الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

قاعدة الميسور

أدلة القاعدة

وهي من القواعد المشهورة، ويدل عليها :

من الكتاب قوله سبحانه: (يُريدُ اللهُ بكمُ اليُسر)(1) وإطلاقه يشمل الأصل بعدم جعل الله أحكاماً عسرة، والفرع بعدم إرادته ما يعسر من الأجزاء والشرائط ونحوها، فيبقى الإطلاق بالنسبة إلى العبادة ونحوها شاملاً للبقية.

ويؤيّده استدلال الإمام بـ (ما جعل عليكم في الدين من حرج)(2) للمسح على المرارة حيث لم يرد الله الحرج وبقى دليل الوضوء بإتيان البقية وتبديل المسح بالإمرار على البشرة(3) إلى غيرها من الآيات والروايات الدالة على إرادة الله اليسر و (ان الدين رفيق) وما أشبه.

ومن السُنّة: (ما أمرتكم بشيء) و (ما لا يُدرك) و (الميسور)(4) وسندها ـ كدلالتها ـ غني عن الكلام، وقد ألمعنا إليه في (الأصول).

وقطع النظر عن ذلك، الأصل العملي يقتضي البقاء إذا رأى العرف بقاء الموضوع الذي هو من أركان الاستصحاب كفى ونوبته بعد الأدلة الاجتهادية، وفيه مناقشات ذكرت في المفصّلات.

والإشكال الذي ذكره جماعة من الأصوليّين ـ من أنه لا يمكن أن يراد من (الشيء) في النبوي الأعم من الكل والكلي، لأنه من استعمال اللفظ في أكثر من معنى، المحال عند الآخوند (قدس سره)، وغير الظاهر عند غيره ـ غير ظاهر بعد وجود الجامع، بالإضافة إلى الملاك حسب المتفاهم عرفاً.

ومنه يُعلم عدم تمامية إشكال ان (من) لا يستعمل في الأعم من الأفراد والأجزاء، إذ هو مستعمل في النسبة التبعيضية، فلا يهم بعد ذلك أن يكون الربط بالجزء أو الجزئي.

ومن الإجماع: ما لا يخفى على المتتبّع قولياً وعملياً، وإن اختلفوا في بعض المواضع، فاختلافهم إنما هو في المصداق هل أنه ميسوره أم لا؟ وهل انه منه أم لا؟

ومن العقل: ان بناءهم على ذلك إذا احرز الموضوع أي أنه ميسوره وانه المستطاع منه.

وإليك بعض الموارد التي قيل أو يمكن أن يقال بالأخذ بها فيها، وهي وإن كانت محل مناقشات لكنّــا نذكرها إلماعاً لا استيعاباً:

مثل ما إذا تعذّر تعدّد الغسل في النجاسات المحتاجة إليه فإنه يغسل الممكن حتى في المحتاج إلى التعفير، خصوصاً بعد قول العلاّمة (قدس سره) وجماعة: أن النجاسات الشرعية كالقذارات العرفية فحالها حالها، وهذا هو ما يفهمه العرف.

بل لو أمكن تخفيف النجاسة بأن كانت على الثوب أو البدن قذارة فأمكن إزالة بعضها كمّاً أو كيفاً كان من (الميسور).

ولعلّ منه صب علي (ع) الماء من الترس على جبهة رسول الله (ص) المجروحة مع وضوح ان الماء لا يزيل كل الدم من الجبهة التي فيها نتوآت فتأمل.

استطراد

ومن نافلة الكلام غير المرتبط بالمقام، وإنما نذكره استطراداً ان انكسار رباعية رسول الله (ص) إن أريد به سقوط بعضه، فالظاهر عدم تماميته لأنه يوجب التشويه الخَلقي، وقد ثبت في محله انه لا يكون في الرسول (ص).

ويؤيّده: عدم ذكر أحد أنه رأى الرسول (ص) مكسور الرباعية، ولو كان لَبان.

ومثل ما إذا تعذّر كلّ الدلاء في نزح البئر، فيأتي بالبعض الممكن.

ومثل ما إذا تعذّر السدر، أو الكافور، أو كل الأغسال الثلاثة، أو قِطع الأكفان، أو الحنوط، أو كل الصلاة، أو كل الدفن بأن أمكن دفن نصف جسمه دون الباقي، فَعل الميسور منها.

بل يمكن أن يقال: إنه إذا لم يكن هناك ماء وأمكن مسح السدر أو الكافور فهو المتعيّن، لأنهما عرفاً من باب التطبيب والتنظيف وكلاهما ممكن.

بل لا يبعد أن يقال: بالوجوب فيما إذا كان هناك محلول منظّف دون الماء.

ويؤيده: ما ورد من انه إنما أُمر بذلك حتى يتلقّاه الملائكة بنظافة.

ومثل باب الصلاة حيث يأتي بالميسور منها كما ذكر في كتب الفقه، حتى أنه يتبدّل إلى التسبيحات الأربع، لكن تبدله إلى ركعة فقط من الثنائية أو غيرها محل تأمّل ولم أرَ من ذكره.

