الفهرس

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

قاعدة الأهمّ والمهمّ

أدلة القاعدة

وهي من القواعد الفقهية، ويدل عليها الأدلة الأربعة:

فمن الكتاب: قوله سبحانه: (ولو لا أن يكون الناس)(1) وقصّة خرق السفينة(2).

ومن السنّة : قوله (ص) لعائشة: (لو لا أن قومك حديثوا عهد بالإسلام...).

وقوله (ص): (لو لا أن يقول الناس أنّ محمداً استظهر بجماعة) ـ في قصة العقبة ـ .

وعدم إقامة الحدّ أو التعزير على الذين فرّوا من الزحف، وعلى من قال: انه (ص) ليهجر وما أشبه.

وترك علي (ع) من كانوا يصلّون التراويح ـ بعد إتمام الحجّة عليهم ـ .

وقوله (ع): (أمّا حقّي فقد تركته مخافة أن يرتدّ الناس)(3) إلى غير ذلك وهو كثير.

ومن الإجماع: العملي منهم في مختلف مسائل الفقه ما لا يخفى.

ومن العقل: انه بناء كافة العقلاء فلا يشك أحد منهم ـ ولا من المتشرّعة ـ في أنه لو خيّر بين محرّمين أحدهما أهم ـ كالزنا أو القُبلة ـ أو واجبين كذلك ـ كإنقاذ غريق أو سفينة فيها مائة وإذا اشتغل بإنقاذ دونها هلكوا جميعاً ـ أو واجب وحرام ـ كالصلاة ليوم أو قتل نفس محترمة ـ في أنه يلزم تقديم الأهمّ.

وهذا هو المركوز في أذهان المتشرّعة، والسيرة القطعية، بل لعل جملة من الأحكام الثانوية ـ كالتقية وأحكام الإضطرار والإكراه وما أشبه ـ من صغريات هذه القاعدة وإن كانت هي قواعد مستقلة بل بين بعضها عموم من وجه.

لكن إنما يقدم الأهم على المهمّ إذا كان إلى حد المنع عن النقيض كالزنا والموت عطشاً ـ كما في قصة المرأة في زمان علي (ع) ـ وإلاّ كان مخيّراً وإن كان تقديم الأهم الأفضل أفضل، كما إذا دار الأمر بين إنقاذ غريقين أحدهما عالم أو عادل دون الآخر.

ولو علم بالأهمية اللازمة إجمالاً، لكنه لم يستطع معرفتها بالضبط، مثل انه لم يعلم أيّ الغريقين رئيس الجيش بما يلحق غرقه الهزيمة بجيش المسلمين، دون الآخر الجندي، تخيّر، وكذلك في الاشتباه في الحكم.

لو ترك الأهم

ولو لم يفعل الأهم وفعل المهم فلو عرف من الدليل ان لا ملاك فيه بطل، حاله حال ما ذكروا من الحكم الإضطراري الذي يتركه للفعل الاختياري، كما إذا ترك التيمّم واغتسل مما سبب موتــه أو ما أشبه، فإن عمله باطل ويجب عليه القضاء والإعادة إن أمكن، وإلاّ فعلى ورثته، وإلاّ صحّ مع العقاب على ترك الأهم، كما ذكروا في مسألة (الترتّب).

ولو لم يعلم انه على أيّ النحوين كان مقتضى إطلاق دليل المهم وجود الملاك إلاّ إذا كانت هناك قرائن تدلّ على الخلاف.

ثم إن تقديم الأهم يكون بقدره، كما مثّلنا في دفع الأجرة للحبل، إذ الأهم إنما يسقط حرمة الغصب، أما ما عداه فلا يكون من الأهم والمهمّ حتى يسقطه.

وكذا لو أُجبر الطبيب على المعالجة، لدليل حفظ النفس الأهم فاللازم دفع الأجرة إليه، ولو أراد أكثر فلا حق له، إذ عمله ليس أكثر من المثل.

نعم له أن يشترط الأكثر ـ قبل المعالجة ـ لـ (تسلّط الناس على أنفسهم).

وكذا في البيوع ونحوها لـ (تسلّطهم على أموالهم) مثل بيع الحنطة في حالة توفّرها فله حق الزيادة، وفي حالة القحط فلا حقّ له فيها لأنه من الإجحاف المحرّم، إلى غير ذلك مما ذكر في موضعه.

ومما تقدم علم أنه لو كان من الأهم ترك الزوجة ـ وطياً أو قسماً أو نفقة ـ لزم عليه التدارك بعد ذلك.

ولا تسقط الأحكام الوضعية بهذا القانون ـ لو قلنا بها ـ بل يرفع اليد عنها بقدر، مثلاً: لو كان الأهمّ أن لا تكون زوجته أو أن تكون زوجته فالأهم لا يوجب أحدهما بالنسبة إلى الزوجة والأجنبية.

