الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

قاعدة التسلّط

أدلة القاعدة

وتسمّى بقاعدة (الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم).

وفي موضع من الجواهر زيادة: (وحقوقهم).

والقطعة الأولى رواية(1) مشهورة في ألسنة الفقهاء قديماً وحديثاً، بحيث لا يحتاج إلى البحث عن السند.

و(أنفسهم) مستفاد من قوله تعالى: (النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم)(2).

و(حقوقهم) مستفاد من (لا يبطل حق امرء مسلم)(3) بعد أخذ الموضوع من العرف، إن لم يتصرّف فيه الشرع بزيادة أو نقيصة.

ويدل على القاعدة: الأدلة الأربعة:

فمن الكتاب: قوله سبحانه: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)(4).

وقوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطّيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنّه كان حوباً كبيراً)(5).

وقوله عزّ من قائل: (وآتوا النّساء صدُقاتِهِنّ نِحْلَة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً)(6).

وقوله تعالى: (ولا تـــأكلوا أموالكـــم بينكم بالباطــــل وتُدلوا بها إلى الحكّام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون)(7).

وقال سبحانه: (فلكم رؤوس أموالكم)(8).

ومن السنة :

الروايات الخارجة عن الإحصاء مثل ما تقدم من قوله (ص): (الناس مسلّطون على أموالهم)(9).

وما رواه أبو بصير عن الصادق (ع): (إن لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء)(10) إلى غيرهما، بل باب المعاملات كله مبنى على الروايات الدالة على ذلك.

ومن الإجماع: ما لم يختلف فيه أحد، فهو من أقوى الإجماعات القولية والعملية.

ومن العقل: ان العقلاء يرون ذلك من غير نكير.

ولا يقال: ان الشيوعيّين ينكرونه.

لأنه يقال: كل بديهي ينكره جماعة، حتى أصل الكون والوجود، حيث يقول السوفسطائيون بأنه ليس إلاّ الخيال.

كما يدل عليه أيضاً: المركوز في أذهان المتشرّعة والسيرة القطعية.

وقد جعل في الإسلام المال كالنفس، ووعد لمن أكله من غيره النار، واعتبر من قُتِل دون ماله شهيداً.

فعنه (ص): (من قُتِل دون ماله فهو بمنزلة الشهيد)(11).

وفي حديث آخر عنه (ص): (من أكل مال أخيه ظلماً ولم يردّ عليه أكَلَ جذوة من النار يوم القيامة)(12).

وفي ثالث عنه (ص): (حرمة ماله كحرمة دمه )(13) إلى غيرها ممّا يجده الطالب في (الوسائل) و (المستدرك) و (البحار) وغيرها.

الملكية الفردية والاجتماعية

ثم إن الملكية قد تكون فردية كمال زيد وعمرو، وقد تكون اجتماعية، والثاني قد تكون لطائفة كالخمس والزكاة، وقد تكون لكلّ المسلمين كالمفتوحة عنوة.

كما أنها تقسّم بتقسيم آخر إلى ما يكون محجوراً كالوقف الخاص، بل الوقف العام أيضاً على ما يظهر من بعض الأدلة والأقوال والشواهد، وقد لا يكون كذلك كسائر الأملاك.

ومن ناحية المتعلّق فقد حرّم الشرع ما ليس فيه جهة صلاح عرفي وإن أمكن الاستفادة منه في بعض الوجوه المحلّلة سواء نصّ عليه الشرع كالخمر، أو أطلق: ان كل ضار كذا.

لكن إذا اشترى الخمر لصبّه في بالوعته لقتل الديدان، والصليب لجعله حطباً للتنور فهل يحرم؟

احتمالان، لانصراف الأدلة إلى غير ذلك خصوصاً بعض فقرات رواية (تحف العقول)(14) وللإطلاق، لكن الأول أقرب إلى الصناعة.

وكذلك لو اشترى آلة اللهو لأجل استعمالها فيما يعكس أصوات العصافير وما أشبه، كما يتعارف الآن.

وقد يحرم الشيء من جهة المصرف مثل الإسراف والتبذير، والإضرار بالنفس أو الغير ممّا يحرم، أو من جهة أنه إعانة على الظلم مثل إعطاء السوط للظالم.

والحاصل: ان كون الشيء مال الإنسان يتقلّب فيه كيف يشاء مقيّد بما لا مالية شرعية، وبما لا يجوز بعض التقلّبات لما تقدّم، أو لأنه حقّ الفقراء والمساكين وما أشبه.

شمولية القاعدة

والقاعدة المذكورة تشمل الحقوق من جهة (حقوق المسلمين لا تبطل)(15) إلى غيرها من الروايات الواردة بهذه المضامين.

