الحال لو جعل الماء ثلجاً في الشتاء حيث لا يمكن الاستفادة منه وتبديله إلى الماء، ولو بدل ثلجه ماءاً ثم بدل الماء ثلجاً وسلّمه، فالظاهر عدم الضمان لصدق (تؤديه).

ولو احتفظ بالجارية حتى صارت كبيرة مما قلّ مهرها، ضمن التفاوت، وكذلك لو شوّه وجهها ببعض المساحين وما أشبه.

وكذلك لو فعل بالحيوان ما نقصت قيمته، ولو قطع ذَنَب الفرس أو أذنه بما لم تختلف القيمة لكن القاضي ـ مثلاً ـ ليس من شأنه ركوبه، حقّ له مطالبة البَدَل.

وممّا تقدّم يظهر حال ما إذا حفظ ورقة النقد حتى سقطت القيمة، كلاً أو بعضاً، ولا فرق بين سقوط القيمة بصورة كاملة، أو تتبدل القيمة النقدية إلى القيمة الأثرية.

المنافع

وكما يشمل المال: النقود وسائر الأموال، فإنه يشمل المنافع أيضاً كسكنى الدار وركوب الدابة، فلو أتلفهما كان ضامناً لهما ولعوارضهما، والعوارض مثل انه لو أتلف سكنى الدار شهراً وكانت الدار تؤجر سنة بمائة، وأحد عشر شهراً بخمسين ـ لأن السنة الكاملة لها ثمن أعلى كان ضامناً للخمسين المتلفة لا بقدر التقسيم على الأشهر بالتساوي.

وحيث قد عرفت الأدلة فلا يشترط أن يصدق الغصب، أو لا، أو الإتلاف، أو لا، وإن كان اللفظان واردَيْن في النص والفتوى، قال (ع): (فإن الغصب كلّه مردود)(5) إلى غير ذلك.

عمل الحر

وممّا تقدّم عُرف عدم الفرق بين أن يكون المتلف مملوكاً كعمل العبد، أو لا كعمل الحُر، بل الظاهر الضمان فيما لو حبس الفتاة المطلوبة للخاطب مدّة بحيث قلّ مهرها، فإنه يضمن التفاوت.

وحيث إن الأمر ضمان وهو حكم وضعي فلا فرق فيه بين العاقل والمجنون والكبير والصغير إلاّ إذا لم يشمله الدليل عرفاً كالمجنون الفاقد للشعور إطلاقاً أو الصغير غير المميّز إذا لم يكن بتسبيب من العاقل الكبير حيث يضمن هو، لكن ربما يشكل ذلك بتقلّب النائم ونحوه.

ولو أتلف أحد شخصين لم يعرف أيهما، لم يستبعد التنصيف لقاعدة العدل، كما لو أتلف مال أحدهما لم يعرف كذلك نُصّف بينهما.

ولو اشترك اثنان ففي القتل والجراحات لا فرق بين التساوي وغيره لأنه حسب الجُناة لا الجنايات ـ كما قرر في موضعه ـ أما في الأموال فهو حسب الجنايات لا الجنات لأنه الأصل الذي خرج منه الدماء فيبقى الباقي تحت الأصل.

وحيث فصلنا كثيراً من المسائل في كتاب (الفقه) نكتفي بهذا القدر.

 

1 ـ البقرة: 194.

2 ـ النحل: 126.

3 ـ الشورى: 40.

4 ـ عوالي اللئالي: ج 1، ص 224، ح 106.

5 ـ وسائل الشيعة: ج 6، ص 365، ح4.