وكذلك في باب الطهارة والنجاسة والملكية والرقية وما أشبه ذلك.

ولو كان من الأهمّ ترك الصلاة والصيام والحج أو بعض خصوصياته، فلا يسقط الإعادة ـ إن كانت ـ أو القضاء أو الكفّارة في ما فيه الكفارة مطلقاً، كبعض محرّمات الإحرام كالإستظلال، لما عرف من تقدير الأهم بقدره.

ثم القضاء والإعادة والكفّارة والضمان إن أمكن وإلاّ فلا شيء على فاعل الأهم، ولذا لم يرد ضمان الخضر (ع) للسفينة التي خرقها، ولو كان لبان.

ولو كان أحد الشيئين أهمّ بالقدر المتساوي، ترك المهمّ مخيّراً بينهما.

وقاعدة الأهم تقدّم على (لاضرر) فلو كان غريقان إنقاذ أحدهما أهم كما مثلنا في إنقاذ القائد أو الجندي، وكان في الأهم ضرر دون المهم قدّم الأهم.

وإن تضرّر، كأن يصيبه مرض يحتاج لعلاجه إلى بذل مال كثير، فإن كان هناك بيت مال يتكفّل ذلك فهو، وإلاّ فهل يؤخذ من المنقَذ؟ احتمالان: من الجمع بين الحقّين ومن أنه لا دليل، بل ضرّره الشارع بأمره بإنقاذه، كما إذا استلزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرراً، مثل أن يدفع أجرة السيّارة للذهاب إلى محل المنكر، وشرطُهُم أن لا يستلزم ضرراً يراد به الضرر المعتد به، فتأمّل.

ولو تعارضت الأهمية في الكمّ والكيف، كما إذا كان هناك غريقان من العاديين وغريق ثالث برتبة قائد جيش، لم يتقدّم أحدهما على الآخر، إلاّ إذا علمت الأهمية المانعة من النقيض في جانب، بل يتخيّر بينهما لعدم تحقّق الموضوع.

ولو كان في جانب استصحاب الأهمية كفى، ولو كان استصحاب المهمية لكن لم يعلم ان الآخر أهم أم لا، فلا قاعدة لما ذكرنا في (الأصول): (ان الأصل في التعيين والتخيير: التخيير) وما نحن فيه من مصاديقه.

وحيث تجرى القاعدة فلا مجال لقاعدة القرعة، لأنها للمشكل، والقاعدة لا تدع مشكلة، كما أن الاستصحاب كذلك.

نعم يمكن اتيانها فيما إذا علم بأهميّة أحدهما لكنه غير معيّن لعدم المعارض للقرعة حينئذ.

ولا فرق بين أن يكونا من جنس واحد أو جنسين كالقتل وشرب الخمر.

معرفة الأهم

وتعرف الأهمية من الدليل ومن الإرتكاز، كما إذا دار الأمر بين الزنا وأكل درهم من الربا فإنه يقدم الثاني، لارتكاز المتشرّعة ان الأول أهم حرمة وإن ورد في الحديث: أن درهماً من الربا أعظم من سبعين زنية(4) أو ما أشبه، إذ المتشرعة يحملون ذلك على التخويف، على أنّ كلاً من العقاب والثواب ليسا ميزان الأمر.

ولذا نرى أن بعض المستحبات أكثر ثواباً من الواجبات، مثلاً للمبتدأ بالسلام ـ من الحسنات ـ أكثر مما للمجيب مع أنّ ردّ السلام واجب، وزيارة الحسين (ع) لها من الثواب شيء عظيم بينما هي مستحبة، والإنفاق على الأرحام شيء واجب إلى غير ذلك.

ولو قال: إقطع يد زيد وإلاّ قتلت نفسي، لم يجب القطع بتوهّم أن قتله نفسه الذي يمتنع بسببه أهم، لتوسّط الفاعل المختار.

بل الأمر كذلك لو أمره بمستحب وإلاّ ترك واجباً أو فعل محرماً، كما إذا قال: صلّ صلاة اللّيل وإلاّ لا أصلي الصبح أو أجرح نفسي جرحاً محرماً.

ومثله: لو قال الطبيب لثري: أعطني ألف دينار وإلاّ تركت معالجة الأرمد حتى يعمى.

ولو اشتبه الميّت المسلم بالكافر وجب تجهيز كليهما لأن وجوب تجهيز المسلم أهم ـ عرفاً ـ من حرمة تجهيز الكافر.

والمسائل في ذلك كثيرة نكتفي منها بهذا القدر، والله المستعان.

 

1 ـ الزخرف: 33.

2 ـ الكهف: 71 و 79.

3 ـ بحار الأنوار: ج 43، ص 171، ح 11، ب7.

4 ـ راجع بحار الأنوار: ج 100، ص 117، ح 13 وص 119، ح 22، ب5.