ثم إن صرح الشارع بالموضوع أو لم يصرح لكن رآه العرف كان كذلك، وإلاّ فلا يكون مشمولاً لها، فالموضوع الشرعي لا إشكال فيه، والموضوع العرفي تابع لهم، فإذا رأى حقاً في زمان دون زمان أو مكان دون مكان، أو جماعة دون جماعة تبعه الحكم.

ويستثنى منه قاعدة الإلزام، كما إذا رآه الشارع حقاً لكن الكافر أو المخالف لا يراه كذلك، فإنه لا احترام لحقه، ولو انعكس كان له الاحترام، وقد ذكرنا في كتاب (الحقوق)(16) جملة منها، فلا داعي إلى تكراره.

ولو شك في أنه حق شرعي أم لا؟ أو حق عرفي أم لا؟ فالأصل العدم.

والتسليط على النفس محدود بحدّ عينه الشارع فلا حقّ له في أن يتصرّف في نفسه محرماً كالأعمال الجنسية المحرّمة، أو كقتل نفسه أو قطع عضوه أو إتلاف قوّة من قواه، ولذا نرى جواز منع الحمل لمدّة لا إذا فعل ما يعقم رحمها أبداً، فالأول كغمض العين، والثاني كقلعها أو عميها.

نعم قد يسلط الإنسان على نفسه بمحرم طبيعي لإكراه أو اضطرار أو قاعدة أهمّ ومهمّ.

كما أنه لا تسلّط على نفسه أو ماله في الواجبات كالجهاد والقصاص والخمس والزكاة وما أشبه، لكنا ذكرنا في بعض أبواب (الفقه) احتمال انه يجوز له الفرار عن القصاص فينتقل إلى الدية.

ويؤيده: قصة الزهري الذي قتل محقون الدم وأرشده السجاد (ع) إلى إعطاء الدية.

ثم إن قاعدة التسلّط مخصّصة بكل ما ورد في أبواب الواجبات والمحرّمات والمعاملات ونحوها من القيود والشروط، فإن الإنسان مسلّط على نفسه وماله في غير المذكورات.

ومثل المال: الحق، ولذا فهو مخصّص بقانون (لاضرر) أيضاً، لأنه ثانوي، والقاعدة أولية، وهي واردة أو حاكمة عليه، ولذا لا حق له فيما يزعج الجيران، كأن يقيم في داره مصنعاً أو مَدْبَغاً أو يسقي الحديقة ماءاً غزيراً ـ ممّا يؤثّر على حائط جاره ـ أو ينصب ما لَه صوت مزعج، أو ينشر الرائحة المؤذية لهم، أو يسبّب جريان الماء من داره إلى سردابهم، أو يزعج أسماعهم بأصواته المنكرة أو ما أشبه ذلك.

وكذلك الحال أن يرفع بناء حائطه بحيث يسدّ الهواء أو الضياء عن جاره ممّا يعدّ ضرراً عرفاً.

ولم يُعلم وجه قول بعضهم بالتعارض بينهما أو نحو ذلك، وحيث تكلّمنا في ذلك في (الفقه) وفي قاعدة (لا ضرر) فلا داعي إلى تكراره.

وإذا اختلف المالك والجار في أنه ضرر أو لا؟ كان المرجع أهل الخبرة.

ولو كان ضرر ثمّ شكّ فيه من جهة بعض التغييرات بما لا يكون من تبدّل الموضوع كان مجرى الاستصحاب، وكذلك العكس.

كما أن قاعدة الأهم والمهمّ تتقدّم على قاعدة التسلّط، فلو كان هناك غريق واحتاج إنقاذه إلى التصرّف بحبل الغير جاز، للقاعدة، وإن لم يرض المالك.

نعم لا يبعد أن يكون له اجرته من بيت المال أو غيره جمعاً بين الحقّين.

وكذلك يقدم قانون الإلزام على قاعدة التسلّط، فإذا لم يره الكافر أو المخالف حقاً أو مالاً لم يشمله (الناس مـــسلّطون) تخصيصاً على ما تقدّم الإلماع إليه.

 

1 ـ بحار الأنوار: ج 2، ص 272، ح7، ب 33.

2 ـ الأحزاب: 6.

3 ـ وسائل الشيعة: ج 19، ص 65، ح 1.

4 ـ البقرة: 188.

5 ـ النساء: 2.

6 ـ النساء: 4.

7 ـ البقرة: 188.

8 ـ البقرة: 279.

9 ـ بحار الأنوار: ج 2، ص 272، ح 7، ب 33.

10 ـ الوسائل: ج 13، ص 381، ح 2.

11 ـ وسائل الشيعة: ج 11، ص 93، ح 10.

12 ـ بحار الأنوار: ج 7، ص 219، ح 131.

13 ـ وسائل الشيعة: ج 8، ص 599، ح 12.

14 ـ تحف العقول ص 331: عن الصادق (ع) في وجوه معايش العباد.

15 ـ الوسائل: ج 14، ص 209، ح 9.

16 ـ موسوعة (الفقه) ج100 كتاب الحقوق.