نعم ذكروا ـ في باب الطهارة ـ مسألة السلس، ولعلّ باب الستر والقبلة وما أشبه كذلك، فيأتي بالستر وبالقبلة في بعض الصلاة إن لم يتيسّر غير ذلك.

وفي الجهر والإخفات تجري القاعدة أيضاً، وفي باب الجلاّل إن لم يتمكن من تكميل الكم أو الكيف يأتي بما يتيسّر، فتأمّل.

وظاهرهم انه لا تبعيض في الصوم إلاّ في ذي العطاش حيث ورد به النص.

نعم في التقية يأتي بالصوم إلى الغروب الحسّي، ويكفي فلا قضاء، كما ذكر وجهه في بابه.

وفي باب الحج يأتي ببعض الطواف أو السعي أو الوقوفين أو الجمار ويؤتى بالبقية نيابة، كما انه إذا لم يتمكن من بعض أعمال منى يأتي بالبعض الميسور ويستنيب في الذبح والرمي، وإذا لم يتمكن من بعضها إطلاقاً كفى الممكن.

وهل فاقد الطهورين يأتي بصورة التيمّم ـ مثلاً ـ حيث يضرّه الماء والتراب ويأتي بالحج، كما نرى ذلك في باب الصلاة لأنها لا تترك بحال غير بعيد خصوصاً ويأتي لملاك ما ذكره (ص) من (لا حرج، لا حرج)(5) هنا أيضاً.

وفي الهدي إن أمكن الاشتراك فعل كما ورد به الدليل أيضاً، أما إذا لم يمكن إلاّ حيوان آخر غير الأنعام الثلاثة فهل يأتي به، لبعض العلل في النصوص والملاك، أم لا، لأنه لم يقل به أحد؟ الظاهر الثاني فيبدل إلى الصوم إلاّ إذا لم يتمكّن من الصوم.

وفي باب الكفارات يأتي بالممكن من الصيام والإطعام والعتق، أما إذا لم يتمكّن من العتق فلا ينتقل الوجوب إلى ثمنه لأنه ليس عرفاً ميسوراً منه.

وفي باب الحدود والقصاص والديات يأتي ببعضها الممكن، نعم إذا قَتَل فلم يمكن القصاص وأمكنه قطع يده أو رجله أو ما أشبه فهو ليس ميسوراً من القتل، وقد ذكرنا في كتاب (الدولة)(6) وغيره: ان التأديب يقوم مقام الحد في بعض الموارد.

وفي باب نفقات الزوجة ونحوها يأتي بالميسور، كما أن الزوج في القسم والمباضعة يأتي به أيضاً سواء في الكمّ أو في الكيف.

وفي باب الوصية وولاية الوقف ونحوهما يأتي بالميسور منهما كمّاً وكيفاً.

وفي باب الإرث كذلك.

وكذا باب القضاء، مثلاً: ثبت عند الحاكم ان الدار لزيد لكن لا يمكنه الحكم إلاّ بأن بعض الدار له أو أنها في اجارته حتى يتمكّن من الإنتفاع بمنافعها فإنه يأتي بالميسور، إلى غيرها من الموارد المتعدّدة.

المحرمات

كما أن في المحرمات يأتي بترك الميسور تركه كمّاً أو كيفاً، مثلاً: في باب الحج يترك بعض محرماته دون بعض المضطرّ إليه.

كما يترك الشديد إن اضطرّ إلى الخفيف، كما إذا دار الأمر بين قلع شجر الحرم أو حشيشه فإنه يترك الشجر ويقلع الحشيش حيث إن العرف يرى انه أهون.

وهكذا لو دار الأمر بين شرب انائين من الخمر أو إناءٍ، فإنه يترك الإنائين من الخمر إلى إناء، أو يشرب الإناء الخفيف السكر كساعة مثلاً بدل شربة شديدة كساعتين، لكن هذا ليس من باب الميسور إلاّ بالملاك بل من باب (ان الضرورات تقدّر بقدرها).

ونفس هذا الكلام يأتي في باب المستحبّات والمكروهات ـ فيما إذا لم يعلم الارتباط بحيث كان ميسوراً عرفاً ـ كما حدّد بعض الأشياء بعشرة أو أربعين أو سبعين، أو الدخول في الحرم بآداب كذا، أو كراهة شرب الماء قائماً في الليل حيث إذا تيسّر عدم الشرب ليلاً دون ليل أو بعض الماء دون بعض أتى بالميسور أو ترك الميسور.

 

1 ـ البقرة: 185.

2 ـ الحج: 78.

3 ـ المستدرك: ج 1، ص 338، ح 778، ب 34.

4 ـ وسائل الشيعة: ج 13، ص 368، ح 13.

5 ـ راجع الوسائل: ج 7، ص 150، ح 1 وص 153، ح1.

6 ـ موسوعة (الفقه) ج 101 و 102 كتاب الدولة.